أولًا: المعنى اللغوي:
عزم الأمر وعزم عليه يَعْزِمُ عَزْمًا ومَعْزَمًا ومَعْزِمًا وعُزْمًا وعزيمًا وعزيمةً وعَزْمةً وعزمانًا، واعتزمه واعتزم عليه: أراد فعله وعقد قلبه عليه؛ فالعزم ما عقد عليه قلبك من أمرٍ أنك فاعله. ويقال: ما لفلان عزيمة؛ أي: ما يثبت على أمرٍ يعزم عليه؛ كأنه لا يمكن أن يصرم الأمر، بل يتردد فيه ويختلط. وعزم عليه ليفعلن؛ أي: أقسم عليه، وأمره أمرًا جدًا، لا استثناء فيه. والرجل يعتزم الطريق: يمضي فيه ولا ينثني. ويقال: إنه لذو أمرٍ عزيمٍ: أي مجمعٌ ومحكمٌ ومؤكدٌ. ورجل ماضي العزيم مجدٌ في أموره. والعزم: الصبر في لغة هذيل. يقولون: مالي عنك عزم؛ أي: صبرٌ. والعزيمة: الصريمة، وهي الحاجة التي قد عزمت على فعلها. والعزيمة: الإرادة المؤكدة. والجمع عزائم 1.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف العزم اصطلاحًا بتعريفات مقاربة وافيةٍ، فقال الراغب: «العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر» 2، وقال الجرجاني: «والعزم: جزم الإرادة بغير تردد» 3. وقال القرافي: «وأما العزم فهو الإرادة الكائنة على وفق الداعية. والداعية ميلٌ يحصل في النفس لما شعرت به من اشتمال المراد على مصلحة خالصة أو راجحة، أو درء مفسدة خالصة أو راجحة» 4. وقال ابن القيم: «والعزم: هو القصد الجازم المتصل بالفعل وحقيقته: استجماع قوى الإرادة على الفعل» 5.
ولم يخرج التعريف الاصطلاحي للعزم عن معناه اللغوي، والجزء الحاضر في تلك التعريفات جميعها أن العزم عملٌ قلبيٌ، فهو من باب الإرادات، وليس هو الرغبة المنبتة عن الفعل، وليس هو الهم الطارئ الذي ينصرف عنه صاحبه بذهولٍ أو فترة.
وردت مادة (عزم) في القرآن الكريم (9) مرات 6.
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 3 ... {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } [آل عمران:159]
الفعل المضارع ... 1 ... {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة:235]
المصدر ... 5 ... {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) } [طه:115]
وجاء العزم في القرآن الكريم بمعناه اللغوي: عقد القلب على قطع الأمر وفعله، ويلزم منه الحزم والصبر لحين تحقيقه وإمضائه، ومنه قوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] يعني: الذين عزموا على أمر الله فيما عهد إليهم، وصبروا على كل ما لحقهم من إيذاء؛ في سبيل تحقيق ذلك 7.
الإرادة:
الإرادة لغةً:
المشيئة والقصد، أراد الشيء: شاءه 8.
الإرادة اصطلاحًا:
ميل يعقب اعتقاد النفع 9.
الصلة بين الإرادة والعزم:
أن العزم مقترنٌ بالعمل، وأما الإرادة فقد تسبقه، والعزم إرادةٌ يقطع بها المريد تردده في الإقدام على الفعل أو الإحجام عنه، ويصح أن يسمى مبدأ إرادة الفعل والرغبة فيه قبل هذا القطع إرادةً ولا يسمى عزمًا، فالإرادة من هذه الجهة سابقة على العزم، وكل عزمٍ إرادةٌ، وليس كل إرادةٍ عزمًا 10.
الهم:
الهم لغة:
ما هممت به في نفسك؛ تقول: أهمني هذا الأمر، وهم بالشيء يهم همًا: أراده ونواه وعزم عليه. والهِمة: ما هممت به من أمرٍ لتفعله 11.
الهم اصطلاحًا:
أول العزيمة وعقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر 12.
الصلة بين الهم والعزم:
أن الهم في الأصل حديث النفس بالفعل، ومبدأ الإرادة، فإذا استحكمت تلك الإرادة صارت عزمًا، وتصميمًا على تحقيق ذلك الهم، فالعزم نهاية الهم 13.
الحزم:
الحزم لغةً:
جمع الشيء وشده بحزامٍ أو حبلٍ أو نحوه، والحزم: ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة 14.
الحزم اصطلاحًا:
هو ضبط الرجل أمره، والحذر من فواته 15، أو هو أخذ الأمور بالضبط والإتقان 16.
الصلة بين العزم والحزم:
الحزم: جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه، والعزم: قصد الإمضاء 17.
ما من امرئٍ ذي عقلٍ إلا وهو يهتم لأمرٍ ما؛ ولذا فإن أصدق الأسماء همام وحارث، كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 18.
وإنما يتفاوت قدر الناس على قدر هممهم، ومجالاتها.
وقد تطرق القرآن الكريم إلى شيء من مجالات العزم، يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
أولًا: العزم في طلب العلم وتحمله ونشره:
طلب العلم وتحمله ونشره مجالٌ لظهور أثر تفاوت العزم والهمة، فما بين رجلٍ رزق عقلًا وهمةً فجد في الطلب، وارتقى في الرتب؛ حتى صار يعد من العلماء العاملين والأئمة المتبوعين، وبين من تقاعس عن الجد، ولزم الدعة، وانحطت همته؛ فكان في عداد الهمل الهمج الرعاع أتباع كل ناعقٍ.
وقد أمر الله عز وجل اليهود بأن يأخذوا ما آتاهم من الشرع بقوة، فقال: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا} [البقرة: 93] .
قال ابن عطية: «وقوله تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ} يعني: التوراة والشرع، {بِقُوَّةٍ} أي: بعزمٍ ونشاطٍ وجدٍ، {وَاسْمَعُوا} معناه هنا: وأطيعوا، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط» 19.
وقال البيضاوي: « {بِقُوَّةٍ} بجدٍ وعزيمة» 20.
وقال تعالى عن موسى عليه السلام: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145] .
أي: بجدٍ واجتهادٍ وبقوة قلبٍ وصحة عزيمةٍ؛ لأنه لو أخذه بضعف نية لأداه إلى فتور العمل به 21.
وأمر الله تعالى يحيى عليه السلام: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] أي: بجدٍ وعزمٍ واجتهادٍ ومواظبةٍ 22.
ثانيًا: العزم في العبادات:
وصف الله عز وجل المؤمنين أولي العزم بأنهم {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37] .
فلما صح عزمهم في القيام بتلك الأمور استحقوا وصف الرجولة الذي يوحي بتحمل المسئولية وعلو الهمة. فإذا كان الحرص على الوفاء بها بإزاء عاجل ثمرة التجارة، وتحصيل الربح، وكانت همم البشر في جملتها معقودةً على حب خضرة الدنيا؛ كان القائم بها من أهل العزم الخلص.
قال ابن كثير: «فقوله: {رِجَالٌ} فيه إشعار بهممهم السامية، ونياتهم وعزائمهم العالية، التي بها صاروا عمارًا للمساجد، التي هي بيوت الله في أرضه، ومواطن عبادته وشكره، وتوحيده وتنزيهه، كما قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] » 23.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان في السوق وأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} 24.
ويروى نحو ذلك عن سالم بن عبد الله: أنه نظر إلى قوم من السوق قاموا وتركوا بياعاتهم إلى الصلاة، فقال: «هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} . ويروى عن ابن مسعود، نحو ذلك أيضًا 25.
وفيه ترك الربح القريب رغبةً في الفوز بنعيم الآخرة، وهذا مقامٌ لا يقومه إلا أولوالعزم من البشر.
وفي وصية لقمان لابنه {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .
فيحتمل أن إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى كلها داخلة في المراد بعزم الأمور 26.
والحج عبادةٌ لا يتم مقصودها إلا صاحب عزيمةٍ؛ قال تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] أي: ائتوا بهما تامين كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه الله من غير توانٍ ولا نقصان يقع منكم فيهما 27.
وهو مقامٌ للعطاء المالي والبدني فضلًا عن مفارقة الأهل، ومكابدة السفر ومشاقه. ولا يخلو الحاج من دواعي الرغبة، وبواعث الغضب، والاستفزاز إلى الجدل والمراء؛ ولذا نهاه الله عز وجل عن ذلك، مؤكدًا على فضيلة التقوى، فقال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197] .
والأمر بالتزود إشارةٌ إلى ضرورة استصحابها من أول عقد عزمه على الحج، فيتزود بالتقوى كما يتزود بالطعام؛ مخلصًا نيته من كل شائبةٍ، ومجردًا قصده من كل داخلةٍ. والحج المبرور أفضل الجهاد فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنها قالت: (يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال:(لا، لكن أفضل الجهاد: حجٌ مبرورٌ) 28.
وقال الغزالي: «وأما العزم؛ فليعلم أنه بعزمه قاصدًا إلى مفارقة الأهل والوطن ومهاجرة الشهوات واللذات متوجهًا إلى زيارة بيت الله عز وجل؛ وليعظم في نفسه قدر البيت وقدر رب البيت، وليعلم أنه عزمٌ على أمرٍ رفيع شأنه خطير أمره، وأن من طلب عظيمًا خاطر بعظيم. وليجعل عزمه خالصًا لوجه الله عز وجل بعيدًا عن شوائب الرياء والسمعة، وليتحقق أنه لا يقبل من قصده وعمله إلا الخالص، وإن من أفحش الفواحش أن يقصد بيت الله وحرمه والمقصود غيره، فليصحح مع نفسه العزم. وتصحيحه بإخلاصه، وإخلاصه باجتناب كل ما فيه رياءٌ وسمعة، فليحذر أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير» 29.
ثالثًا: العزم في الجهاد:
الجهاد في سبيل الله عز وجل من أعظم مهمات الدين، وهو أبرز مجالات العزم وأوضحها، ذلك أن الجهاد مخاطرةٌ بالنفس والنفيس، فلا تجد أحدًا أصدق همةً ولا أتم عزيمةً ممن وطن نفسه على بذل النفس والنفيس لإعلاء كلمة الحق. ومنزلة الجهاد من الإسلام سامقةٌ، وشأنه عظيمٌ.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال:(لا أجده) قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟) ، قال: ومن يستطيع ذلك؟! 30
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: (قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله) 31.
وعن معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) 32.
فهذه الأحاديث، وعشرات الأحاديث غيرها توقفنا على شرف الجهاد، ورتبة المجاهدين.
وقد كرم الله عز وجل رجالًا بصدق عزائمهم، وعلو همتهم، فقال: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] .
والإخبار عنهم بأنهم رجالٌ زيادة في الثناء؛ لأن الرَجْلَ مشتق من الرِّجْلِ، وهي قوة اعتماد الإنسان 33.
وعن أنس رضي الله عنه قال: (غاب عمي أنس بن النضر رضي الله عنه عن قتال بدر، فقال:(يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع) فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني: أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، - يعني: المشركين-، ثم تقدم) فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقال: (يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد) قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحدٌ إلا أخته ببنانه قال أنس: (كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] ؛ إلى آخر الآية) 34.
وفيه الأخذ بالشدة واستهلاك الإنسان نفسه في طاعة الله. وفيه الوفاء بالعهد لله بإهلاك النفس، ولا يعارض قوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ؛ لأن هؤلاء عاهدوا الله فوفوا بما عاهدوه من العناء في المشركين وأخذوا في الشدة بأن باعوا نفوسهم من الله بالجنة 35.
رابعًا: العزم في الدعوة إلى الله:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) } [المدثر: 1 - 2] فقوله: {قُمْ} أي: من مضجعك أو: قم قيام عزمٍ وتصميمٍ، فأنذر 36.
والدعوة جهاد بالكلمة، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .
ولعل من حكمة الترتيب في هذه الوصية أنه ابتدره بالحث على ما فيه صلاح نفسه فيما بينه وبين الله عز وجل، ألا وهو الصلاة، فإذا أقام الصلاة كما أمر بها نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر، فكان كاملًا في نفسه مهيأً لتكميل غيره، فانتقل به إلى الوصية التالية {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} والآمر بالمعروف الناهي عن المنكر دائرٌ بين ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: أن يستجاب له، فيكون عليه أن يشكر الله الذي فتح له القلوب ووضع له القبول، وإنما يكون الشكر بمزيد من الاجتهاد في الطاعة والقيام بحق الله، والصبر عن المعصية التي تحرم التوفيق.
الحال الثانية: أن يعرض الناس عنه، فينبغي عليه ألا ييأس من هدايتهم، وأن يتلطف في نصيحتهم، وأن يتحرى أوقات إقبال قلوبهم، وأن يتخولهم مرةً بعد مرةٍ، وفرصةً بعد فرصة.
الحال الثالثة: أن يضموا إلى إعراضهم عنه أذيته بالقول والفعل؛ فينبغي عليه أن يصبر على أذاهم. ففي الأحوال الثلاثة كان الواجب في حقه أنواعًا من الصبر على الطاعات، والصبر عن المعاصي، والصبر على الأذى؛ فكانت الوصية الثالثة: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} .
خامسًا: العزم في العلاقات الأسرية:
من أهم مجالات العزم في العلاقات الأسرية: النكاح والطلاق، وما يتعلق بهما من سلوكٍ يترتب على التزام حكم الشرع فيه، وتعظيم حرمات الله، وحفظ الأعراض، وصيانة جناب العفاف، ويترتب على التجاوز فيه انتهاك المحارم، وإيذاء المشاعر، وهتك الأعراض.
والعلاقة بين الرجل والمرأة قد تحكم بنوعٍ من الميل الفطري والشهوة الغريزية؛ كما دل عليه قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 126] .
أي: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب، ولو حرصتم على العدل، فلا تميلوا إلى التي تحبونها كل الميل في القسم والنفقة، ولا تتبعوا أهواءكم أفعالكم فتدعوا الأخرى كالمعلقة، لا أيِّمًا ولا ذات بعلٍ 37.
والميل بالتفضيل في الحقوق الشرعية بينهن لا يجوز، أما الميل الطبيعي بمحبة بعضهن أكثر من بعض فهو غير مستطاع دفعه للبشر؛ لأنه انفعالٌ وتأثر نفسانيٌ لا فعلٌ 38.
وربما كان هذا الميل الطبيعي مذللًا سبيل الجور في الحقوق الشرعية، وهذا لا يدفع إلا بعزمٍ وتصميمٍ على العدل، ولو بشيءٍ من ترك المباح مخافة الولوج في المحظور، ولو بشيءٍ من هضم حظ النفس من نيل مرادها من محبوبها. وبالجملة فهو مقام عزمٍ لا يثبت فيه إلا من كبح شهوة قلبه بوازع التقوى، وزم شيطان غضبه بلجام الحلم والأناة.
ويظهر هذا العزم في العلاقات الأسرية في أمرٍ آخر وهو الطلاق، فكما يتأثر النكاح وتوابعه بالميل الفطري والشهوة الغريزية، فكذا الطلاق وتوابعه قد يتأثر بالبغض والرغبة في المفارقة بأقل خسارةٍ يتجشمها، وبأكثر ما يستطيع تحميل الطرف الآخر منها، فبعض الأزواج لا يمسك بمعروفٍ ولا يسرح بإحسان، وقد صمم على فراق زوجه، وإنما يفعل ذلك رجاء أن يضطرها أن تترك له حقها أو شيئًا منه، أو نكايةً فيها وتحكمًا بغير وجه حقٍ. فأغلق الشرع عليه إلا باب المعروف، وإن لم يمتثل كان ظالمًا لنفسه.
قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة: 231] .
وقال تعالى في الإيلاء: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226 - 227] .
قال البقاعي: «ولما كان الحال في مدة الإيلاء شبيهًا بحال الطلاق وليس به قال مبينًا أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة الأشهر، بل إما أن يفيء أو يطلق، فإن أبى طلق عليه الحاكم. {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} فأوقع عليه العزم من غير حرف جر، بمعنى أنهم تركوا ما كانوا فيه من الذبذبة وجعلوا الطلاق عزيمة واقعًا، ولما كان المطلق ربما ندم فحمله العشق على إنكار الطلاق رهبه بقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ} أي: الملك الذي له الجلال والإكرام {سَمِيعٌ} أي: لعبارتهم عنه {عَلِيمٌ} أي: به وبنيتهم فيه.
قال الحرالي: وفيه تهديدٌ بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر» 39.
وقال ابن عاشور: «وعزم الطلاق: التصميم عليه، واستقرار الرأي فيه بعد التأمل، وهو شيء لا يحصل لكل مؤلٍ من تلقاء نفسه، وخاصة إذا كان غالب القصد من الإيلاء المغاضبة والمضارة فقوله: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} دليلٌ على شرط محذوف دل عليه قوله: {فَإِنْ فَاءُوا} فالتقدير: وإن لم يفيئوا فقد وجب عليهم الطلاق، فهم بخير النظرين بين أن يفيئوا أو يطلقوا، فإن عزموا الطلاق فقد وقع طلاقهم. وقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} دليل الجواب، أي: فقد لزمهم وأمضى طلاقهم، فقد حد الله للرجال في الإيلاء أجلًا محدودًا لا يتجاوزونه، فإما أن يعودوا إلى مضاجعة أزواجهم، وإما أن يطلقوا، ولا مندوحة لهم غير هذين» 40.
سادسًا: العزم في العلاقات الاجتماعية:
ومما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الإصلاح بين الناس.
يقول تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] .
والمعروف هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير. والإصلاح بين الناس هو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين بما أباح الله الإصلاح بينهما؛ ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة على ما أذن الله وأمر به 41.
فإن كان المظلوم هو الساعي إلى الإصلاح، المبادر بالتأليف؛ ابتغاء مرضات الله، فلعمر الله إنه لمقامٌ عظيمٌ لا يقومه إلا أشداء الرجال وأقوياؤهم. وإن من العزم أن يوطن المرء نفسه على الصبر على الأذى إن كان فيه إصلاحٌ وتأليفٌ للقلوب، فإن غفر لظالمه ابتغاء وجه ربه؛ استحق أن يكون ممن قال فيهم الله عز وجل: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .