ورد ذكر إيتاء عيسى عليه السلام الإنجيل في القرآن الكريم في مواضع عدة منها قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} . [المائدة: 46] .
وقال عز وجل: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ} [الحديد: 27] .
وإيتاء الإنجيل لعيسى عليه السلام عبارة عن إنزاله إليه بوحي من الله تعالى، قال الطبري: « {وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ} يقول: وأنزلنا إليه كتابنا الذي اسمه الإنجيل» 30، وهذا الإيتاء إنما هو منة من الله تعالى للرسول الموحى إليه به، ولأمته التي أنزل إليهم الكتاب، «وفيه تعظيم عيسى عليه السلام بأن الله آتاه كتابًا إلهيًا» 31.
فآتيناه «أي: أعطيناه الإنجيل مشتملًا على هدًى من الضلال في العقائد والأعمال؛ كالتوحيد النافي للوثنية التي هي مصدر الخرافات والأباطيل، ونورٌ يبصر به طالب الحق طريقه الموصل إليه من الدلائل والأمثال والفضائل والآداب، ومصدقًا للتوراة التي تقدمته؛ أي: مشتملًا على النص بتصديق التوراة» 32.
واستشكل في معنى قول المسيح وهو في المهد آتاني الكتاب: قال ابن الجوزي: «وفي معنى الآية قولان:
أحدهما: أنه آتاه الكتاب وهو في بطن أمه، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وقيل: علم التوراة والإنجيل وهو في بطن أمه.
والثاني: قضى أن يؤتيني الكتاب، قاله عكرمة.
وفي الكتاب قولان:
أحدهما: أنه التوراة.
والثاني: الإنجيل» 33.
وجزم القرطبي بالقول الثاني وهو أن المراد بالكتاب هنا الإنجيل 34.
وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 87] .
وقوله سبحانه: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 253] .
وقد اختلفوا في {الْبَيِّنَاتِ} :
فقال البغوي: « {الْبَيِّنَاتِ} : الدلالات الواضحات، وهي ما ذكر الله في سورة آل عمران والمائدة، وقيل: أراد الإنجيل» 35.
ومال الرازي إلى القول بأن الكل يدخل فيه؛ لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصيص معنى 36.
وكذلك اختلفوا في الروح القدس التي أيد الله المسيح به إلى ثلاثة أقوال:
«أحدها: أنه جبريل. والقدس: الطهارة، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي في آخرين. . .
والقول الثاني: أنه الاسم الذي كان يحيي به الموتى، رواه الضحاك عن ابن عباس.
والثالث: أنه الإنجيل، قاله ابن زيد» 37.
ووجه تسمية الإنجيل بالروح القدس عند من فسره به أن «الإنجيل سببٌ لظهور الشرائع وحياتها» 38.
وصف القرآن الكريم الإنجيل الصحيح الذي أنزل على المسيح من عند الله تعالى بوحي منه بعدة أوصاف تدعو المسلمين إلى الإيمان به واحترامه وتوقيره ككتاب سماوي أنزل على نبي ورسول من أنبياء الله ومن أولي العزم من الرسل، لهداية من أنزل إليهم الكتاب من الأمم، وهذه الصفات جمعت في قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} . [المائدة: 46] .
فيتضح من هذه الآية «أنه تعالى وصف الإنجيل بصفاتٍ خمسةٍ فقال: فيه هدىً، ونورٌ، ومصدقًا لما بين يديه من التوراة، وهدىً، وموعظةً للمتقين» 39.
ونبين كلا من هذه الصفات:
1.فيه هدى:
«والهدى: الإرشاد والدعاء إلى توحيد الله وإحياء أحكامه» 40.
قال تعالى: {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ} [آل عمران: 3 - 4]
وكون الإنجيل {هُدًى} أي: «هاديًا لمن تبعه» 41، وقيل: {هُدًى لِلنَّاسِ} معناه: دعاء، والناس بنو إسرائيل في هذا الموضع؛ لأنهم المدعوون بهما لا غير، وإن أراد أنهما هدىً في ذاتهما. . فالناس عام في كل من شاء حينئذ أن يستبصر» 42.
فالإنجيل كتاب هداية من الله لبني إسرائيل شامل لكل أمورهم الدينية في أمر العقيدة والشريعة، فمعنى قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى} : «أي: أعطيناه الإنجيل مشتملًا على هدًى من الضلال في العقائد والأعمال؛ كالتوحيد النافي للوثنية التي هي مصدر الخرافات والأباطيل» 43، «وهو بيان ما جهله الناس من حكم الله في زمانه» 44.
وبذلك يتضح أن «معنى كونه فيه هدًى أنه يشتمل على دلائل التوحيد، وتنزيه الله عن الولد والصاحبة والمثل والضد، وعلى الإرشاد والدعاء إلى الله تعالى، وإلى إحياء أحكام التوراة» 45.
2.نور:
«وأما كونه نورًا، فالمراد به كونه بيانًا للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف» 46.
فهو هدى من رب العالمين «ونورٌ يبصر به طالب الحق طريقه الموصل إليه من الدلائل والأمثال والفضائل والآداب» 47، فهو نور «وضياء من عمى الجهالة» 48.
فالمراد بكون الإنجيل نورًا: «ما فيه مما يستضاء به؛ إذ فيه بيان أحكام الشريعة وتفاصيلها» 49.
ف من شأنه أنه يزيل الظلمة ويوضح الطريق، ولهذا سمي الإنجيل به، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: {وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} أي: «هدًى إلى الحق، ونورٌ يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات» 50.
3.مصدق لما قبله:
قال تعالى في وصف الإنجيل: {وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} «أي: ومصدقًا للتوراة التي تقدمته؛ أي: مشتملًا على النص بتصديق التوراة» 51.
وتصديقه للتوراة له معنيان:
الأول: ما ذكره أبو حيان بقوله: «وتصديقه إياها هو بكونه مقرًا أنها كتابٌ منزلٌ من الله حقًا واجبٌ العمل به قبل ورود النسخ، إذ شريعته مغايرةٌ لبعض ما فيها» 52.
الثاني: ما فسره ابن كثير بقوله: «أي: متبعًا لها، غير مخالفٍ لما فيها، إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه» 53.
«وهذا التصديق لا ينافي أنه نسخ بعض أحكام التوراة كما حكى الله عنه {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50] » 54.
ويلاحظ أيضًا في هذه الآية ورود عبارة {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} فيها مرتين، «وهذا ليس بتكرار للأول؛ لأن في الأول: الإخبار بأن عيسى مصدق لما بين يديه من التوراة. وفي الثاني- الإخبار بأن الإنجيل مصدق للتوراة، فظهر الفرق بين اللفظين وأنه ليس بتكرار» 55.
وفرق الطاهر بن عاشور بين تصديق المسيح نفسه للتوراة وبين تصديق الإنجيل لها بقوله: «فتصديق عيسى التوراة: أمره بإحياء أحكامها، وهو تصديقٌ حقيقيٌ، وتصديق الإنجيل التوراة: اشتماله على ما وافق أحكامها، فهو تصديقٌ مجازيٌ» 56.
«والمعنى: أن عيسى وكتابه الذي أنزل عليه هما مصدقان لما تقدمهما من التوراة، فتظافر على تصديقه الكتاب الإلهي المنزل، والنبي المرسل المنزل عليه ذلك الكتاب» 57.
4.هدى:
وقد وصف الإنجيل بكونه هدى من وجهين:
الوجه الأول: وصف لما في الإنجيل من الآيات والأحكام بتفصيلاتها بأنها هدى.
الوجه الثاني: وصف للإنجيل بذاته وجملته أنه هدى.
فالملاحظ في آية المائدة التي ذكرت صفات الإنجيل أن لفظ الهدى قد تكرر فيها مرتين، وليس الهدى الثاني عين الأول، وحاشا لله أن يقع في كلامه تكرار لا فائدة منه، فالهدى الأول هو ما ذكر المفسرون معناه بما سبق، «وأما كونه هدًى مرةً أخرى فلأن اشتماله على البشارة بمجيء محمدٍ صلى الله عليه وسلم سببٌ لاهتداء الناس إلى نبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولما كان أشد وجوه المنازعة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى في ذلك لا جرم أعاده الله تعالى مرةً أخرى، تنبيهًا على أن الإنجيل يدل دلالةً ظاهرةً على نبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فكان هدًى في هذه المسألة التي هي أشد المسائل احتياجًا إلى البيان والتقرير» 58.
قال الألوسي: «وجعل كله هدى -بعد ما جعل مشتملًا عليه-؛ مبالغة في التنويه بشأنه لما أن فيه البشارة بنبينا صلى الله عليه وسلم أظهر» 59.
وقد اعتنى الإنجيل ببيان صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من غيره من الكتب السابقة عليه، والحكمة من ذلك أنه أقرب الكتب عهدًا بمبعثه صلى الله عليه وسلم، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه.
وقيل: معنى كونه {وَهُدًى} أنه جاء «بيانًا لحكم الله الذي ارتضاه لعباده المتقين في زمان عيسى» 60.
5.موعظة:
وهذه خاتمة الصفات المذكورة للإنجيل في هذه الآية، قال تعالى: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} ، وقد تحدثنا عن الهدى الثاني وذكرنا المراد به والفرق بينه وبين الهدى الأول.
«وأما كون الإنجيل موعظة فلاشتماله على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة، وإنما خصها بالمتقين؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بها، كما في قوله: هدىً للمتقين» 61.
قيل في معنى كون الإنجيل موعظة، أي: «زجرًا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال، وتنبيهًا لهم عليه» 62.
«ولعله ما انفرد به من المسائل الروحية والمواعظ الأدبية، وزلزلة ذلك الجمود الإسرائيلي المادي، وزعزعة ذلك الغرور الذي كان الكتبة والفريسيون من اليهود مفتونين به، وخص هذا النوع بالمتقين؛ لأنهم هم الذين ينتفعون به؛ إذ لا يفوتهم شيءٌ من الكتاب لحرصهم عليه وعنايتهم به، والحكمة من هذا النوع من الهدى والموعظة: فقه أسرار الشريعة ومعرفة حكمتها والمقصد منها، والعلم بأن وراء تلك التوراة وهذا الإنجيل هدايةً أتم وأكمل، ودينًا أعم وأشمل، وهو الذي يجيء به النبي الأخير (البارقليط) الأعظم، ولولا زلزال الإنجيل في جملته لتلك التقاليد، وزعزعته لذلك الغرور، وأنس الناس بما حفظ من تعاليمه عدة قرونٍ، لما انتشر الإسلام بين أهل الكتاب في سورية ومصر وبين النهرين بتلك السرعة» 63.
أولًا: الأحكام التشريعية في الإنجيل:
أودع الله في الإنجيل أحكامًا وتشريعات لهداية من أنزل إليهم، وأمرهم بأن يأخذوا بها، ويعملوا بأحكامها، ويحكموا بمقتضاها.
قال تعالى {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] .
وهذه الآية تبين أمرين:
أولًا: الحكمة من إيتاء المسيح عليه السلام الإنجيل الذي وصفه الله تعالى بالصفات السابق بيانها في الآية التي قبلها مباشرة هي: أن يعملوا بما فيه.
ثانيًا: وجوب العمل بما أنزل الله في الإنجيل على أمة المسيح عليه السلام قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم.
والآية تدل على أن الإنجيل مشتمل على الأحكام، وأن عيسى عليه السلام كان مستقلًا بالشرع مأمورا بالعمل بما فيه من الأحكام قلت أو كثرت لا بما في التوراة خاصة، وأن اليهودية منسوخة ببعثة عيسى عليه الصلاة والسلام 64.
ويشهد لذلك أيضًا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا ... ) الحديث 65.
وخالف في ذلك بعض الفضلاء، قال الشهرستاني: «وجميع بني إسرائيل كانوا متعبدين بذلك، مكلفين بالتزام أحكام التوراة، والإنجيل النازل على المسيح عليه السلام لا يتضمن أحكامًا، ولا يستبطن حلالًا ولا حرامًا؛ ولكنه: رموز، وأمثال، ومواعظ، ومزاجر؛ وما سواها من الشرائع والأحكام فمحالة على التوراة، فكانت اليهود لهذه القضية لم ينقادوا لعيسى ابن مريم عليه السلام، وادعوا عليه أنه كان مأمورًا بمتابعة موسى عليه السلام، وموافقة التوراة، فغير وبدل، وعدوا عليه تلك التغييرات، منها: تغيير السبت إلى الأحد، ومنها: تغيير أكل لحم الخنزير، وكان حرامًا في التوراة، ومنها: الختان، والغسل، وغير ذلك، والمسلمون قد بينوا أن الأمتين: قد بدلوا، وحرفوا؛ وإلا فعيسى عليه السلام كان مقررًا لما جاء به موسى عليه السلام» 66.
«وحمل المخالف هذه الآية على وليحكموا بما أنزل الله تعالى فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة، وهو خلاف الظاهر كتخصيص ما أنزل فيه نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم» 67.
وقال الألوسي: «أمر مبتدأ لهم بأن يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائل رسالته صلى الله عليه وسلم وما قررته شريعته الشريفة من أحكامه، وأما الأحكام المنسوخة فليس الحكم بها حكمًا بما أنزل الله تعالى بل هو إبطال وتعطيل له إذ هو شاهد بنسخها وانتهاء وقت العمل بها؛ لأن شهادته بصحة ما ينسخها من الشريعة الأحمدية شاهدة بنسخها، وأن أحكامه ما قررته تلك الشريعة التي تشهد بصحتها» 68.
وقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على بعض ما فرض على النصارى من الأحكام الشرعية، كما في قوله تعالى حكاية عن المسيح عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] .
قال الطبري: «وقوله {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} يقول: وقضى أن يوصيني بالصلاة والزكاة، يعنى: المحافظة على حدود الصلاة وإقامتها على ما فرضها علي. وفي الزكاة معنيان، أحدهما: زكاة الأموال أن يؤديها. والآخر: تطهير الجسد من دنس الذنوب؛ فيكون معناه: وأوصاني بترك الذنوب واجتناب المعاصي، وقوله {مَا دُمْتُ حَيًّا} يقول: ما كنت حيًا في الدنيا موجودًا، وهذا يبين عن أن معنى الزكاة في هذا الموضع: تطهير البدن من الذنوب؛ لأن الذي يوصف به عيسى صلوات الله وسلامه عليه أنه كان لا يدخر شيئًا لغد، فتجب عليه زكاة المال، إلا أن تكون الزكاة التي كانت فرضت عليه الصدقة بكل ما فضل عن قوته، فيكون ذلك وجهًا صحيحًا» 69.
فلا شك أنه قد فرض الله على النصارى صلاة وزكاة لا نعلم كيفيتها ولا عددها، ولا هي نفس التي كانت عند اليهود أو غيرها، ولا نعلم هل الصلاة والعشور التي عندهم الآن هي الصحيح النازل من عند الله أو هي مما حرفوا وبدلوا.
وقد أخبرنا القرآن الكريم بأن الله قد فرض الصيام على الأمم السابقة، ولا شك أن منها النصارى أمة المسيح عليه السلام.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] .
وقد اختلف المفسرون في المقصود بمن قبلنا في الآية.
قال ابن الجوزي: «وفي الذين من قبلنا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم أهل الكتاب، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس، وهو قول مجاهد.
والثاني: أنهم النصارى، قاله الشعبي، والربيع.
والثالث: أنهم جميع أهل الملل، ذكره أبو صالح عن ابن عباس» 70.
فعلى الأقوال الثلاثة فالنصارى معنيون بهذه الآية، فلا شك أنهم كانوا قد فرض عليهم الصيام.
كما لا شك أن الإنجيل قد أمرهم بمكارم الأخلاق وبر الوالدين وحسن معاملة القريب والغريب، وأنه نهاهم عن كل قبيح كالقتل والزنا والسرقة والعقوق والكذب وسائر الأخلاق الذميمة.
وقد أورد الفخر الرازي سؤالًا على هذه الآية وهو: «فإن قيل: كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن؟
قلنا: الجواب عنه من وجوهٍ:
الأول: أن المراد: ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وهو قول الأصم.
والثاني: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، مما لم يصر منسوخًا بالقرآن.
والثالث: المراد من قوله وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه: زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره مثل ما فعله اليهود من إخفاء أحكام التوراة، فالمعني بقوله: (وليحكم) أي: وليقر أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه على الوجه الذي أنزله الله فيه من غير تحريفٍ ولا تبديلٍ» 71.
وإنا لنجد بعض النصارى يحتج علينا بهذه الآية بدعوى أنها تأمرهم بالعمل بالإنجيل وما فيه، مما يعني في نظرهم ترك العمل بالقرآن واتباع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين والأحكام، وقد ذكرنا الجواب عن ذلك من أقوال المفسرين وما تحتمله الآية مما لا يتفق مع دعواهم.
قال الشيخ محمد رشيد رضا: «كيفما قرأت وفسرت لا تجد الآية تدل على أن الله تعالى يأمر النصارى في القرآن بالحكم بالإنجيل، كما يزعم دعاة النصرانية بما يغالطون به عوام المسلمين، ولو فرضنا أنه أمرهم بذلك بعبارةٍ أخرى لتعين أن يكون الأمر للتعجيز وإقامة الحجة عليهم؛ فإنهم لا يستطيعون العمل بالإنجيل، ولن يستطيعوه» 72.
والسبب في ذلك أنهم حرفوه وضيعوه وغيروه وبدلوه، فكيف يمكنهم العمل به بعد ذلك؟
وأما قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أي: المتمردون الخارجون عن حكمه أو عن الإيمان،. . والجملة تذييل مقرر لمضمون الجملة السابقة ومؤكدة لوجوب الامتثال بالأمر 73.
ثانيًا: أثر إقامة الإنجيل:
قال تعالى في بيان الأثر الإيجابي من إقامة أهل الكتاب لكتبهم وتنفيذهم لوصاياها {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 66] .
وفي معنى الإقامة قال الطاهر بن عاشور: «يجوز أن يكون معنى إقامة التوراة والإنجيل إقامة تشريعهما قبل الإسلام، أي: لو أطاعوا أوامر الله وعملوا بها سلموا من غضبه فلأغدق عليهم نعمه. ويحتمل أن يكون المراد: لو أقاموا هذه الكتب بعد مجيء الإسلام، أي: بالاعتراف بما في التوراة والإنجيل من التبشير ببعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم حتى يؤمنوا به وبما جاء به، فتكون الآية إشارةً إلى ضيق معاشهم بعد هجرة الرسول إلى المدينة» 74.
قال الطبري: «فإن قال قائل: وكيف يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، مع اختلاف هذه الكتب، ونسخ بعضها بعضًا؟ قيل: إنها وإن كانت كذلك في بعض أحكامها وشرائعها، فهي متفقة في الأمر بالإيمان برسل الله، والتصديق بما جاءت به من عند الله، فمعنى إقامتهم التوراة والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم: تصديقهم بما فيها، والعمل بما هي متفقة فيه، وكل واحد منها في الحين الذي فرض العمل به» 75.
وأما قوله تعالى: {لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} فقد ذكر الفخر الرازي فيه عدة وجوهٌ:
«الأول: أن المراد منه المبالغة في شرح السعة والخصب، لا أن هناك فوقًا وتحتًا، والمعنى لأكلوا أكلًا متصلًا كثيرًا، وهو كما تقول: فلانٌ في الخير من فرقه إلى قدمه، تريد تكاثف الخير وكثرته عنده.
الثاني: أن الأكل من فوق نزول القطر، ومن تحت الأرجل حصول النبات، كما قال تعالى في سورة الأعراف: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96] .
الثالث: الأكل من فوق: كثرة الأشجار المثمرة، ومن تحت الأرجل: الزروع المغلة.
والرابع: المراد أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار، فيجتنون ما تهدل من رءوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم.
والخامس: يشبه أن يكون هذا إشارةً إلى ما جرى على اليهود من بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم، وإفساد زروعهم، وإجلائهم عن أوطانهم» 76.