فهرس الكتاب

الصفحة 537 من 2431

الثواب

أولًا: المعنى اللغوي:

الثواب اسم للمصدر؛ لأنّ مصدر الثلاثي ثوبٌ وثوبانٌ، ومصدر الرباعي إثابة، وفعل الثواب ثلاثي أجوف معتل العين، ولفظ الثواب في اللغة جاء على عدة معانٍ أبرزها: العود والرجوع، والاجتماع، والجزاء 1.

المعنى الأول: العود والرجوع، قال ابن فارس: «الثاء والواو والباء قياسٌ صحيحٌ من أصلٍ واحد، وهو العود والرّجوع. يقال: ثاب الرّجل يثوب ثوبًا وثوبانًا، أي: رجع بعد ذهابه، ويقال: ثاب فلانٌ إلى اللّه، وتاب، بالثّاء والتّاء، أي: عاد ورجع إلى طاعته» .

المعنى الثاني: الاجتماع واللجوء، يقال: ثاب الناس، أي: اجتمعوا وجاءوا. وثاب ماله، أي: كثر واجتمع. وثاب القوم: أتوا متواترين -أي: مجتمعين-. وكذلك الماء إذا اجتمع في الحوض، يقال: ثاب الماء في الحوض، أي: اجتمع فيه.

المعنى الثالث: الثّواب والمثوبة يراد به أيضًا مطلق الجزاء في الخير والشّرّ لا جزاء الطّاعة فقط، قال ابن الأثير: «الثّواب، يكون في الخير والشّرّ، إلّا أنّه بالخير أخصّ وأكثر استعمالًا» .

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قيل: الثواب: هو إعطاء ما يلائم الطبع 2.

أو الثّواب: الجزاء كيف ما كان من الخير والشّر، إلّا أن استعماله في الخير أكثر 3.

من خلال تلك التعريفات يتبين لنا أنّ الثواب هو النتيجة النهائية لعمل الإنسان وما تجنيه عليه نفسه، فإن أساء في عمله سيكون ثوابه وجزاؤه شرًّا، وإن أحسن في عمله سيكون ثوابه وجزاؤه خيرًا.

وردت مادة (ثوب) في القرآن الكريم (28) مرة، يخصّ موضوع البحث منها (19) مرة 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 4 ... {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [المائدة:85]

المصدر ... 15 ... {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) } [آل عمران:195]

وجاء الثّواب في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله 5 سواء كان فتحًا، أو وعدًا، أو زيادة، أو منفعة 6.

الأجر:

الأجر لغة:

يطلق الأجر في اللغة على عدة معانٍ، منها: الجزاء على العمل، والثواب.

والأجر: الجزاء على العمل. والأجر الثواب، تقول: أجره الله يأجره ويأجره أجرًا من باب ضرب ونصر إذا (جزاه) وأثابه وأعطاه الأجر. فالفعل أجر يأجر أجرًا، والمفعول مأجورٌ. والأجير: المستأجر. والإجارة ما أعطيت من أجرٍ في عملٍ 7.

الأجر اصطلاحًا:

الأجر والأجرة: ما يعود من ثواب العمل دنيويًّا كان أو أخرويًّا، نحو قوله تعالى: {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} [يونس: 72] .

{وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27] .

{وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [يوسف: 57] .

وكلاهما -أي: الأجرة والأجر- يقال فيما كان من عقد وما يجرى مجرى العقد، ولا يقال إلاّ في النفع دون الضرّ، نحو {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} {فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} 8.

الصلة بين الأجر والثواب:

الثواب والأجر يوجد بينهما ترادف، فكلاهما جزاء للعمل الذي يعمله الإنسان، غير أن الأجر أخص من الثواب؛ لأن الأجر لا يكون إلا في مقابل العمل الذي فيه النفع والخير، والثواب يكون في مقابل العمل الذي فيه النفع والخير، وكذلك العمل الذي فيه ضرر وشر. إلا أنّ إطلاق الثواب -في مقابل العمل الذي فيه النفع والخير- أكثر، والأجر يقال غالبًا فيما كان من عقد وما يجرى مجرى العقد 9.

العقاب:

العقاب لغة:

العقاب مأخوذ من (عقب) : العين والقاف والباء أصلان صحيحان: أحدهما يدل على تأخير شيء وإتيانه بعد غيره. والأصل الآخر يدل على ارتفاع وشدة وصعوبة 10.

العقاب اصطلاحًا:

العقاب: هو جزاء الشّرّ، والنكال أخص منه 11، أو هو ما يلحق الإنسان بعد الذّنب من المحنة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معًا 12.

الصلة بين العقاب والثواب:

إنّ العقاب يكون على فعل الشر، أما الثواب فيكون على فعل الشر والخير إلا أنه في الخير أكثر، وعلى هذا فالثواب أعم والعقاب أخص منه.

الجزاء:

الجزاء لغة:

المكافأة على الشيء 13.

الجزاء اصطلاحًا:

هو الغناء والكفاية والمكافأة بالشيء وما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، ومنه قوله تعالى: {لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} [لقمان:33] 14.

الصلة بين الثواب والجزاء:

كلا اللفظين يكونان في الخير والشر، فالثواب يكون على عمل الخير والشر، وكذك الجزاء، إلا أن الغالب استعمال الثواب في مقابلة الخير، واستعمال الجزاء في مقابلة الشر.

إنّ الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وهيأ له من الأسباب والوسائل ما يعينه على أداء مهمته في الحياة الدنيا من عبادة لله، وتعمير للأرض، وإصلاح للنفس وتهذيبها، كل ذلك طمعًا في تفضّل الحق سبحانه وتعالى وإكرامه بالمثوبة والمكافأة من عنده سبحانه، فهو الخالق الرازق، الذي يعطي كل ذي حق حقه، وهو بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو على كل شئ قدير.

فالإنسان المؤمن الحقيقي يسعي في عبادته ومعاملاته وأخلاقه وكل شئونه في نيل الثواب من الله، ولكن شغف بعض الناس بالحياة الدنيا يجعله يلهث وراءها وما تجلبه من سعادة خادعة وفرح مكذوب، ويرجو أن يحصل على منافع الدنيا فقط، فيعمل العمل يرجو فقط المثوبة الدنيوية من أولاد أو مال أوجاه أو سلطان أو نحو ذلك.

فالحق سبحانه يهيئ له ما يجعله يحصل على مثوبة الدنيا كما أراد -وإن كان سيحرم من الآخرة كما في حالة الكافر-؛ لأن الثواب والمكافأة من الله في كل الأحوال سواء طلب الإنسان ثواب الدنيا فقط أم طلب ثواب الدنيا والآخرة.

وهذا المعنى أشارت إليه غير آية من القرآن، فيقول جل جلاله: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145]

فالحق يقول لنا: من يرد منكم أيها المؤمنون بعمله جزاء من الحق جل جلاله يتمثل هذا الجزاء فقط في بعض أعراض الدنيا دون ما عند الله من الكرامة والنعيم في الآخرة.

{نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي: يعطه الحق من الدنيا ما قسم له فيها من رزق أيام حياته، ثم لا نصيب له في كرامة الله التي أعدها لمن أطاعه، وطلب ما عنده في الآخرة.

{وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ} أي: ومن يرد منكم بعمله جزاء من الحق جل جلاله يتمثل في ثواب الآخرة، مما عند الله من نعيمه وكرامته التي أعدها للعاملين له في الآخرة.

{نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي: يعطه من الآخرة؛ من كرامة الله التي خص بها أهل طاعته في الآخرة 15.

فعند الله ثواب الدارين: الدنيا والآخرة، فمن قصد الدنيا فقط، أعطاه الله من الدنيا ما قدّر له، وكان له في الآخرة العذاب، كالمجاهد الذي يريد بجهاده الغنيمة فقط أو نصرة راية غير إسلامية، فيأخذ الغنيمة ويحقق المطمع الدنيوي الرخيص، وليس له في عالم القيامة إلا النار، {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا} لكل قول، {بَصِيرًا} بكل قصد وعمل، فعلى الإنسان أن يخلص في عمله لله تعالى، ويكون قصده إرضاء الله عز وجل، ولا مانع أن يقصد بعمله وجهاده معًا ثواب الدنيا ومكافأتها، وثواب الآخرة ونعيمها الخالد في الجنة 16.

وفي ذلك تعليم للمؤمنين أن لا يصدهم الإيمان عن طلب ثواب الدنيا، إذ الكل من فضل الله، ويجوز أن تكون تذكيرًا للمؤمنين بأن لا يلهيهم طلب خير الدنيا عن طلب الآخرة؛ إذ الجمع بينهما أفضل، وكلاهما من عند الله أو هي تعليم للمؤمنين أن لا يطلبوا خير الدنيا من طرق الحرام، فإن في الحلال سعة لهم ومندوحة، وليتطلبوه من الحلال يسهّل لهم الله حصوله؛ إذ الخير كله بيد الله، فيوشك أن يحرم من يتطلبه من وجه لا يرضيه أو لا يبارك له فيه 17.

وفي الآية ملمح لحقيقة هذا الدين مفاده أنّ الدعوة للعمل لخيري الدنيا والآخرة دليل على أن الإسلام كفل لأتباعه وكل من سار على هديه سعادة الدنيا والآخرة، وهذا المنهاج المتوازن والخط المعتدل هو قوام الحياة الإسلامية القرآنية التي تعتمد الدنيا وسيلة ومزرعة، والآخرة مقصدًا وغاية، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} أعمالهم في دنياهم، وينشدون ثواب الله في آخرتهم 18.

وهذه الآية وإن نزلت في الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال؛ ذلك لأن الأصل في ذلك كله يرجع إلى نية العبد، فإن كان يريد بعمله الدنيا فليس له جزاء إلّا فيها، وكذلك من أراد بعمله الدار الآخرة فجزاؤه أيضًا فيها 19.

فالتعبير بقوله: {يُرِدْ} دليل على أن الإرادة للشخص هي التي تكيّف العمل، فتارة يكون خيرًا، وتارة يكون شرًّا؛ ولذلك روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّما الأعمال بالنيات، وإنّما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) 20.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه، وشتّت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له) 21.

فالحق يقول: إن لنيل ثواب الدنيا سننًا ولنيل ثواب الآخرة سننًا، فمن سار على سنن واحدة منهما وصل إليها، فإذا كان المشركون قد استظهروا على المسلمين -يعني: في غزوةأحد- في هذه المرة فلأنهم طلبوا بعملهم الدنيا وأخذوا له أهبته من حيث قد قصّر المسلمون في اتباع السنن في ذلك بمخالفة الرسول.

كما أنه يقول لأولئك الذين ضعفوا وفشلوا وانقلبوا على أعقابهم: ما الذي تريدونه بعملكم هذا؟ إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك، وما عليكم إلا أن تسلكوا طريقه، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يدعوكم إلى خير ترون حظًّا منه في الدنيا، والمعوّل فيه على ما في الآخرة. فالمسألة معكم بين أمرين: إرادة الدنيا وإرادة الآخرة، كل يريد أمرًا، ولكل أمر سنن تتّبع، ولكل دار طريق تسلك 22.

وهذه الآية مثل قوله تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 200 - 202] .

وفيها بيان أن من يطلب الدنيا وحدها ولا يعمل للآخرة عملها فليس له في الآخرة من نصيب، وأن من هدي الإسلام أن يطلب المرء خير الدنيا وخير الآخرة ويقول: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} فالإنسان يطلب ويريد بحسب سعة معرفته، وعلو همته، ودرجة إيمانه، وله ما يريد كله أو بعضه، بحسب سنن الله وتدبيره لنظام هذه الحياة 23.

وعلى الإنسان أن يعلم أن له طورين: طور عاجل قصير، وهو طور الحياة الدنيا، وطور آجل أبدي، وهو طور الحياة الآخرة، وسعادته في كل من الطورين مرتبطة بإرادته وما توجهه إليه من العمل، فالناس إنما يتفاضلون بالإرادات والمقاصد: فقوم يحاربون حبًّا في الربح والكسب، أو ضراوة بالفتك والقتل، فإذا غلبوا أفسدوا في الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، وقوم يحاربون دفاعًا عن الحق وإقامة لقوانين العدل، فإذا غلبوا عمروا الأرض وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فهل يستوى الفريقان، وهما في المقصد مفترقان؟

كذلك يطلب الرجل الربح والكسب أحيانًا بكل وسيلة مستطاعة طلبًا للذاته، والحصول على شهواته، فيغلو في الطمع، ويمعن في الحيل، ولا يبالي أمن الحرام أكل أم من الحلال؟ يأكل الربا أضعافًا مضاعفةً، فيجمع القناطير المقنطرة، وهو مع ذلك يمنع الماعون، {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون: 3] .

ولو سئل البذل في المصالح العامة كان أشد الناس بخلًا وأقبضهم كفًّا، بينا يطلب آخر الكسب طلبًا للتجمل وحبًّا للكرامة في قومه وعشيرته، فيقتصد في الطلب، ويتحرى الربح الحلال، ويلتزم الصدق والأمانة، ويبتعد عن الفسوق والخيانة، وهو مع هذا ينفق مما أفاء الله به عليه، فيواسي البائسين، ويساعد المعوزين، وتكون له اليد الطّولى في الأعمال النافعة لأمته، فيشيد لها المدارس والمعابد، والملاجيء والمستشفيات، فهل ينظر الناس إلى هذين نظرة متساوية، وهل هما في القرب عند الله بمنزلة واحدة، أو يفضل أحدهما الآخر بحسن القصد والإرادة والميل إلى الخير وحب المصلحة العامة 24.

وقصارى القول إن أقدار الرجال تتفاوت وتختلف باختلاف إرادتهم، فبينما تتسع دائرة وجود الشخص بحسب كبر إرادته وسعة مقصده، فتحيط بالكرة الأرضية، بل فوق ذلك بما يكون له من الكرامة في العالم العلوي- إذا بآخر تضيق دائرة وجوده إذا هو أخلد إلى الشهوات، وركن إلى اللذات، فيكون حظه من عمله كحظ الحشرات، يأكل ويشرب ويبغي على الضعيف ويخاف من القوي. والله قد جعل عطاءه للناس معلقًا على إرادتهم، ولا يقدر مثل هذا إلا القليل منهم 25.

فشتان بين حياة وحياة! وشتان بين اهتمام واهتمام! -مع اتحاد النتيجة بالقياس إلى العمر والأجل- والذي يعيش لهذه الأرض وحدها، ويريد ثواب الدنيا وحدها، إنما يحيا حياة الديدان والدواب والأنعام! ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب. والذي يتطلع إلى الأفق الآخر، إنما يحيا حياة الإنسان الذي كرّمه الله واستخلفه وأفرده بهذا المكان، ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب، كما قال: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: 145] .

{وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} الذين يدركون نعمة التكريم الإلهي للإنسان، فيرتفعون عن مدارج الحيوان ويشكرون الله على تلك النعمة، فينهضون بتبعات الإيمان.

وهكذا يقرر القرآن حقيقة الموت والحياة، وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الأحياء، وفق ما يريدونه لأنفسهم، من اهتمام قريب كاهتمام الدود، أو اهتمام بعيد كاهتمام الإنسان! وبذلك ينقل النفس من الانشغال بالخوف من الموت والجزع من التكاليف -وهي لا تملك شيئًا في شأن الموت والحياة- إلى الانشغال بما هو أنفع للنفس، في الحقل الذي تملكه، وتملك فيه الاختيار. فتختار الدنيا أو تختار الآخرة. وتنال من جزاء الله ما تختار 26!.

ولقد جاء هذا المعنى نفسه في آية أخرى في سورة الشورى فقال سبحانه أيضًا: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 42 - 20] .

فمن يزرع في النشأة الأولى بذور الأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة ليحصد ما يترتب عليها من المثوبات والكرامات في النشأة الأخرى {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} ونضاعف ثوابها لأجله ونعطه من اللذات الروحانية ما لا مزيد عليه تفضلًا منّا عليه وتكريمًا له، {وَمَنْ كَانَ} منهم {يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا} ونوى نماء بذوره فيها {نُؤْتِهِ مِنْهَا} كمال مبتغاه ومتمناه فيها؛ إذ لكل امرئ ما نوى ولكن {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ} من اللذات الجسمانية والروحانية الباقية {مِنْ نَصِيبٍ} لاختياره لذات الدنيا وشهواتها الفانية على ما في الآخرة من اللذات الروحانية الباقية؛ لذلك ليس له في الآخرة نصيب من خيراتها الباقية، ونعيمها الدائم.

ولم يذكر في عامل الآخرة أن رزقه المقسوم يصل إليه للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله وفوزه في المآب 27.

خلاصة القول: أنّ من أراد العمل لله بما يرضيه، أعانه الله على عبادته، ومن أراد الدّنيا مؤثرًا لها على الآخرة لأنه غير مؤمن بالآخرة، يؤته منها، وهو الذي قسم له، {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} لأنه كافر بها لم يعمل لها 28.

فعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشّر هذه الأمة بالسنا والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب) 29.

إذًا من يعمل العمل يبتغي به وجه الحق سبحانه وتعالى، يثيبه الله تعالى على عمله حسن الثواب والأجر؛ لأنه الكريم المتفضل على العباده، المجازاي بما يليق بعظمته وكرمه وإحسانه؛ لذا فإن الحق سبحانه يبشّر المؤمنين الذين هجروا أوطانهم فارين بدينهم، وألجأهم المشركون إلى الخروج من الديار، وتحملوا الأذى من أجل دين الله، وقاتلوا أعداء الله، وقتلوا في سبيله، أنه سيمحو ذنوبهم بمغفرته ورحمته وسيدخلهم جنات النعيم جزاءً من عند الله على أعمالهم الصالحة فالله {عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} والجزاء، وهي الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195] 30.

فقد ختم سبحانه وتعالى النص الكريم بقوله تعالى: {ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} لبيان اختصاصه سبحانه بالثواب الحسن، كأن كل جزاء للأعمال في الدنيا لا يعدّ حسنًا بجوار ما أعده الله تعالى للمحسنين من عباده، وما في الدنيا من ثمرات الأعمال لا يعد شيئًا 31.

فالحق جل جلاله يرزق العبد على قدر نيته، ويمدّه على قدر همته، فمن كانت همته في الحظوظ العاجلة والشهوات الفانية، أمده الله فيها، ومتّعه بها ما شاء، على حسب القسمة، ثم أعقبه الندم والحسرة، ومن كانت همته الآخرة، أمدّه سبحانه في الأعمال التي توصله إلى نعيمها، كصلاة وصيام وصدقة وتدريس علم، وأذاقه من حلاوتها ما يهون عليه مرارتها، ثم أعقبه النعيم الدائم من القصور والحور، وأنواع الطيبات، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.

ومن كانت همته الله -أي: الوصول إلى حضرته دون شيء سواه- أمدّه الله في الأعمال التي توصله إليه، وهي أعمال القلوب من التخلية والتحلية، كالتخلية من الرذائل، والتحلية بالفضائل، وكقطع المقامات بأنواع المجاهدات .... 32.

ومن خلال ما سبق نستطيع أن نعلم أن على الإنسان أن يكون مخلصًا في عمله لله تعالى، ويكون قصده إرضاء الله عز وجل دون غيره، وأن من يطلب الدنيا وحدها ولا يعمل للآخرة عملها فليس له في الآخرة من نصيب ولاحظ. كما يتبين أن ثواب الآخرة كله في غاية الحسن.

كما أنّ الذي يعيش لهذه الأرض وحدها، ويريد ثواب الدنيا وحدها، إنما يحيا حياة الديدان والدواب والأنعام! وهي حالة من لايؤمن بالآخرة ولايؤمن بالجناة والنار والحساب، وكذلك حياة المسلمين الذي استغرقتهم ملاذ الدنيا ومنافعها الزائلة حياتهم، وغفلوا عن الآخرة وما أعده الله من الثواب والجزاء الكبير فيها لعباده المؤمنين، فلا ينبغي أن يلهيهم طلب خير الدنيا عن طلب الآخرة؛ إذ الجمع بينهما أفضل، وكلاهما من عند الله.

قلنا عند الحديث عن المفهوم اللغوي للثّواب والمثوبة أنهما يدلان على مطلق الجزاء في الخير والشّرّ، وليس جزاء الطّاعة والخير فقط، فالثّواب يكون في الخير والشّرّ، إلّا أنّه يستعمل في الخير أكثر من استعماله في الشر، والثواب دالًّا على الخير والشر قد ورد في القرآن الكريم، وهذا ما سنتاوله من خلال السطور القادمة:

أولًا: ثواب الخير:

ومنه قوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت