فهرس الكتاب

الصفحة 2137 من 2431

«فأعظم بها حسرة وندامة لمن عاش منهم ومن هلك! أما الحي فحرم ماله وذهب باطلا في غير درك نفع، ورجع مغلوبًا مقهورًا محزونًا مسلوبًا. وأما الهالك، فقتل وسلب، وعجل به إلى نار الله يخلد فيها، نعوذ بالله من غضبه. وكان الذي تولى النفقة التي ذكرها الله في هذه الآية فيما ذكر، أبا سفيان» 28.

أولًا: خروج المؤمنين للقتال:

لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم نجاة القافلة، وإصرار زعماء مكة على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، واستنفار قوات قريش، استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمر، فخرج المؤمنون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، رغم أن بعض الصحابة أبدى عدم ارتياحه في البداية للمواجهة الحربية مع قريش، وقد صور القرآن الكريم خروج الفئة المؤمنة لبدر.

قال تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5] 29.

وروي في سبب نزول هذه الآية، عن أبي أيوب الأنصاري قال: (قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت:(ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا) ، فخرجنا فسرنا يومًا أو يومين فقال: (ما ترون فيهم؟) ، فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا من طاقة بقتال القوم إنما أخرجنا للعير، فقال المقداد: لا تقولوا كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، فأنزل الله سبحانه وتعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5] 30.

وفي رواية قال المقداد: (لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره) 31.

بعد أن رأى النبي صلى الله عليه وسلم طاعة الصحابة وشجاعتهم واجتماع قادة المهاجرين على التأييد للتقدم، ومبايعة الأنصار له على المضي لما أراد الله، والصدق عند اللقاء 32.

والله قد وعدهم إحدى الطائفتين حيث قال تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7] .

نظم النبي صلى الله عليه وسلم جنده، وعقد اللواء الأبيض، وسلمه إلى مصعب بن عمير، وأعطى رايتين سوداوين إلى سعد بن معاذ، وعلي بن أبي طالب، ومضى إلى بدر 33.

لقد اختار الله للمؤمنين ذات الشوكة، فتقدموا نحو عدوهم بكل ثبات؛ لتحقيق وعد الله سبحانه وتعالى، وقد أمرهم الله سبحانه وتعالى بالثبات حين لقاء العدو والاستعانه به والإكثار من ذكره سبحانه وتعالى.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45 - 46] .

«هذه هي النصائح التي تكفل النصر للمسلم: الثبات عند اللقاء، وذكر الله والالتجاء إليه، وطاعة الله وطاعة رسوله، وكذا قائد الجيش ورئيس الدولة مادام يأمر بما يرضي الله ورسوله، وعدم النزاع والشقاق، والصبر عند الشدائد» 34.

إن في إرادة الله سبحانه وتعالى للمؤمنين طريق ذات الشوكة في بدر لدلالة واضحة للمؤمنين في كل زمان ومكان أن الله لا يقدر لهم إلا الخير، فما عليهم إلا الاستجابة والتسليم لأمر الله، فالله وعدهم بإحدى الطائفتين العير أو النفير، وكانوا يودون العير، ولكن الله اختار لهم النفير، فكانت العزة والغلبة والتمكين، وقد بين الله ذلك حيث قال تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7 - 8] .

«لقد أراد الله -وله الفضل والمنة- أن تكون ملحمة لا غنيمة، وأن تكون موقعة بين الحق والباطل؛ ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه. وأراد أن يقطع دابر الكافرين، فيقتل منهم من يقتل، ويؤسر منهم من يؤسر، وتذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم، وتعلو راية الإسلام، وتعلو معها كلمة الله، ويمكن الله للعصبة المسلمة التي تعيش بمنهج الله وتنطلق به؛ لتقرير ألوهية الله في الأرض، وتحطيم طاغوت الطواغيت، وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن جزاف -تعالى الله عن الجزاف- وبالجهد والجهاد، وبتكاليف الجهاد ومعاناتها في عالم الواقع وفي ميدان القتال» 35.

ثانيًا: استغاثة الرسول صلى الله عليه وسلم بالله سبحانه وتعالى:

بعد أن نظم النبي صلى الله عليه وسلم جيشه وحرض المؤمنين على القتال، لجأ إلى الله سبحانه وتعالى مستغيثًا يدعوه بأن ينصر عباده وجنده، حيث بين سبحانه وتعالى في بيان استغاثة المؤمنين ولجوئهم إليه سبحانه وتعالى في غزوة بدر.

قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] .

وقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف أو يزيدون فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يده وجعل يهتف بربه:(اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبلا القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبوبكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} ) 36.

وروي أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر:(اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد) فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] ) 37.

إن في استغاثة النبي صلى الله عليه وسلم بالله في غزوة بدر، والذي بينته الآية الكريمة درسا ربانيًّا نبويًّا للمسلمين المستضعفين، ولكل قائد أو فرد في اللجوء إلى الله وحده، والتجرد من النفس؛ لأن ذل العبد وافتقاره إلى الله هو أول مفتاح من مفاتيح النصر، «فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم بإعلام القرآن أن للنصر في القتال أسبابًا حسية ومعنوية، وأن لله سننًا مطَّردة، وهو مع ذلك يعلم أن لله توفيقًا يمنحه من شاء من خلقه، فينصر به الضعفاء على الأقوياء، والفئة القليلة على الفئة الكثيرة بما لا ينقض به سننه، وأن له فوق ذلك آيات يؤيد بها رسله، فلما عرف من ضعف المؤمنين وقلتهم ما عرف استغاث الله سبحانه وتعالى ودعاه ليؤيدهم بالقوة المعنوية، التي تكون أجدر بالنصر من القوة المادية، وكان كل من علم بدعائه يتأسى به في هذا الدعاء ويستغيث ربه كما استغاث» 38.

ثالثًا: مشهد النعاس:

إن من نعم الله سبحانه وتعالى على المؤمنين في بدر أن أنزل عليهم النعاس والمطر قبل الالتحام.

قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11] .

حيث ألقى الله سبحانه وتعالى عليهم النوم الخفيف أمنًا وطمأنينة وسكينة، فإن النعاس يذهب الخوف ويجدد النشاط والقوة، «وقيل: إنهم لما خافوا على أنفسهم؛ لكثرة عدوهم وعددهم، وقلة المسلمين وقلة عددهم، وعطشوا عطشًا شديدًا ألقى عليهم النوم؛ حتى حصلت لهم الراحة، وزال عنهم الكلال والعطش، وتمكنوا من قتال عدوهم، وكان ذاك النوم نعمة في حقهم؛ لأنه كان خفيفًا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله إليهم، وقدروا على دفعه عنهم، وقيل في كون هذا النوم كان أمنة من الله سبحانه وتعالى أنه وقع عليهم النعاس دفعة واحدة، فناموا كلهم مع كثرتهم، وحصول النعاس لهذا الجمع العظيم مع وجود الخوف الشديد أمر خارج عن العادة، فلهذا السبب قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم المعجزة؛ لأنه أمر خارق للعادة» 39.

ويقول سيد قطب في بيان هذا المشهد العجيب، الذي أنعم به الله على المؤمنين، والذي يدل على كمال قدرته، وعلى تدبيره سبحانه وتعالى ورعايته للفئة المؤمنة الصادقة: «أما قصة النعاس الذي غشي المسلمين قبل المعركة فهي قصة حالة نفسية عجيبة، لا تكون إلا بأمر الله وقدره وتدبيره لقد فزع المسلمون وهم يرون أنفسهم قلة في مواجهة خطر لم يحسبوا حسابه، ولم يتخذوا له عدته فإذا النعاس يغشاهم، ثم يصحون منه والسكينة تغمر نفوسهم، والطمأنينة تفيض على قلوبهم» 40.

وقد بينت الآية الكريمة {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11] نعمة أخرى من نعم الله على عباده المؤمنين ببدر، بأن أنزل عليهم المطر ليطهرهم؛ حيث إن المسلمين نزلوا على رمل تسوخ فيه أقدامهم، وقد سبقهم المشركون إلى ماء بدر، وأصبح المسلمون على غير ماء، وبعضهم محدث وبعضهم جنب، وأصابهم العطش، فأنزل الله مطرًا فشربوا منه، واغتسلوا وتوضئوا وسقوا الركاب وملئوا الأسقية، وأطفأ الغبار، ولبد الأرض، فثبت أقدامهم، وزالت عنهم وسوسة الشيطان، وطابت أنفسهم، وعظمت النعمة 41.

رابعًا: تنزل الملائكة:

ثبت بالنصوص القرآنية وبالسنة النبوية إمداد الله سبحانه وتعالى للمسلمين بالملائكة؛ ليثبتوا المؤمنين ويقووا عزائمهم، ولتحطيم معنوية الكافرين بإلقاء الرعب في قلوبهم.

قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] .

لقد أنزل الله سبحانه وتعالى الملائكة في بدر؛ استجابة لاستغاثة النبي صلى الله عليه وسلم بالله، وتأييدًا للمؤمنين المخلصين، وعونًا وتثبيتًا، وتبشيرًا بالنصر وتكثيرًا للعدد.

قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 9 - 10] .

وكان تنزل الملائكة يردف بعضهم بعضًا ويتبعه، فيتقدم بعضهم ويعقبه الآخر، وهكذا تتابع الملائكة، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: {أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} 42، وكملت الآيات القرآنية بعضها بعضًا، وبينت حدوث هذا الإمداد على مرات، بألف أولًا، ثم بثلاثة آلاف، ثم بخمسة آلاف 43.

قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 123 - 126] .

إن تأييد الله وإعانته للمؤمنين بتنزيل الملائكة؛ إشعار للمؤمنين بأنهم ليسوا وحدهم، فالله يختص أهل الحق والإيمان بالتأييد بشتى أنواع وأشكال العون، «إنه قوة عظمى وثبات راسخ للمؤمنين، حينما يوقنون بأنهم ليسوا وحدهم في الميدان، وأنهم إذا حققوا أسباب النصر، واجتنبوا موانعه، فإنهم أهل لمدد السماء، وهذا الشعور يعطيهم جرأة في مقابلة الأعداء» 44.

«وإن الحكمة من هذا الإمداد تحصيل ما يكون سببًا لانتصار المسلمين، وهذا ما حصل بنزول الملائكة، فقد قاموا بكل ما يمكن أن يكون سببًا لنصر المسلمين، من بشارتهم بالنصر ومن تثبيتهم بما ألقوه في قلوبهم؛ من بواعث الأمل في نصرهم، والنشاط في قتالهم، وبما أظهروه لهم من أنهم معانون من الله تعالى، و أيضًا بما قام به بعضهم من الاشتراك الفعلي في القتال، ولا شك أن هذا الاشتراك الفعلي في القتال قوى قلوبهم، وثبتهم في القتال، وهذا ما دلت عليه الآية، وصرحت به الأحاديث النبوية» 45.

وقد جاء في صحيح البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: (هذا جبريل، آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب) 46.

وسواء قاتلت الملائكة مع المؤمنين أم اقتصرت مهمتهم على التأييد والمعونة والتثبيت؛ خروجًا من الخلاف الذي بين العلماء في ذلك، ولكن «بحسبنا أن نعلم أن الله لم يترك العصبة المسلمة وحدها في ذلك اليوم، وهي قلة والأعداء كثرة، وأن أمر هذه العصبة وأمر هذا الدين قد شارك فيه الملأ الأعلى مشاركة فعلية على النحو الذي يصفه الله سبحانه وتعالى في كلماته {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

لقد استجاب لهم ربهم وهم يستغيثون، وأنبأهم أنه ممدهم بألف من الملائكة مردفين، ومع عظمة هذا الأمر ودلالته على قيمة هذه العصبة وقيمة هذا الدين في ميزان الله، إلا أن الله سبحانه وتعالى لا يدع المسلمين يفهمون أن هناك سببًا ينشئ نتيجة، إنما يرد الأمر كله إليه سبحانه وتعالى؛ تصحيحًا لعقيدة المسلم وتصوره.

فهذه الاستجابة، وهذا المدد، وهذا الإخبار به كل ذلك لم يكن إلا بشرى، ولتطمئن به القلوب، أما النصر فلم يكن إلا من عند الله هذه هي الحقيقة الاعتقادية التي يقررها السياق القرآني هنا، حتى لا يتعلق قلب المسلم بسبب من الأسباب أصلًا» 47.

خامسًا: استفتاح المشركين على أنفسهم:

لقد دعا المشركون الله بأن ينصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين، فكان ذلك بمنزلة استفتاح على أنفسهم، فالمسلمون هم الأهدى والأعلى والأكثر دينًا، حيث روي عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صغير قال: كان المستفتح أبا جهل، فإنه قال حين التقى القوم: اللهم أينا كان أقطع للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فاحنه -أي: أهلكه- الغداة. «فكان ذلك استفتاحه فأنزل الله: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19] 48.

ففي هذه الآية الكريمة يخاطب الله أهل مكة على سبيل التهكم، إن تستفتحوا، أي: إن تستنصروا لأعلى الجندين وأهداهما، وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ما سألتم، وتم النصر للأعلى والأهدى، وحدث الهلاك والذلة للأدنى والأضل 49.

وفي بيان قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} يقول الشيخ الشعراوي: «أي: إن كنتم قد استفتحتم وطلبتم الفصل والحكم فقد جاءكم الفتح، وهذا الفتح كان في صالح المؤمنين، و أيضًا في صالح دعاء الكافرين، إنه جاء في الأمرين الاثنين؛ فتح للمؤمنين، وفي صالح دعاء الكفار. فأنتم -أيها الكافرون- قد دعوتم، فإما أن تكونوا قد دعوتم والله أجاب دعاءكم وهو شر عليكم، وهذا دليل على أنكم أغبياء في الدعاء، وما دام الفتح قد جاء، كان الواجب أن ينتهي كل فريق عند الحد الذي وقع، وكان على الكافرين أن يقتنعوا بأنهم انهزموا، وعلى المؤمنين أن يقتنعوا بأنهم انتصروا» 50.

ثم يحذر الله سبحانه وتعالى الكافرين في الآية السابقة، ويخيرهم إن ينتهوا ويسلموا ويتركوا عداوة النبي صلى الله عليه وسلم فهو خير لهم وأجدى، وإن يعودوا إلى محاربته فسينصر الله المؤمنين ويهزم الكافرين، ولن تغني جماعتهم وقوتهم شيئًا ولو كثرت، وأن الله مع المؤمنين بالنصر والتأييد والتوفيق إلى سلوك طرق النجاح والفلاح، والعاقبة دائمًا للمتقين 51.

سادسًا: مشهد المعركة ورؤية كلا الفريقين بعضهم بعضًا:

لقد شاء الله سبحانه وتعالى للفئتين - فئة المؤمنين وفئة الكافرين- أن تلتقيا، وأن يندلع بينهم القتال، وقد بدأ بالمبارزات الفردية بين عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة من جيش المشركين، وعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم من جيش المسلمين، وقد أنزل الله فيهم: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} [الحج: 19] 52.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه ليلة التقاء الجيشين أن المشركين قليلٌ عددهم، وقد أخبر الصحابة برؤيته، كي يرفع معنوياتهم، ويثبت قلوبهم، ويشجعهم للقتال.

قال تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال: 43] .

فالله سبحانه وتعالى قدر هذه الرؤيا للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يقللهم في عينه ويبشر به الصحابة، ولو أراهم حسب الواقع لفشلوا وتنازعوا في أمر القتال، ولكن الله سلم من الفشل والنزاع 53.

وكذلك شاء الله عند لقاء الجيشين أن يقلل المشركين في أعين المسلمين فيتجرؤوا ويتشجعوا، ويقلل المسلمين في أعين المشركين فيغتروا، وليعاين المؤمنون ما أخبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزدادوا يقينًا وشجاعة على القتال، ويكون النصر والعزة للمسلمين، والهزيمة والذل للكافرين.

قال تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [الأنفال: 44] 54.

وهذا كله قبل القتال، أما في أثناء القتال فإن المشركين رأوا المسلمين مثلي عددهم؛ ليعمهم الفزع، ويضعف معنوياتهم، وجاء ذلك في قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] 55.

وهذا المعنى الأصح فيما ورد من قولين في تفسير الآية، أن الفئة الكافرة رأت الفئة المؤمنة مثلي عدد الكافرة 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت