من حكمة الداعية تخير الأوقات وانتهاز المناسبات، بحيث تقع دعوته في الموقع الصحيح، وهذا معلم كبير ومؤثر من معالم الحكمة وتلمسها، فلا يلقي المرء موعظته إلا في مكان مناسب، وفي وقت يحسن الإلقاء فيه، أما إذا كان المكان والزمان غير مناسبين، أو كان الناس عنه منصرفين، وعن حديثه غير راغبين فلا يتلكم 130.
ويؤيد هذا حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: (كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم(يتخوّلنا بالموعظة في الأيّام، كراهة السّآمة علينا) 131.
وفي رواية للبخاري: عن أبي وائلٍ، قال: كان عبد اللّه يذكّر النّاس في كلّ خميسٍ، فقال له رجلٌ: يا أبا عبد الرّحمن لوددت أنّك ذكّرتنا كلّ يومٍ؟ قال: أما إنّه يمنعني من ذلك أنّي أكره أن أملّكم، وإنّي أتخوّلكم بالموعظة، كما كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتخوّلنا بها، مخافة السّآمة علينا» 132.
••التلطف في الدعوة بالقول الحسن والأسلوب اللين.
القول الحسن إذا أحكم صاحب الدعوة قوله وسدد لفظه، وألان جانبه للناس فقد أوتي من الحكمة بابًا عظيمًا، يقول الله عز وجل: (? ? ?) [البقرة: 83] .
ويقول طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة وأنا رجل في حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ؟ فقال: لا تفعل. يقول الله تعالى: (? ? ?) [البقرة: 83] .
يقول عطاء: فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي 133.
وإذا كان المدعو ذا قرابة أو ولاية أو سلطة أو سطوة على الداعية، فينبغي أن يترفق الداعية به، والأمثلة في هذا القرآن منها دعوة سيدنا إبراهيم لأبيه والتي وردت مبسوطة في قول الله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?) [مريم:41 - 45] .
والآيات واضحة الدلالة على مدى حكمة سيدنا إبراهيم عليه السلام واستعماله التلطف والتودد مع أبيه في الحوار على الرغم من عناد الأب وكفره، ومع ذلك فقد حفظ خليل الرحمن لأبيه مودة الأبوة ومكانتها، ولم يأل جهدًا في دعوته، بل والاستغفار له.
ومنها دعوة موسى وهارون عليه السلام لعدو الله فرعون، حيث أمرهما القول بالقول اللين في قول الله تعالى: (ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے) [طه:44] .
والقصد من القول اللين ومعناه أمور عدة، منها: أن لا يبقى له حجة، ولا يقبل له معذرة، ومنها: أن ذلك لرعاية حقّ تربية فرعون لموسى فالوالد أولى بالرّفق 134.
ومن أحكام الآية الكريمة -كما ذكره الإمام القرطبي- أنها «دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة، وضمنت له العصمة، ألا تراه قال: (ہ ہ ھ ھ) [طه:44] .
وقال: (? ? ? ? ? ?) [طه: 46] .
فكيف بنا فنحن أولى بذلك. وحينئذ يحصل الآمر أو الناهي على مرغوبة، ويظفر بمطلوبه، وهذا واضح» 135.
ثانيًا: الحكمة في التعليم:
التعليم من المواطن التي تتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة، وذلك لأنه مهمة تنتقل بالمرء من مرحلة الجهل إلى مرحلة العلم، وكلا المرحلتين يختلف عن الآخر، فيتطلب لكل حالة حكمتها، والتعليم لا يستغني عنه المجتمع بكل فئاته، ولهذا يستلزم الأمر أن يكون المعلّم على قدر كبير من الحكمة التي تعينه على اداء مهمته.
ولو رجعنا إلى كتاب الله تعالى لوجدنا أمثلة كثيرة تبرهن على الحكمة في التعليم والتعلم، ومن ذلك قصة موسى والخضر.
وهذه القصة تفيض عبرًا وعظات فيما يتعلق بشأن التعليم وغيره.
والقصة اشتملت كما هو معروف على الآيات (60 - 82) من سورة الكهف.
ومن ملامح الحكمة في القصة ما يأتي:
••أنّ الخضر كان يبني أحكامه على الحقائق والأسرار، حيث ذكر مبررات فعله بعد فراغه منها جميعًا 136.
••أنه استعمل الحكمة في كل أموره، حيث «أسند الإرادة في قوله: (? ? ?) إلى نفسه لأنه المباشر للتعييب، وثانيًا في قوله: (?) إلى الله وإلى نفسه، لأنّ التبديل بإهلاك الغلام وإيجاد الله تعالى بدله، وثالثًا في قوله: (? ?) إلى الله وحده لأنه لا مدخل له في بلوغ الغلامين، أو لأن الأول في نفسه شرّ والثالث خير والثاني ممتزج، أو لأنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه، ولما ذكر القتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيهًا على أنه من العظماء في علوم الحكمة، فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية، ولما ذكر رعاية مصالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله تعالى لأنّ التكفل بصلاح الأبناء لرعاية حق الآباء ليس إلا لله تعالى» 137.
••أنّ الحكيم المحقق هو الذي يبني أمره على الحقائق لا على الظاهر، فإذا رأيت ما يكرهه طبعك وينفر عنه عقلك فاعلم أن تحته أسرارًا خفية وحكمًا بالغة، وأن حكمته ورحمته اقتضت ذلك 138.
ومن ملامح الحكمة في التعليم كذلك ما يأتي:
••أن لا يشق المعلم أو الفقيه على الناس في الأحكام ويخفف على نفسه، فقد قال رويم: «من حكم الحكيم أن يوسع على إخوانه في الأحكام ويضيق على نفسه فيها؛ فإن التوسعة عليهم اتباع العلم والتضييق على نفسه من حكم الورع» 139.
••مخاطبة الناس على قدر عقولهم، «فالواجب على الحكيم والعالم النحرير أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما قال وما فعل، فقد كان عليه الصلاة والسلام يخاطب الناس على قدر عقولهم، ومواقفه في ذلك لا تحصى.
ويؤيد ذلك ما تقدم ذكره من قول ابن مسعود رضي الله عنه: «ما أنت بمحدّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلّا كان لبعضهم فتنةً» 140.
وقيل لبعض الحكماء: «ما بالك لا تطلع أحدًا على حكمة يطلبها منك، فقال: اقتداءً بالباري جلّ وعلا حيث قال: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 23] » 141.
ثالثًا: الحكمة في التعامل مع الخلق:
يتطلب التعامل مع الناس قدرًا من الحكمة تناسب كل إنسان، وتناسب كل موقف من المواقف، ومن أبرز ملامح الحكمة في التعامل مع الناس حسن الخلق معهم.
وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: (? ? ?) [البقرة:83] .
وفي معنى الحسن هنا أقوال طيبة للمفسرين، منها: قول الحسن أن المراد به: لين القول، من الأدب الحسن الجميل والخلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله وأحبه، ومنها: قول أبي العالية: إنه المعروف، ومنها: قول الماوردي: إن المعنى: خالقوا الناس بخلق حسن 142.
ولا مانع من إرادة كل تلك المعاني، وذلك لأن الحسن يشملها جميعًا، والناس يرضيها حسن التعامل، ويتأتى بمعاملة الناس ما لا يتأتى غيرها.
وفي حديث أبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتّق اللّه حيثما كنت، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلقٍ حسنٍ) 143.
قال الأحوذي في معنى (وخالق النّاس بخلقٍ حسنٍ) : «أي: تكلف معاشرتهم بالمجاملة في المعاملة، وغيرها من نحو طلاقة وجه، وخفض جانب، وتلطف وإيناس، وبذل ندى، وتحمل أذى، فإن فاعل ذلك يرجى له في الدنيا الفلاح، وفي الآخرة الفوز بالنجاة والنجاح» 144.
الحكمة سمة من سمات الأنبياء والصالحين والعلماء العاملين، وهي نعمة من الله تعالى يؤتيها من يشاء، وتحقق للمرء فوائد وتعود عليه بآثار طيبة أبرزها ما يأتي:
1.تحصيل الخير الكثير.
أخبر الله تعالى في كتابه العزيز أن من رزق الحكمة فقد رزق خيرًا كثيرًا، فقال جل شأنه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 269] .
والخير الكثير مفسر لدى العلماء تبعًا لتفسيرهم للحكمة، فمن رأى أنها القرآن فسّر الخير الكثير بما يترتب على حفظ القرآن وفهمه من علوم ومعارف، وكذا من فسرها بالنبوة أو فسرها بالسنة على نحو ما تقدم ذكره في معاني الحكمة، ومهما أوتي المرء من الحكمة ومن العلوم والمعارف فهو وإن كان كثيرًا في مقاييس البشر لكنه قليل إذا نظرنا إلى علم الله تعالى.
وقد روي في هذا الشأن عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: (? ? ? ? ? ? ) [البقرة: 269] .
ثمّ يقول: (? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 85] .
فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 109] حِكَمَه وعجائبه» 145.
وإذا جرينا على تفسير الحكمة بأنها القرآن على نحو ما تقدم في معانيها، فيكون «من أوتي القرآن أوتي خيرًا كثيرًا، أوتي صحة في جسم وطهارة في نفس، وكمالًا في عقل، وسعة في مال، وعزة في تواضع، وشدة في رحمة، ورسوخًا في علم، وصدقًا في قول» 146.
ومن الخير المتحصل من الحكمة أنها سبب من أسباب السعادة، فالسعادة تكمن في المقام الأول في قوى النفس، أي: في اتصافها بالفضائل والمكرمات.
يقول ابن مسكويه فيما يحكيه عن حكماء الإغريق واليونان: «لما قسّموا السعادة جعلوها كلها في قوى النفس التي ذكرناها في أول الكتاب، (وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة) ، وأجمعوا على أن هذه الفضائل هي كافية في السعادة ولا يحتاج معها إلى غيرها من فضائل البدن ولا ما هو خارج البدن، فإن الإنسان إذا حصل تلك الفضائل لم يضره في سعادته أن يكون سقيما ناقص الأعضاء مبتلي بجميع أمراض البدن، اللهم إلا أن يلحق النفس منها مضرة في خاص أفعالها مثل فساد العقل ورداءة الذهن وما أشبهها. وأما الفقر والخمول وسقوط الحال وسائر الأشياء الخارجة عنها فليست عندهم بقادحة في السعادة ألبتة» 147.
2.إصابة الحق.
من آثار الحكمة توفيق الله تعالى صاحبها إلى إصابة الحق في أقواله وأفعاله، وذلك لأن حكمته ترشده إلى حسن الفعال، وصحيح الأقوال، ولهذا كان ما يصدر عن الحكماء من أفعال وأقوال تراثًا تتناقله الأجيال، وعبرا تتردد عبر الأزمنة.
ويستفاد أثر الحكمة في إصابة الحق قولا وعملا من قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ) [البقرة: 269] .
فإنه تعالى «لما ذكر أحوال المنفقين للأموال فيما سبق من الآيات، وأن الله أعطاهم، ومن عليهم بالأموال التي يدركون بها النفقات في الطرق الخيرية، وينالون بها المقامات السنية، ذكر ما هو أفضل من ذلك، وهو أنه يعطي الحكمة من يشاء من عباده، ومن أراد بهم خيرًا من خلقه، والحكمة هي العلوم النافعة، والمعارف الصائبة، والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال، وهذا أفضل العطايا، وأجل الهبات» 148.
وقال أحد المعاصرين مبينًا ثمرة الحكمة في إصابة الحق في القول والعمل: «الحكمة كما قال الجمهور: العلم والفقه والقرآن، فهي لا تختص بالنبوة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، وذلك يرشد إلى تمييز الحقائق من الأوهام، والتفرقة بين الوسواس والإلهام، وآلة الحكمة: العقل، فمن عرف ما في القرآن من أحكام وأسرار، وأدرك بسلامة عقله ما في الإنفاق من فوائد تعود على الأمة بالخير وعلى المنفق بالثواب الجزيل، لم يتأثر بوساوس الشيطان، ولم يتردد في البذل والإنفاق في سبيل الله» 149.
ومن فوائد الحكمة كذلك أنّها تدلّ على المعرفة بالله عزّ وجلّ مع نفاذ البصيرة وتهذيب النّفس وتحقيق الحقّ للعمل بمقتضاه والبعد عمّا سواه 150.
3.صيانة العقل من الشطط والسفه.
الحكمة سمة عالية، وهدية غالية تصان بها العقول، وتحفظ بها النفوس من السفه والشطط، والطيش والهوى -أعني عقول ونفوس المتصفين بها- ولهذا اشتملت الحكمة كما ذكره بعض العلماء على: الذكاء والذكر والتعقل وسرعة الفهم وقوته وصفاء الذهن وسهولة التعلم، وبهذه الأشياء يكون حسن الاستعداد للحكمة 151.
والناظر في آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن العقل يجد أنها تعلي من شأن العقل كثيرًا، وتبين مكانته، وتحث على التفكير في كل شيء التفكير في خلق الله تعالى، والتفكير في عواقب الأمور قبل الإقدام على شيء منها.
والحكيم يستعمل حكمته في كل شيء، فيصون عقله من سوء التفكير، وعليه يصون نفسه من سوء الصنيع، فلا تعتري تصرفاته سفاهة ولا يطرأ عليها شطط أو خلل.
4.الذكر الحسن.
من آثار الحكمة حسن الذكر بين الناس في حياة الإنسان وبعد مماته، ولذلك فإن صاحب الحكمة يلبس صاحبها تاج الكرامة في الدّنيا والآخرة، وينفع الله تعالى بها طلّاب العلم ومريدي الخير.
وليس أدل على ذلك من سيدنا لقمان عليه السلام الذي ذكره الله تعالى في كتاب الله العزيز في آيات تتلى ويتعبد بها، في سورة تحمل اسمه (? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [لقمان: 12] .
فحكمته عليه السلام جعلت منه رجلًا ذا منزلة كبيرة بين الناس حيث بلغ الفضل عليهم بالوعظ والتعليم والهدي والإرشاد، كما أشار إليه الرازي في تفسيره: آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكرًا في نفسه وحين جعلناه واعظًا لغيره، وهذا لأن علو مرتبة الإنسان بأن يكون كاملًا في نفسه ومكملًا لغيره.
فقوله تعالى: (? پ) وقوله: (ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [لقمان: 13] .
إشارة إلى التكميل، وفي هذا لطيفة وهي أن الله ذكر لقمان وشكر سعيه حيث أرشد ابنه ليعلم منه فضيلة النبي عليه السلام الذي أرشد الأجانب والأقارب، فإن إرشاد الولد أمر معتاد، وأما تحمل المشقة في تعليم الأباعد فلا، ثم إنه في الوعظ بدأ بالأهم، وهو المنع من الإشراك 152.
ومن آثارها في الشأن كذلك أن صاحبها يكون كالغيث حيثما حلّ نفع، وأينما وضع أفاد، فيتعلّم منه الكبير والصّغير، ويكون مصدر خير بإذن الله 153.
والحكمة ترفع الإنسان درجات وتشرّفه، وتزيد من مكانته بين النّاس، فقد روي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ الحكمة تزيد الشّريف شرفًا، وترفع العبد المملوك حتّى تجلسه مجالس الملوك) 154.
وقد روي عن عبيد اللّه بن عمر بن عبد الوهّاب بن محمّدٍ المكّيّ قال: «قال لقمان لابنه: يا بنيّ، جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك؛ فإنّ اللّه تبارك وتعالى ليحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض الميتة بوابل السّماء» 155.
فكون الإنسان ممدوح الخلال، مأثور المحامد، يعتمد على مدى استقامته على دين الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، وقيامه بالواجبات الدينية والدنيوية، والتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، وهذا من الحكمة التي لا ينبغي أن يغفل عنها المرء، قال ابن القيم: «فإن أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب» 156.
5.التوفيق في الإصلاح بين الناس.
من آثار الحكمة توفيق الله تعالى صاحبها في الإصلاح بين الناس، ولهذا نجد القرآن الكريم يشير في قضية الصلح بين الزوجين إلى ضرورة توفر النية الحسنة في الصلح سواء كانت النية من طرفي النزاع أو من الحكم القاشم بالصلح.
قال تعالى (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ کک ک ک گ گ گ گ) [النساء: 35] .
وأكثر المفسرين على أن المقصود بقوله تعالى (ژ ژ) يعني: الحكمين، حيث روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم 157، ولا يتحقق الصلح على إيديهما إلا إذا اتصفا بالحكمة، وذلك لأنهما يتدخلان بين شخصين بينهما من الخصوصية والخفاء والستر ما ليس بين غيرهما، لما للحياة الزوجية من خصوصيتها المعروفة.
وحكمتهما تظهر في تقديري في الأمور التالية:
••إخلاص النية في الصلح، بحيث يحققه الله تعالى على أيديهما، وعدم التأثر بالهوى أو الميل لطرف على حساب الطرف الآخر.
••رأب الصدع والشقاق بين الزوجين على وجه السرعة وعدم التراخي فيه، لأن التراخي يزيد الأمر تعقيدًا.
••الحرص على كتمان ما يبوح به الزوجان من أسرار وخفايا في العلاقات الزوجية، وذلك لأن حفظ السر أمانة، والأمانة من الإيمان.
6.الثواب العظيم في الآخرة.
والحكمة تدعو صاحبها للعمل على وفق الشّرع، فيصيب في القول والفعل والتّفكير، ويسير على هدى وبصيرة، فالحكمة تدفع المرء إلى التحلي بالفضائل واجتناب الرذائل، وتدعوه إلى القول العدل، والحكم بالعدل، وهذا كله من طرق نيل الثواب في الآخرة.
ويمكن استنباط نيل صاحب الحكمة الثواب في الآخرة من عموم قول الله تعالى {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) } [البقرة: 269] .
قال السعدي في تفسير الآية الكريمة: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} : «لأنه خرج من ظلمة الجهالات إلى نور الهدى، ومن حمق الانحراف في الأقوال والأفعال، إلى إصابة الصواب فيها، وحصول السداد، ولأنه كمل نفسه بهذا الخير العظيم، واستعد لنفع الخلق أعظم نفع، في دينهم ودنياهم، وجميع الأمور لا تصلح إلا بالحكمة، التي هي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام والإحجام في موضع الإحجام» 158.
قال أبو القاسم الجنيد بن محمد، وقد سئل: بم تأمر الحكمة؟ قال: (تأمر الحكمة بكلّ ما يحمد في الباقي أثره، ويطيب عند جملة النّاس خبره، ويؤمن في العواقب ضرره) 159.
7.تأليف القلوب.
من الآثار الطيبة للحكمة أنها تورث صاحبها ألفة بين الناس وقبولًا، فصاحب الحكمة محبوب من الناس، مقبول قوله، محمود فعله، يقبل عليه الناس لينهلون من حكمته أو يسترشدوا برأيه.
وقد أشار القرآن الكريم إلى نعمة الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين جميعًا، أو على الأوس والخزرج خاصة، حيث جمعهم وألف بين قلوبهم، وأزال ما كان بينهم من ضغينة الجاهلية وعدائها، وذلك بتوفيق الله عز وجل، ثم بحكمة النبي محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
فقال جل شأنه {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) } [الأنفال: 62 - 63] .
ويستنبط من الآيتين الكريميتين أن الحكمة سبب من أسباب تأليف القلوب واجتماعها حيث ختمت الآية يوصف الله تعالى بالحكمة، وحكمة الرسول صلى الله عليه وسلم من نعم الله تعالى التي أنعم بها عليه.
ومن لطائف الآية ما يشير إليه النيسابوري من كون الائتلاف والمحبة سببه حسن الدعوة وحسن الأسلوب، حيث يقول ما ملخصه: «المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب. ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمرًا سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، وإن كان سبب انعقاد المودة كمالًا حقيقيًّا روحانيًّا دائمًا، لم يتصور لها تغير وزوال.
ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم مقبلين على المفاخرة والتسابق في المال والجاه والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى عبادة الله تعالى والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم صاروا إخوانًا متراحمين متحابين في الله ولله» 160.
ومن علامات ائتلاف القلوب على الحكيم: أن تجده محبوبًا بين الناس مقبولًا، وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب هذا الحب، فقد أشار ابن مسكويه إلى ضرورة حب الحكماء وإكرامهم لما لهم من أثر طيب في تربية النفوس وتهذيب الطباع 161.
8.الغبطة لصاحب الحكمة.
من ثمرة إيتاء الحكمة أن تجد صاحبها مغبوطًا من الناس، نظرًا لما تحصل عليه من هذه النعمة القيمة التي يزن بها أموره وتصرفاته، ففي الصحيحن عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلّا في اثنتين: رجلٌ آتاه اللّه مالًا فسلّط على هلكته في الحقّ، ورجلٌ آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها) 162.
وتسمية ذلك في الحديث (حسدًا) ليس على سبيل الذم، لأن الحسد نوعان: محمود ومذموم، فالمحمود هو أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره، وقد يجوز أن يسمى هذا منافسة، ويؤيده قول الله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26] 163.