فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 2431

الاتباع

أولًا: المعنى اللغوي:

«التاء والباء والعين: أصل واحدٌ لا يشذ عنه من الباب شيء، وهو التلو والقفو، يقال: تبعت فلانًا، إذا تلوته واتبعته، وأتبعته إذا لحقته» 1.

يقال: «تبع الشيء تبعًا وتباعًا في الأفعال، وتبعت الشيء تبوعًا وتباعًا في الأفعال، وتبعت الشيء تبوعًا سرت في أثره، واتبعه وأتبعه، وتتبعه: قفاه وتطلبه متبعًا له .. والتابع: التالي، والجمع: تبع وتباع وتبعة، والتبع: اسم للجمع.

والتبع: يكون واحدًا وجماعة، وقوله عز وجل: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} [إبراهيم: 21] .

يكون اسمًا لجمع تابع، ويكون مصدرًا، أي: ذوي تبع ... والتبعة والتباعة: ما اتبعت به صاحبك من ظلامة ونحوها.

والتَبِعَة والتِبَاعَة: ما فيه إثم يتبع به ... والتبابعة: ملوك اليمن، واحدهم: تُبَع، سموا بذلك؛ لأنه يتبع بعضهم بعضًا، كلما هلك واحدٌ قام مقامه آخر، تابعًا له على مثل سيرته ... وقيل: فلان متتابع العلم، إذا كان علمه يشاكل بعضه بعضًا لا تفاوت فيه» 2.

فالمعنى اللغوي يدور حول الاقتفاء والاقتداء، واللحاق بشيء أو شخص والسير خلفه.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الشرباصي: «والمعنى الأخلاقي للاتباع هو: أن يميز الإنسان الخبيث من الطيب، وأن يتبين طريقه على بصيرة، وأن يعرف من تقدمه على طريق الحق والصدق، فيتخذه أسوة وقدوة، فيمضي اللاحق على سنن السابق، فتوجد عند الإنسان روح الاتباع، وينأى بنفسه عن ضلال الابتداع وخير اتباع ينبغي أن يتحلى به المرء ويلتزمه ويحرص عليه، اتباع هدي الله، والتزام صراطه المستقيم؛ لأن ذلك طريق الأمان والاطمئنان، يقول الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] » 3.

الاتباع في الاستعمال القرآني

وردت مادة (تبع) في القرآن (169) مرة 4، والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 75 ... {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص:50]

الفعل المضارع ... 60 ... {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120]

فعل الأمر ... 24 ... {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]

المصدر ... 4 ... {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) } [النساء:157]

اسم الفاعل ... 3 ... {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} [البقرة:145]

اسم المفعول ... 2 ... {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) } [الشعراء:52]

اسم مشتق ... 1 ... {ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69) } [الإسراء:69]

وقد استعمل القرآن الكريم الاتباع بمعناه اللغوي، وهو: أن يقفو المتبع أثر المتبع تارة بالجسم، ومنه قوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) } [طه:78] . أي: فساروا في أثر موسى وبني إسرائيل، وتارة بالارتسام والائتمار.

ومنه قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) } [البقرة:166] . يعني: في الدين 5. ولم يخرج عن هذا المعنى.

الأسوة:

الأسوة لغةً:

الأسوة: القدوة 6. قال الأزهري: «فلان يتأسى بفلانٍ، أي: يرضى لنفسه ما رضيه ويقتدي به، وكان في مثل حاله. والقوم أسوة في هذا الأمر، أي: حالهم فيه واحدة» 7.

الأسوة اصطلاحًا:

«الاتباع للفعل، والاقتداء بالفاعل» 8.

أو: «الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره؛ إن حسنًا وإن قبيحًا» 9.

الصلة بين الاتباع والأسوة:

أن في كليهما اتباعًا ولحوقًا في تنفيذ المنهج إلا أن الأسوة يراعى في الإنسان جانب القدوة؛ ليحصل الاقتداء به.

الطاعة:

الطاعة لغةً:

أصل مادة (طوع) تدل على الإصحاب والانقياد، يقال: طاعه يطوعه إذا انقاد معه 10.

الطاعة اصطلاحًا:

قال ابن عاشور: «الطاعة: امتثال الأمر والنهي» 11.

الصلة بين الاتباع والطاعة:

قد يأتي الإنسان بالطاعة وهو كاره، بخلاف الاتباع فهو دليل حب 12.

لقد اتضح من المعنى اللغوي والاستعمال القرآني للفظة الاتباع أنها تدور حول معنيين:

أحدهما: يتعلق بالاتباع المبني على الدليل والبرهان.

والآخر: مبني على التقليد بلا دليل.

وإزاء ذلك؛ قمت بتقسيم الاتباع إلى عنوانين رئيسين هما: الاتباع المحمود والاتباع المذموم، ويدخل تحت هذين العناوين عددٌ من العناوين الفرعية التي تندرج تحتهما مما يتعلق بهما.

أولًا: الاتباع المحمود:

عرض القرآن الكريم اتباع الوحي والأنبياء عرضًا تناوله من جميع جوانبه، فمن ذلك:

وهذا شيء مهم؛ فقبل أن يأمر الأنبياء أتباعهم باتباع الوحي؛ أمروا هم باتباعه، ليعلم أن الوحي حجة على جميع الخلق ويجب أن يكون الأنبياء قدوة فيمتثلوا هم الأمر باتباع الوحي.

وقد اقترن الأمر باتباع الوحي بأمور أخرى، ومنها:

1.الإعراض عن المشركين.

لأن الإعراض عن المشركين من متممات اتباع الحق، فلا يتم للمرء الاتباع إلا بالإعراض عن المشركين، قال تعالى: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: 106] .

هذا الوحي «هو الحق الذي لا مرية فيه» 13، وقد أكده بقوله: (مِن رَّبِّكَ) ، وهذا يعني: أنه من عند الله، وليس من عند غيره من البشر، وهو مؤكد آخر لإيجاب اتباع الوحي.

وصياغة المرء حياته على اتباع الحق تتناقض مع عقيدة المشركين، فقد يشغبون عليه بالقول و الفعل، أو الترغيب والترهيب، وهذا هو الصراع الأبدي معهم، لذا؛ أمر بالإعراض عنهم، وتحقيق العبودية الحقة لله تعالى.

2.النهي عن اتباع الهوى.

ولاشك أن اتباع الهدى يتناقض مع اتباع الهوى، فلا يجتمع الهوى والهدى في قلب أحدٍ، وحين يحضر اتباع الهدى يزول الهوى ويضمحل، قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى? شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الجاثية: 18] .

قال ابن جرير: «على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا» 14.

وعليه؛ فالله أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يسير على هذا المنهاج الواضح المعالم فيتبعه، وهذه الشريعة تقتضي كل مايحبه الله ويرضاه، «وكل عمل وحب وذوق ووجد وحال لا تشهد له هذه الشريعة التي جعله عليها؛ فباطل وضلال، وهو من أهواء الذين لايعلمون» 15.

3.الأمر بالصبر على الأذى.

وذلك لأن المرء حين يلزم نفسه باتباع الحق؛ فإنه سوف يلقى عنتًا من نفسه أولًا، حيث من طبع النفس الميل نحو الهوى واللذة، ثم ما يلقى الإنسان من الأذى من الآخرين على اختلاف أنواعه؛ لا بد أن يصبر عليه.

قال تعالى: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى? إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى? يَحْكُمَ اللَّهُ ? وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [يونس: 109] .

فالله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتبع الوحي في الاعتقاد والعلم والعمل والدعوة 16، وأن يتمسك به ويصبر بعد ذلك على ماسوف يناله من الأذى، وكلما كان المرء أشد اتباعًا للوحي؛ ناله من الأذى الشيء الكثير، وهو مأمور بالصبر، ولذلك كان الأنبياء أشد الناس بلاء؛ لكونهم أشدهم في اتباع الوحي.

4.اطلاع الله على ما انطوت عليه الأفئدة.

بحيث يجرد المرء اتباعه خالصًا لله وحده، ولا يكون لحظ نفسه أو الدنيا شيء من ذلك، قال تعالى: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا…) [الأحزاب: 2] .

ففي الآية وعيدٌ يفيد أن الله مطلع على جميع أعمالكم ومجازيكم عليها، كما أن فيها إشارة إلى ضرورة المسارعة في امتثال الأمر، وعدم التريث في تطبيقه، «والأمر له صلى الله عليه وسلم؛ أمرٌ لأمته، فهم مأمورون باتباع القرآن، كما هو مأمورٌ باتباعه» 17.

5.الأمر باتباع الأنبياء السابقين.

يؤكد الاقتداء بهم، لكونهم معصومين، وقد زكاهم الله سبحانه وتعالى، كما في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ? وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [النحل: 123] .

ولا يخفى أن ملة إبراهيم التي أمر باتباعها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي الحنيفية المسلمة، والاتباع هنا: هو في التوحيد وأصول الشريعة، كما أن التعبير القرآني أشار إلى أن «الأمر باتباع ملة إبراهيم لا اتباع إبراهيم عليه السلام» ، وبهذا نفهم أن علينا اتباع المنهج لا اتباع الأشخاص، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ الوحي عمن أخذ عنه إبراهيم عليه السلام.

6.صحة الطريق.

وهي أمرٌ مهم لمن يسلك طريق الاتباع؛ لأن هذا الطريق يمر بالسعادة والفلاح في الدنيا، وينتهي برضوان الله تعالى وجنته في الآخرة، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ? إِنَّكَ عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الزخرف: 43] .

الاستمساك: هو شدة المسك، والسين والتاء للمبالغة والتأكيد، وعليه؛ فالله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بشدة التمسك بالوحي على كل الأحوال ورغم كل الظروف، لأن الله سبحانه قد ضمن له صحة الطريق، وهذا فيه تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم أيما تثبيت، فلا يضجر ولا يألم، كما أن فيه تثبيتًا لأتباع الأنبياء من الدعاة والمصلحين من بعده ليسيروا في طريقه.

إن الأنبياء عليهم السلام هم قدوة البشر، وحين يأمرون أتباعهم بشيء؛ فلابد أن يكونوا أول وأولى من يحقق هذا الأمر في أعلى مراتبه و في درجة الكمال منه، ولذلك فقد أخبر الله تعالى عن امتثالهم الأمر باتباع في آيات كثيرة، ومن ذلك:

1.اقتران الخبر بالدعوة إلى التفكير.

وهذا من المواضع الكثيرة التي حثنا فيها القرآن على التأمل والتفكر، والبحث عن الدليل والبرهان في أمورنا، خاصة العقدية منها، ويؤخذ ذلك من قوله تعالى: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى? إِلَيَّ ? قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى? وَالْبَصِيرُ ? أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) [الأنعام: 50] .

يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: إنه ماهو إلا «عبد يمتثل أمر مولاه، ويتبع ما أوحاه» 18، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعمل إلا بالوحي؛ فإنه ليس لأحد من أمته أيضًا أن يعمل إلا بالوحي.

ثم يعقب ذلك بسؤال مهم (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى? وَالْبَصِيرُ ? أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) وفيه تشبيه حال «من لا يفقه الأدلة ولا يفكك بين المعاني المتشابهة؛ بحالة الأعمى، الذي لا يعرف أين يقصد، ولا أين يضع قدمه، وشبهت حالة من يميز الحقائق ولا يلتبس عليه بعضها ببعض بحالة القوي البصير؛ حيث لا تختلط عليه الأشباح» 19.

2.اقتران الخبر بالثناء على الوحي.

حيث يكون اتباع الوحي سببًا لتنوير بصيرة متبعيه وهدايتهم إلى الطريق المستقيم، بل ويكون اتباع الوحي سببًا في رحمتهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى? إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ? هَ?ذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 203] .

فالنبي صلى الله عليه وسلم مقتصر على اتباع الوحي لا غير، لا يطلب غير آياته آية، ولا بعد حجته حجة، لماذا؟ لأنه (بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .

قال الزمخشري: «أي حجج بينة يعود المؤمنون بها بصراء بعد العمى، أو هو بمنزلة بصائر القلوب» 20.

وهذه البصائر هي لمن آمن فقط؛ لأن «المؤمن مهتدٍ بالقرآن، متبع له سعيد في دنياه وأخراه، وأما من لم يؤمن به؛ فإنه ضال شقي في الدنيا والآخرة» 21.

3.عدم اتباع الوحي مقرونٌ بالمعصية.

وهو الضد من اتباع الوحي، فكما أن اتباع الوحي سببٌ لوجود البصيرة والهداية والرحمة؛ فإن ترك الوحي واتباع سبل الضلال سببٌ للمعصية والعذاب، في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: (نْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى? إِلَيَّ ? إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [يونس: 15] .

تبين الآيات نتيجة عدم اتباع الوحي ألا وهي المعصية، وهذا لتأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ربه، فما بال أولئك الذين نبذوا الوحي وراءهم ظهريًا!

4.اقتران الخبر بالنذارة.

وفيه تخويفٌ للناس، بأنهم إن لم يتبعوا الوحي فليحذروا العاقبة السيئة لذلك، ولذلك فقد ألزم النبي صلى الله عليه وسلم نفسه باتباع الوحي.

قال تعالى: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى? إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) [الأحقاف:9] .

وعلى هذا؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قد حصر عمله باتباع الوحي فقط، ومعنى ذلك: «الاستسلام والتبري من علم المغيبات والوقوف مع النذارة من عذاب الله عز وجل» 22.

بعد أن تقرر آنفًا أن الأنبياء أمروا باتباع الوحي أولًا، وأنهم امتثلوا هذا الأمر علمًا وعملًا ودعوة -؛ جاء دور أمر الأمة باتباع الأنبياء ومن ثم اتباع الوحي؛ لأن اتباع الأنبياء يقود إلى اتباع الوحي فهم واسطته إلينا.

جاء الأمر باتباع الوحي:

1.مقرونًا بالمحبة والمغفرة.

وهو نتيجة طبيعية له، فإن اتباع الحق والوحي آية محبة الله تعالى، وقد أكدت هذه المعاني في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: 31] .

إذًا فالآية جاءت لبيان حقيقة الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف يكون صادقًا. يقول ابن كثير رحمه الله: «هذه حاكمة على من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله» 23.

2.مقرونًا بالاهتداء.

فاتباع الوحي هو اتباع لما جاء من عند الله تعالى، وما كان كذلك؛ فإنه حقٌ لامرية فيه، وصواب لاضلال فيه، كما في قصة صاحب (يس) ، حيث طلب من قومه اتباع المرسلين، وأثبت أنهم مهتدون، كما أثبت ذلك في سورة الأعراف، حيث الاتباع يؤدي إلى الهداية.

قال تعالى: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى? قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ?20?اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ?21?) [يس: 20 21] .

وقال تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [الأعراف: 158] .

إن مايدعو إليه هؤلاء الأنبياء هو الإيمان بالله ورسوله، ولذلك فقد أثنى الله تعالى على ذلك، ثم طلب منهم متابعته متابعة تامة في الأقوال والأفعال 24، مرتبًا على هذه المتابعة الهداية، «تنبيهًا على أن من صدقه ولم يتابعه بالتزام شرعه؛ فقد بعد في خطط الضلالة» 25.

3.صحة الطريق.

وهو أمرٌ مر بنا آنفًا، حيث امر الأنبياء باتباع الوحي نظرًا لصحة الطريق الذي يجب عليهم أن يسلكوه، وهاهم الآن يدعون إلى اتباع الوحي مستشهدين بصحة الطريق أيضًا، تأمل معي مخاطبة إبراهيم عليه السلام أباه قائلًا: (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) [مريم: 43] .

وتأمل أيضًا خطاب محمد صلى الله عليه وسلم لقومه قائلًا: (وَاتَّبِعُونِ ? هَ?ذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [الزخرف: 61] .

ففي الآيتين خطاب لنبيين كريمين، وفي كلا الخطابين ضمان لصحة الطريق حيث لا اعوجاج فيه ولا ظلام، أوله في الدنيا وآخره في الجنة، إذا هم اتبعوه.

4.بطلان عقائد الشرك.

وهذه عكس سابقتها، فإن صحة طريق تعني بطلان غيره من الطرق، ويؤكد ذلك قوله تعالى: (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: 95] .

وما تضمنته هذه الآية؛ انطلاق من المسلمات، وذلك أنهم مجمعون على صحة دين إبراهيم عليه السلام، ولذلك أمروا باتباعه، لأنه كان «معرضًا عن كل مايخالف التوحيد متبرئًا من الشرك وأهله» 26.

وصحة اتباع إبراهيم عليه السلام ستقود بلا شك إلى اتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن العقيدة واحدة.

5.الأمر بالطاعة.

فإن الاتباع وحده لا يكفي، بل لا بد أن ينضاف إليه طاعة الله تعالى واتباع أوامر أنبيائه عليهم السلام، ولذلك جاء على لسان هارون عليه السلام حين أضل السامري بني إسرائيل، واتخذوا العجل بعد ذهاب موسى عليه السلام، أن دعاهم إلى الاتباع والطاعة، فقال لهم: (وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَ?نُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) [طه: 90] .

قال ابن عاشور: «دعاهم إلى معرفة الرب الحق، ثم دعاهم إلى اتباع الرسول؛ إذ كان رسولًا بينهم، ثم دعاهم إلى العمل بالشرائع» 27.

عرض القرآن اتباع الوحي من خلال عدة طرق موضوعية، ويمكن إبراز أهمها بما يلي:

1.اقتران الأمر باتباع الوحي بالنهي عن اتباع غيره.

وفي ذلك حصرٌ لمصدر التشريع؛ إذ لا يمكن للمرء اتباع الوحي وسواه في آن، فإن اتباع أحدهما يلغي الآخر، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام: 153] .

أخرج أحمد بسنده إلى ابن مسعود رضي الله عنه قال: (خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا، ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطًا، ثم قال: هذا سبيل الله، وهذه السبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] ) 28.

ولعل في نسبة الصراط إلى الله إشارة «إلى عصمة هذا الصراط من الزلل؛ لأن كونه صراط الله يكفي في إفادة أنه موصلٌ للنجاح؛ فلذلك صح تفريع الأمر باتباعه على مجرد كونه صراط الله» 29، ولذلك جاء النهي عن اتباع السبل الأخرى، وهي كثيرة، سواء أكانت من العقائد الباطلة أو أي طريق تابع للهوى، «فإن مقتضى الهوى متعدد، لاختلاف الطبائع والعادات» 30.

2.اقتران الأمر باتباع الوحي بالثناء عليه.

وهو أمرٌ تكرر آنفًا أيضًا، ويؤكد ذلك قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) } [الأنعام: 155] .

جاء الثناء على الوحي من عدة وجوه في الآية، فمنها:

1.إن هذا الكتاب نزل من عند الله، وليس من عند البشر، دل عليها قوله: (?) .

2.إن هذا الكتاب مباركٌ، أي: «كثير الخيرات» 31.

3.إن هذا الكتاب سببٌ للرحمة لمن اتبعه؛ لأن أكبر «سبب لنيل رحمة الله اتباع هذا الكتاب علمًا وعملًا، ... وفي هذه الآيات؛ دليلٌ على أن علم القرآن أجل العلوم وأبركها وأوسعها، وأنه به تحصل الهداية إلى الصراط المستقيم هداية تامة» 32.

-اتباع الصالحين:

الصالحون: «جمع صالح، وهو كل من صلحت سريرته وعلانيته» 33، ولما كان هذا الخلق عظيمًا؛ وصف الله به عددًا من الأنبياء في آياتٍ كثيرة، فقد دعا نبي الله إبراهيم عليه السلام بأن يكون من الصالحين: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء: 83] .

ومثله نبي الله يوسف عليه السلام وسليمان عليه السلام، كما أثنى الله على عدد من الأنبياء بهذه الصفة فقال: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى? وَعِيسَى? وَإِلْيَاسَ ? كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ) [الأنعام: 85] .

وما دامت للصالحين تلك المنزلة، فقد نتساءل كيف يمكن الوصول إليها؟

إن الوصول إلى هذه المنزلة لا يكون إلا باتباع الصالحين، غير أن هذا الاتباع مقيد بقيد موافقتهم للشريعة، وأما ماخالفوا فيه؛ فإنهم لايتابعون عليه؛ فالحق أحق أن يتبع.

وسوف يكون الحديث عن الصالحين من خلال مايلي:

لما كانت السعادة في اتباع الرسل؛ فإن أولى الناس بالاتباع بعد الرسل «هم أعلمهم بآثار المرسلين وأتبعهم لذلك» 34، ولا أحد أعلم بحال المرسلين إلا أقرب الناس إليهم وهم أصحابهم.

وقد أثنى الله عليهم في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، ومنها: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100] .

كما أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) 35.

قال الشنقيطي متحدثًا عن آية التوبة: «صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان؛ أنهم داخلون معهم في رضوان الله تعالى والوعد بالخلود في الجنات، والفوز العظيم» 36، وأما اتباعهم؛ فهو اتباعٌ كاملٌ؛ بالاعتقادات والأقوال والأعمال 37.

وقد ساق ابن القيم أدلة وجوب اتباع الصحابة رضي الله عنهم من ستة وأربعين وجهًا 38.

بقي أن أشير إلى أن اتباع الصحابة رضي الله عنهم دائر مع الحق وجودًا وعدمًا؛ فإن ما يقولونه أو يفعلونه يعرض على الكتاب والسنة، فإن وافقهما قبل، وإن خالفهما رد.

••اتباع الدعاة العاملين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت