فهرس الكتاب

الصفحة 1007 من 2431

الرضاعة حقٌّ للولد، والإرضاع حقٌّ للأم، فللمطلقة إرضاع ولدها حولين كاملين إذا أرادت ذلك باختيارها ما لم يتمكّن الأب من استئجار مرضع، وتجب النفقة على الوالد مدة إرضاعها الولد، قال القرطبي: «ولما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الولد؛ لأن الزوجين قد يفترقان وثمّ ولد، فالآية إذا في المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن» 39.

وقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} أمرٌ جاء بصيغة الخبر للمبالغة في تقريره، وهذا الأمر للندب والاستحباب وليس للوجوب؛ لأن الإرضاع ليس واجبًا على المرأة، كما قال الفقهاء، إلا إذا لم يتمكّن الأب من استئجار ظئرٍ، أي: امرأةٍ ترضع ولده في مقابل أجر، أو لم يقبل ثدي غير أمه، والتعبير عنهن بلفظ (الوالدات) دون قوله: والمطلقات لبيان حقوقهن كأمهات ولاستعطافهن نحو الأولاد، فحصول الطلاق لهن لا ينبغي أن يحرمهن من عاطفة الأمومة، ولا يحرم الأبناء من حقوقهن المشروعة، قال السدي والضحاك وغيرهما: أي: هن أحقّ برضاع أولادهن من الأجنبيات لأنهن أحنى وأرقّ، وانتزاع الولد الصغير إضرار به وبها، وهذا يدل على أن الولد وإن فطم فالأمّ أحق بحضانته ما لم تتزوج؛ لفرط حنوّها وشفقتها 40.

{حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} أي: عامين على التمام {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} لبيان أن الرضاعة ليست واجبة على المرأة إلا إذا عجز الزوج عن استئجار ظئر، أي: مرضع، فتعيّن على الأم إرضاع ولدها {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} المطلقة لها الحق في الأجرة لإرضاعها ولدها كما في قوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] .

وإنما عطف الكسوة على الرزق لئلا يتوهّم أن الرزق قاصر على الطعام والشراب، وهذا من مراعاة حق المرأة وإكرامها، والعدول عن قوله: (وعلى الوالد) إلى قوله: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} فيه لطيفة، وهي أن الأولاد يتبعون الأب ويلتحقون بنسبه دون الأم، وهذا مما يحفّزهم على العناية بالمولود، والتّعبير بالمولود له مقابل التّعبير بالوالدات إشارةٌ إلى أن المسئولية مشتركةٌ بين الوالدين؛ وكذلك في التعبير بالمولود له ترقيقٌ لقلب الوالد على ولده الذي قد يهمله نكايةً في أمه التي طلّقها، أو يجافيه كراهيةً لها، فهذا الولد الّذي يرضعنه ينسب إليه، ويحفظ سلسلة نسبه، فعليه أن ينفق عليهنّ ما يكفيهنّ حاجات المعاش من الطّعام واللّباس ليقمن بذلك حقّ القيام.

{لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} لا يكلّف الوالد فوق طاقته، ولا تكلّف الوالدة فوق طاقتها، كأن يطالب الرجل بالزيادة في الأجرة، وهو معسرٌ، أو يضيّق على الأم مع يسار الأب.

{لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} فلا ضرر ولا ضرار؛ لا يكلّف الرجل بما لا يطيق من نفقةٍ، ولا تكلّف المرأة بإرضاع ولدها وهي لا تقوى على ذلك، أو بدون الوفاء بحقها في النفقة، أو ببخس هذا الحق أو التقتير، ولا تمتنع الأم عن إرضاع ولدها نكايةً وإضرارًا بأبيه الذي طلقها؛ كذلك لا يحرم الأب الأم من حقها في إرضاع ولدها؛ حتى لا تستفيد بالنفقة.

{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} الوارث هو القائم مقام الوالد، عليه مثل ذلك من الواجبات، حتى وإن لم يترك الأب مالًا؛ لأن الغرم بالغنم {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} الفصال والفصل: الفطام {عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا} أي: قبل الحولين {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي: في فصله؛ وذلك أن الله سبحانه لما جعل مدة الرضاع حولين بيّن أن فطامهما هو الفطام، وفصالهما هو الفصال ليس لأحد عنه منزع، إلا أن يتفق الأبوان على أقل من ذلك العدد من غير مضارة بالولد؛ فذلك جائز بهذا البيان، إن استقرّ أمرهما على الفصال قبل نهاية الحولين، وتراضيا على ذلك فلا حرج في ذلك، ما لم يترتب على ذلك ضررٌ للطفل، فينبغي مراعاة حق الولد، وإن أدى ذلك إلى تشاور المطلقة مع من طلّقها في شأن الولد؛ لأنهما مسئولان عنه، حريصان على صلاحه.

{وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا} أي: تطلبوا لهم من يرضعهم في حالة امتناع الأم عن الإرضاع أو مطالبتها بنفقةٍ باهظةٍ إرهاقًا للأب، أو عدم تمكّنها، فيضطرّ الأب إلى أن يستأجر لهم من ترضعه، وتسمى المرضعة المستأجرة ظئرًا {إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ} أي: سلّمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع، وسلّمتم الأجرة إلى المرضعة الظئر.

وقيل: الخطاب للوالدين، والمعنى: سلّمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع، أي: سلّم كل واحد من الأبوين ورضي، وكان ذلك على اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الأمر.

والخطاب للرجال، أي: ما آتيتم من النفقة، أو للرجال وللنساء معًا، أي: سلّم كلّ واحدٍ للآخر.

وقيل: المعنى: إذا سلّمتم لمن أردتم استرضاعها أجرها، فيكون المعنى: إذا سلمتم ما أردتم إيتاءه، أي: إعطاءه إلى المرضعات بالمعروف، أي: بما يتعارفه الناس من أجر المرضعات من دون مماطلة لهنّ، أو حطّ بعض ما هو لهنّ من ذلك، فإن عدم توفير أجرهنّ يبعثهنّ على التساهل بأمر الصبيّ، والتفريط في شأنه 41.

سادسًا: النفقة للبائن الحامل، والأجرة للمرضع البائن:

قال تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:6 - 7] .

يجب للمعتدة من طلاق رجعيٍّ النفقة والسكنى، أما المطلقة طلاقًا بائنًا فإن كانت حاملًا فلها النفقة والسكنى؛ حتى تضع الحمل، فإذا أرضعت ولدها استحقت الأجر على ذلك، وهذا من رحمة الإسلام بها، فالمرضع تحتاج إلى رعاية صحية وغذائية؛ لذا أوجب الله تعالى على الرجل إعطاء الأجرة لمطلقته على إرضاعها لولدهما؛ رعايةً لحقّها وحقّ الطفل.

كما أمر الله الآباء والأمهات بالتشاور في شئون الأولاد بما هو أصلح لهم في أمورهم الصحية، والخلقية، والتربوية، والتعليمية، وغيرها؛ من باب التناصح والتعاون على الخير.

قال تعالى: {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} أي: وليأمر كلٌّ منهما صاحبه بالخير، من المسامحة والرفق والإحسان، قال الخازن: « {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} أي: ليقبل بعضكم من بعض إذا أمره بالمعروف، وقيل: يتراضى الأب والأم على أجرٍ مسمى، والخطاب للزوجين جميعًا أمرهم أن يأتوا بالمعروف، وما هو الأحسن ولا يقصدوا الضرار، وقيل: المعروف هاهنا أن لا يقصّر الرجل في حق المرأة ونفقتها، ولا المرأة في حق الولد وإرضاعه» 42.

أما إذا لم يحصل وئامٌ واتفاقٌ بين الأبوين في تحديد الأجرة، فليس للأب إكراه الأم على الإرضاع إن أبت، بل يستأجر مرضعة أخرى، فإن لم يجد أو عجز عن إعطاء الأجرة لزم الأمّ إرضاع ولدها؛ حفاظًا على حقه في الحياة، قال تعالى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ} أي: في حق الولد وأجرة الرضاع، فأبى الزوج أن يعطي المرأة أجرة رضاعها، وأبت الأم أن ترضعه، فليس له إكراهها على إرضاعه، بل يستأجر للصبي مرضعًا غير أمه.

{فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} أي: فليستأجر لولده مرضعةً غيرها، وهو خبرٌ بمعنى الأمر، أي: فليسترضع لولده مرضعةً أخرى «إلا أن لا يقبل المولود غير أمه فتجبر حينئذٍ على إرضاعه بأجرة مثلها، ومثل الزوج في حالهما وغناهما» 43.

قال أبو حيان: «وفيه عتابٌ للأم لطيفٌ كما تقول لمن تطلب منه حاجة فيتوانى عنها: سيقضيها غيرك، تريد أنها لن تبقى غير مقضية، وأنت ملوم» 44.

{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7] .

بيانٌ لقدر الإنفاق، والمعنى: لينفق الأب على قدر وسعه وطاقته، فلا يكلّف ما لا يطيق، ولا يضيّع الولد أو الأم، بل لابدّ من الاعتدال والموازنة بين الحقوق.

{وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} أي: ومن ضيّق عليه رزقه فكان دون الكفاية {فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} أي: فلينفق على مقدار طاقته، وعلى قدر ما آتاه الله من المال {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} أي: لا يكلّف الله أحدًا إلا بقدر طاقته واستطاعته، فلا يكلّف الفقير مثل ما يكلف الغني، قال أبو السعود: «وفيه تطييبٌ لقلب المعسر، وترغيبٌ له في بذل مجهوده، وقد أكد ذلك الوعد بقوله: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} أي: سيجعل الله بعد الضيق الغنى، وبعد الشدة السعة والرخاء، وفيه بشارةٌ للفقراء بفتح أبواب الرزق عليهم» 45.

سابعًا: حق المطلقة في الزواج، وحرمة عضلها:

للمطلقة الرجعية بعد انقضاء عدتها الحق في الرجوع لزوجها إن شاء ذلك، بعقد جديد، ومهر جديد، ولها الحق في الزواج بغيره، أما البائن فلها أن تتزوج بعد انقضاء عدتها، ولا يجوز عضل المرأة، أي: منعها من الزواج سواء كان هذا العضل من جهة الزوج أو من جهة وليها.

قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 231] .

فنهى تعالى في هاتين الآيتين عن عضل الزوجة سواءً كان من قبل الزوج الذي يتعمّد إمساكها للإضرار بها وتعطيلها عن حقّها بإطالة مدة اعتدادها، أو من قبل وليّها الذي قد يعضلها عن الرجوع لزوجها الأول بعد انقضاء عدتها، أو يعضلها عن الزواج بغيره لشيءٍ في نفسه.

نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن عضل المرأة إذا انقضت عدّتها أن تتزوج، أو شارفت على الانقضاء أن ترجع إلى زوجها إذا كان الطلاق رجعيًّا، وعلى هذا فقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي: أشرفن على أن يبنّ بانقضاء العدة ولم يرد حقيقة انقضاء العدة؛ لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها، فالبلوغ ها هنا بلوغ مقاربة، يقال: بلغ المدينة إذا قرب منها وإذا دخلها، والمراجعة بالمعروف أن يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء، والتسريح بالمعروف: أي: تركهن حتى تنقضي عدتهن.

وقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} أي: لا تقصدوا بالرجعة المضارة بتطويل المدة عليهن {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} أي: أضرّ بنفسه بمخالفة أمر الله تعالى {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} بمخالفة شرعه، والاستهانة به، أو الاستهزاء والاستخفاف أو التلاعب.

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: «هو أن الرجل كان يطلّق امرأته ثم يقول: كنت لاعبًا، ويعتق ويقول: مثل ذلك، وينكح ويقول مثل ذلك» 46.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثٌ جدّهنّ جدٌّ، وهزلهنّ جدٌّ، النّكاح والطّلاق والرّجعة) 47.

وصور العضل من الزوج متعددة: منها أن يجحد الطلاق، أو يدّعي رجعةً في العدة، أو يتوعّد من يتزوّجها، أو يسيء القول فيها؛ لينفّر الناس عنها، فنهوا عن العضل مطلقًا بأيّ سببٍ كان مما ذكرناه ومن غيره.

وقال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 232] .

وقد ورد في سبب النزول عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قوله: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} نزلت في الرّجل يطلّق امرأته تطليقةً، أو تطليقتين فتنقضي عدّتها، ثمّ يبدو له في تزويجها وأن يراجعها، وتريد المرأة فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى اللّه سبحانه أن يمنعوها» 48.

وعن معقل بن يسارٍ رضي الله عنه أنّها نزلت فيه: قال: «زوّجت أختًا لي من رجلٍ فطلّقها، حتّى إذا انقضت عدّتها جاء يخطبها، فقلت له: زوّجتك وأكرمتك فطلّقتها، ثمّ جئت تخطبها، لا واللّه لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أنّ ترجع إليه، فأنزل اللّه هذه الآية: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} فقلت: الآن أفعل يا رسول اللّه، قال: فزوّجها إيّاه» 49.

نهى الله تعالى عن منع الوليّ للمرأة المطلّقة إذا انقضت عدّتها من العودة إلى زوجها إذا تراضيا بالمعروف، أو الزواج بغيره، فإن المؤمن حقًّا يجتنب ما نهى الله عنه، ويمتثل ما أمر الله تعالى به، ويقدم حكم الله على هواه، فهوتعالى أعلم بما يصلح عباده في عاجلهم وآجلهم، وقد شرع لهم ما فيه صلاحهم وخيرهم.

تحدث القرآن عن أمور لها صلة بالطلاق، نبيّنها فيما يأتي:

أولًا: الخلع:

من الحقوق التي قرّرها الإسلام للمرأة من أجل إنهاء عقدة النكاح إذا خافت من عدم الوفاء بحقوق الزوج الذي لا تطيق البقاء معه؛ سيّما إذا امتلأ قلبها بغضًا له، أو نفورًا منه؛ بسبب دمامة خلقةٍ، أو ضعفٍ أو عجزٍ ونحوه، أو بسبب سوء خلقٍ، فتضطرّ الزوجة إلى المخالعة، أو بسبب عضل الرجل لزوجته، بحيث يكرهها ولا يريد أن يطلّقها، فيجعلها كالمعلّقة، فتفتدي نفسها بمالها، وإن كان يحرم عليه فعل ذلك.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] .

وقال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنهما أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام! 50 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتردّين عليه حديقته؟) قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقبل الحديقة وطلّقها تطليقةً) 51.

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيّما امرأةٍ سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأسٍ، فحرامٌ عليها رائحة الجنّة) 52.

{وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} الخطاب للأزواج، أي: لا يحل لهم أن يأخذوا مما دفعوه إلى نسائهم من المهر شيئًا على وجه المضارّة لهن «وخصّ ما دفعوه إليهن بعدم حلّ الأخذ منه مع كونه لا يحلّ للأزواج أن يأخذوا شيئًا من أموالهن التي يملكنها من غير المهر؛ لكون ذلك هو الذي تتعلق به نفس الزوج، وتتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو في ملكها، على أنه إذا كان أخذ ما دفعه إليها لا يحل له كان ما عداه ممنوعًا منه بالأولى» 53.

{إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} يخاف الزوج أو تخاف الزوجة من التقصير في الحقوق الشرعية الواجبة، فإن خاف الزوجان أو أحدهما، واستشعر القاضي ذلك {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} أي: خاف الحاكم أو الولي أو القاضي أو من يتوسّط بين الزوجين {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} أي: لا جناح على الرجل في الأخذ، وعلى المرأة فيما أعطت بأن تفتدي نفسها من ذلك النكاح ببذل شيء من المال يرضى به الزوج، فيطلقها لأجله، وهذا هو الخلع، وقد ذهب الجمهور إلى جواز ذلك للزوج، وأنه يحل له الأخذ.

قال البغوي: «تخاف المرأة أن تعصي الله في أمر زوجها، ويخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها، فنهى الله الرجل أن يأخذ من امرأته شيئًا مما آتاها إلا أن يكون النشوز من قبلها، فقالت: لا أطيع لك أمرًا، ولا أطأ لك مضجعًا ونحو ذلك» 54.

{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} ما سبق من أحكام الطلاق والعدة والخلع وغيرها {فَلَا تَعْتَدُوهَا} أي: فلا تضيّعوها، ولا تنتهكوها، ولا تتجاوزوها.

{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} زجرٌ لمن يتجاوز ما حدّه الله تعالى، ويضيّع فرائضه، وينتهك محارمه، فهو ظالمٌ من جملة الظالمين، ظلم نفسه، وظلم غيره.

ثانيًا: الإيلاء:

الإيلاء: حلف الرجل أن لا يطأ زوجته، وقد كان الرجل في الجاهلية إذا غضب من زوجته حلف أن لا يطأها السنة والسنتين، أو أن لا يطأها الدهر كله، فتبقى كالمعلقة، فلا هي زوجة تتمتع بحقوقها الزوجية، ولا هي مطلقة تنكح زوجًا غيره، وجاء الإسلام ليرفع الظلم عن المرأة، ويضع حدًّا لهذا الأمر، فجعل للإيلاء مهلةً نهايتها أربعة أشهر، فإما أن يعود لزوجته، وإما أن يطلّقها، فلا تبقى معلقةً.

قال تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة 226 - 227] .

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان إيلاء أهل الجاهليّة السّنة والسّنتين وأكثر من ذلك، فوقّت اللّه أربعة أشهرٍ، فمن كان إيلاؤه أقلّ من أربعة أشهرٍ فليس بإيلاءٍ» .

وقال سعيد بن المسيّب: «كان الإيلاء من ضرار أهل الجاهليّة، كان الرّجل لا يريد المرأة، ولا يحبّ أن يتزوّجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدًا، وكان يتركها كذلك لا أيّمًا، ولا ذات بعلٍ، فجعل اللّه تعالى الأجل الّذي يعلم به ما عند الرّجل في المرأة أربعة أشهرٍ، وأنزل اللّه تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} الآية» 55.

فإن اللّه سميع لإيلائهم وطلاقهم، عليم بنياتهم، وبما ارتكبوه مما يحرم أو يحلّ، فليراقبوه فيما يفعلون، فإن أرادوا إيذاء النساء ومضارتهن، فهو يتولى عقابهم، وإن كان لهم عذر شرعي مثل حملهن على إقامة حدود اللّه، فاللّه يغفر لهم 56.

«والحكمة في موقف الشّريعة الإسلاميّة من الإيلاء: أنّ هجر الزّوجة قد يكون من وسائل تأديبها، كما إذا أهملت في شأن بيتها، أو معاملة زوجها، أو غير ذلك من الأمور الّتي تستدعي هجرها، علّها تثوب إلى رشدها، ويستقيم حالها، فيحتاج الرّجل في مثل هذه الحالات إلى الإيلاء، يقوّي به عزمه على ترك قربان زوجته؛ تأديبًا لها، ورغبةً في إصلاحها، أو لغير ذلك من الأغراض المشروعة؛ فلهذا لم تبطل الشّريعة الإسلاميّة الإيلاء جملةً، بل أبقته مشروعًا في أصله؛ ليمكن الالتجاء إليه عند الحاجة» 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت