فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 2431

وكذلك القلب فطر على الفطرة الصحيحة، فلما عرض له الفساد ترتب على ذلك العارض أثره من الآلام والعقوبات، ولا ريب أن ذلك العارض ليس في أصل الفطرة بحيث يستحيل زواله، بل هو ممكن الزوال، والناس في زواله، فحين عاد إلى موجب الفطرة أجاب الداعي من غير توقفٍ.

ومنهم من توقف لقوة العارض فاحتاج مع الدعوة إلى موعظةٍ تتضمن ترهيبه وترغيبه.

ومنهم من غلبت عليه المادة الفاسدة فاحتاج مع ذلك إلى المجادلة.

ومنهم من كان العارض أشد من ذلك فعدل معه إلى الجلاد والمحاربة ونوعٍ من العقوبة، فأزال ذلك تلك المادة وأعاد الفطر إلى صحتها.

ومنهم من كان فساد فطرته قد استحكم وتمكن، فصار له بمنزلة الصفة الثابتة، ولم يكن بدٌ من أن يحتمي عنه ليزول ذلك الخبث ويتخلص منه، ويعود على ما خلق عليه أولًا؛ ولهذا لما خرج خبث الموحدين من أهل الكبائر بسرعةٍ؛ تعجل خروجهم من النار، وعاد إلى ما خلقوا عليه أولًا من كمال النشأة وزوال موجب هذا العذاب، فلم يبق لهم مصلحةٌ في التعذيب بعد ذلك.

وأما المشركون: فلما كان العارض استحكم فيهم، وصار كالهيئة والصفة استمروا في النار، تحمى عليهم أشد الحمو لقوة ذلك الخبث» 105.

إن التمسك بالوحي هو أول أسباب المحافظة على الفطرة «فإن الفطرة -وهي طريق صحيح ومصدر معتبر في ذلك- قد يطرأ عليها ما يغشيها ويحرفها عن صوابها، فتحتاج إلى ما يجلوها، ويصحح مسارها، ويمنعها من الانحراف، وذلك هو الوحي» القرآن والسنة» الذي تكفل الله تعالى بإنزاله هداية للناس ورحمة بهم» 106.

من ذلك قول الله سبحانه وتعالى بعد أن أمر آدم وحواء وإبليس بالهبوط إلى الأرض بعد أن وسوس الشيطان لهما فأكلا من الشجرة: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) } [البقرة: 38] .

أي: أي وقت وزمان جاءكم مني - يا معشر الثقلين - هدى، أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم مني، ويدنيكم من رضائي، وفي موضع آخر نجد قوله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) } [طه: 123] .

وقد رتب على هداه عدة أشياء: نفي الخوف والحزن والفرق بينهما أن المكروه إن كان قد مضى أحدث الحزن، وإن كان منتظرًا، أحدث الخوف، فنفاهما عمن أتبع هداه، وإذا انتفيا حصل ضدهما، وهو الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.

أما من ضل وكفر فتوعده الله بالعذاب في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) } [البقرة: 39] .

و (أصحاب النار) أي: الملازمون لها، ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه، لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب، ولا هم ينصرون 107.

ويطالعنا حديث نبوي شريف في السياق نفسه فيه دلالة قاطعة على وجوب التمسك بالله - عز وجل والخضوع له قول الرسول صلى الله عليه وسلم: عن البراء بن عازبٍ، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك، فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به) . قال: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال: (لا، ونبيك الذي أرسلت) 108.

إن من عواصم الفطرة من التغير والانتكاسة لزوم شريعة الإسلام، وعدم الحيدة عنها قليلًا كان ذلك الحيد أو كثيرًا؛ فإن طريق النجاة في لزومها علمًا وعملًا، ونظرية وتطبيقًا في الأمن والخوف، والسلم والحرب، فالشريعة موضوعة لسير الناس عليها بوصفها منهج حياة، وهي مستقيمة لا تنحرف وواسعة لا تضيق، بدلالة قوله تبارك وتعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) } [الجاثية: 18 - 19] .

وقال الله سبحانه وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) } [المائدة: 48] .

إن إتباع شرع الله تعالى والتقيد بالمنهاج الرباني، وترك ما سواه من السبل والمناهج الجاهلية الإلحادية الخارجة عن الفطرة السليمة التي أنكرت وجود إله قادر على تدبير شئون عباده، أو أشركت معه غيره، وقامت على مناهج عقلية وفلسفية قاصرة؛ لأن الكمال لله، وزعموا الاستغناء عن خالقهم ومدبر شؤونهم فاستغنى الله عنهم.

فجعلت الشيوعية شعارها (لا إله والكون مادة) ، ونفت بالكلية وجود الإله، وتعتنق معظم الشعوب الرأسمالية عقيدة التثليث والإيمان بثلاثة آلهة (الأب والابن وروح القدس) ، وتتخذ العلمانية منهج حياة، أي تقر بوجود إله خالق للعباد ولكنه عاجز عن تدبير شؤون عباده - حاشا لله، وللأسف الشديد نجد كثيرًا من المجتمعات الإسلامية التي تدعي الإسلام ادعاء تمارس هذه المناهج وتتخذها منهج حياة.

لقد شرع الله عز وجل أفضل الشرائع، وهدى الناس لأقوم السبل بدلالة قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام: 153] .

ولا شك بأن الشريعة الإسلامية هي وحدها الكفيلة بإصلاح الدين والدنيا، وإسعاد الإنسان في الآخرة والأولى، وذلك لما تنفرد به من العقيدة الصحيحة والشعائر الجليلة والشريعة العادلة.

ونجد أن من أعرض عن هذه الشرعة والمنهاج توعده الله بالعقوبة قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) } [طه: 124 - 127] .

ومن فطرة الإنسان أن يتبع ما يهديه للحق، ويجلب له المصلحة، فمتى أبصر طريقًا أيقن أو ظن بأنها موصلة إلى مقصود لم يتركها إلى غيره، وقد أدرك السلف الصالح بأن من الفطرة أن يلزم المسلم شرع الله تعالى، ولا ينحرف عنه قيد أنملة، سواء أكان ذلك الانحراف بسبب الجهل أم بداعي التقصير، فمثلًا أداء الصلاة في وقتها من الفطرة السليمة، والعقيدة الإسلامية تقضي بأن توقيت العبادات من حقوق الله تعالى.

فجميع العبادات الزمانية والمكانية كلها لله عز وجل والتقيد بوقتها مظهر من مظاهر الفطرة. ويمكننا قياس ذلك على بقية الشرائع التي جاء بها الإسلام، كالحدود والمعاملات والمرافعات وغيرها، وهي تنفع الناس، والله يعلم ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.

ودليل ذلك نجده في قوله: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) } [الملك: 14] .

«فمن خلق الخلق وأتقنه وأحسنه، كيف لا يعلمه؟» 109.

إن الشيطان يلقي في القلوب من الوساوس والخواطر الفاسدة ما لا يعلم خطورتها إلا الله تعالى، والمؤمن الموقن هو من يدفع تلك الوساوس والوسائل (الشيطانية) ويصون قلبه أن يدخله شيء من تلك الوساوس والخواطر. وجهاد الشيطان مرتبتان: إحداهما: الجهاد من خلال دفع ما يلقى إلى العابد من الشبهات والريب القادحة بالإيمان، والثانية: الجهاد المتمثل في دفع ما يلقى إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات، فإن الجهاد الأول يكون بعده اليقين، والثاني يكون بعده الصبر 110.

وقال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) } [الأنبياء: 73] .

{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) } [السجدة: 24] .

ثانيًا: نماذج قرآنية في الاستقامة على الفطرة

1.التوحيد والاستقامة:.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) } [الأحقاف: 13] .

، «اعلم أنه تعالى لما قرر دلائل التوحيد والنبوة، وذكر شبهات المنكرين، وأجاب عنها، ذكر بعد ذلك طريقة المحقين والمحققين، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة في سورة السجدة، والفرق بين الموضعين أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة ينزلون ويقولون {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [فصلت: 30] .

وهاهنا رفع الواسطة من البين، وذكر أنه {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما أن الملائكة يبلغون إليهم هذه البشارة، وأن الحق سبحانه يسمعهم هذه البشارة أيضًا من غير واسطةٍ، واعلم أن هذه الآيات دالةٌ على أن من آمن بالله وعمل صالحا فإنهم بعد الحشر لا ينالهم خوفٌ ولا حزنٌ، ولهذا قال أهل التحقيق إنهم يوم القيامة آمنون من الأهوال» 111.

و « {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والاستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل، وثم للدلالة على تأخر رتبة العمل، وتوقف اعتباره على التوحيد. فلا خوفٌ عليهم من لحوق مكروه. ولا هم يحزنون على فوات محبوب، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14) } [الأحقاف:14] . من اكتساب الفضائل العلمية والعملية» 112.

2.الإيمان والعمل الصالح.

إن للإيمان والعمل الصالح أثر في الاستقامة على الفطرة في الخطاب القرآني؛ لذلك نجد اقترانهما في أغلب المواضع القرآنية.

قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) } [البقرة: 25] .

و «مناسبة الآية لما قبلها أن الله لما ذكر وعيد الكافرين المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم ذكر وعد المؤمنين به، فقال تعالى: {وَبَشِّرِ} الآية، و «البشارة» هي الإخبار بما يسر؛ وسميت بذلك لتغير بشرة المخاطب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا أخبر بما يسره استنار وجهه، وطابت نفسه، وانشرح صدره؛ وقد تستعمل «البشارة» في الإخبار بما يسوء، كقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] .

إما تهكمًا بهم؛ وإما لأنهم يحصل لهم من الإخبار بهذا ما تتغير به بشرتهم، وتسود به وجوههم، وتظلم، كقوله تعالى في عذابهم يوم القيامة: {ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) } [الدخان: 48 - 49] .

والخطاب في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ} إما للرسول صلى الله عليه وسلم؛ أو لكل من يتوجه إليه الخطاب. يعني بشر أيها النبي؛ أو بشر أيها المخاطب من اتصفوا بهذه الصفات بأن لهم جنات قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا} أي: بما يجب الإيمان به مما أخبر الله به، ورسوله.

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أصول الإيمان بأنها الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره؛ لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء مجرد التصديق بها؛ بل لا بد من قبول، وإذعان؛ وإلا لما صح الإيمان قوله تعالى: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي عملوا الأعمال الصالحات. وهي الصادرة عن محبة، وتعظيم لله - عز وجل المتضمنة للإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله؛ فما لا إخلاص فيه فهو فاسد» 113.

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) } [البقرة: 26] .

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) } [البقرة: 82] .

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) } [البقرة: 277] .

{وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) } [آل عمران: 57] .

3.الإيمان والابتعاد عن سبل الضلالة.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) } [المائدة: 105] .

«إن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيءٍ منه بل بقوا مصرين على جهلهم مجدين على جهالاتهم وضلالتهم، فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم، بل كونوا منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه، فلا يضركم ضلالتهم وجهالتهم.

فلهذا قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} قوله {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب» 114.

4.تلبية دعوة الله والرسول.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) } [الأنفال: 24] .

أن « {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} على هذا المعنى كان هذا جاريًا مجرى إيضاح الواضحات وأنه عبثٌ، فوجب حمله على فائدةٍ زائدةٍ، وهي الوجوب صونًا لهذا النص عن التعطيل، ويتأكد هذا بأن قوله تعالى بعد ذلك {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} جارٍ مجرى التهديد والوعيد، وذلك لا يليق إلا بالإيجاب» 115، و «المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية» 116.

5.اقامة الصلاة والإنفاق.

وقال تعالى: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31) } [إبراهيم: 31] .

«أي إن أهل مكة بدلوا نعمة الله بالكفر، فقل لمن آمن وحقق عبوديته أن {يُقِيمُوا الصَّلَاةَ} يعني الصلوات الخمس، أي قل لهم أقيموا، والأمر معه شرطٌ مقدرٌ، تقول: أطع الله يدخلك الجنة، أي إن أطعته يدخلك الجنة، هذا قول الفراء» 117.

و «يقول تعالى آمرا عباده بطاعته والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه بأن يقيموا الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب، والمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها، وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر أي في الخفية والعلانية وهي الجهر، وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم من قبل أن يأتي يومٌ وهو يوم القيامة لا بيعٌ فيه ولا خلالٌ أي ولا يقبل من أحدٍ فديةٌ بأن تباع نفسه» 118.

6.التقوى والقول السديد.

لقد قال تعالى في ذلك: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) } [الأحزاب: 70] «يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه، وأن يقولوا قولًا سديدًا أي مستقيمًا، لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم أي يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها، ثم قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:71] .

وذلك أنه يجار من نار الجحيم ويصير إلى النعيم المقيم» 119.

و « {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} في ارتكاب ما يكرهه فضلًا عما يؤذي رسوله. {وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} قاصدًا إلى الحق من سد يسد سدادًا، والمراد النهي عن ضده كحديث زينب من غير قصد {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} يوفقكم للأعمال الصالحة، أو يصلحها بالقبول والإثابة عليها. {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} ويجعلها مكفرة باستقامتكم في القول والعمل. ومن يطع الله ورسوله في الأوامر والنواهي. فقد فاز فوزًا عظيمًا يعيش في الدنيا حميدًا وفي الآخرة سعيدا» 120.

ثالثًا: أثر الاستقامة على الفطرة:

إن التربية الإسلامية تسعى إلى تحقيق غاية عظمى، تتمثل في استقامة النفس الإنسانية على نهج الإيمان الواضح الصحيح الذي لا تشوبه شائبة؛ وذلك أمر لا يمكن تحقيقه إلا بممارسة شرائع الإسلام وإتباع تعاليمه، والانقياد لأوامره، والابتعاد عن نواهيه؛ فالاستقامة إذن مرحلة ثانية بعد الإيمان؛ لأنها أثر من آثاره، ونتيجة من نتائجه، فهي بمثابة التربية النقية الضابطة لكل متعلقات فطرة الله سبحانه وتعالى تؤدي في المحصلة النهائية إلى تطهير القلب والنية لترسم السلوك الإنساني.

فطهارة الخارج تدعو أولًا إلى طهارة الداخل، وطهارة الإنسان الفرد مدعاة لطهارة المجتمع عمومًا؛ لأنه صورة مصغرة لهذا المجتمع، فالاستقامة على الفطرة تبني إنسانًا مثاليًا كما أراده الله، وبخلافه نجد إنسانًا تعلوه المعاصي وأوهام الدنيا وزينتها الخداعة؛ لأنها زائلة ومتاعها غرور.

قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [آل عمران: 14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت