فهرس الكتاب

الصفحة 2321 من 2431

إن من أسباب إهدار الكفار لأوقاتهم وعدم مبالاتهم بها هو جهلهم بقيمة هذه الحياة، وأنها دار ممر لا دار مقر، دار عمل وجدٍ ليوم الحساب لا دار لهو ولعب، ولذلك جاء بعد تلك الآيات قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) } [المؤمنون:115] .

«أي: تعاظم وارتفع عن هذا الظن الباطل، الذي يرجع إلى القدح في حكمته» 81.

ويوضح الفرق بين وعي أهل الإيمان والعلم حول خطورة الوقت، وبين غيرهم، هذا المشهد القرآني الذي جاء في قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) } [الروم:55 - 57] .

فبين تعالى أن أهل الكفر والإجرام في حقه إذا حشروا يوم القيامة فإنهم يستقلون وقت مكثهم في الدنيا، حتى كأنه قدر ساعة عندهم 82.

وأما أهل الإيمان والعلم فيعلمون أنهم مكثوا في ذلك أعمارهم التي كتب الله لهم، إلى أن بعثهم الله ليوم الحساب، ولذلك ينكرون على أهل الكفر مقالتهم، ويبينون لهم أن سببها جهلهم بقيمة أعمارهم، وعدم إيمانهم بيوم الحساب.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «يخبر الله تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأصنام، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضًا، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة واحدة، ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم» 83.

وهكذا يظهر في هذا الموقف العصيب جهل أهل الكفر بحقائق الأمور، وهو جهل ناتج عن كفرهم بما جاءت به الرسل عليهم السلام من الإيمان بالبعث، حتى صار ذلك اعتقادًا راسخًا في قلوبهم، كما قال تعالى في الآية: {وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} أي: «وقوعه في الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن» 84، فالاستدراك في الآية استدراك على ما تضمنته جملة {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ} 85.

وهكذا تظهر خطورة الجهل بقيمة الوقت في تضييعه وعدم الانتفاع به، فأهل الكفر والطغيان لم يعلموا قيمة حياتهم في هذه الدنيا فضيعوها هباءً منثورًا.

ثالثًا: ضعف الإرادة والعزيمة:

من أهم أسباب استغلال الوقت والانتفاع به وجود الإرادة القوية والعزيمة الصادقة، وبدونهما يضيع الوقت هباء منثورا، وكلما قويت إرادة العبد واشتدت عزيمته كلما استثمر أكبر قدر من الوقت، والعكس صحيح، فكلما ضعفت هذه الإرادة وقلت العزيمة كلما ضاعت الأوقات سدى.

وقد أشار الله تعالى إلى لزوم تحقق الإرادة في الانتفاع بالوقت.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) } [الفرقان:62] .

فأخبر تعالى أنه جعل الليل والنهار «متعاقبين يخلف أحدهما الآخر» 86، لمن يريد أن يتذكر بهما ويعتبر، ولما يحدثه تعاقبهما من النشاط والذكر، وإذهاب الملالة التي قد تصاحب العبادة إذا لم يتغير الزمان، فكلما تكررت الأوقات واختلفت تجدد في النفس النشاط والقوة على العبادة من جديد 87، وقد خص الله الانتفاع بذلك لمن كانت لديه إرادة قوية، وعزيمة صادقة، أو رغبة في شكر الخالق تعالى.

كما ذكر تعالى مثالًا عمليًا في إضاعة الوقت بسبب ضعف الإرادة أو عدم وجودها بالكلية، قال تعالى عن المتخلفين من المنافقين عن الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) } [التوبة:46] .

أي: لو كانوا صادقين فيما يدعونه -ويخبرونك به- من أنهم يريدون الجهاد معك، لما تركوا إعداد العدة، وتحصيلها قبل وقت الجهاد كما يستعد لذلك المؤمنون 88.

ولكنهم لم يريدوا الخروج إلى الغزو، وهذا تكذيب لزعمهم أنهم تهيؤوا للغزو ثم عرضت لهم الأعذار فاستأذنوا في القعود؛ لأن عدم إعدادهم العدة للجهاد دل على انتفاء إرادتهم الخروج إلى الغزو 89.

وهكذا أضاع هؤلاء المتخلفون فرصة الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضاء الوقت في ذلك العمل العظيم، بسبب عدم تحقق إرادتهم في ذلك.

كما ذكر تعالى أيضًا مثالا آخر لاستثمار الوقت والانتفاع به بسبب صحة الإرادة وقوتها، قال تعالى مخاطبا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52] .

وقوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) } [الكهف:28] .

فبين تعالى أنهم يريدون وجه الله ورضاه، فلذلك يدعونه ويستثمرون أوقاتهم صباحا ومساءً في الطاعات.

رابعًا: نسيان الآخرة:

من أهم معوقات استثمار الوقت نسيان الآخرة وما أعده الله تعالى فيها من النعيم المقيم لمن أطاعه والتزم أوامره، وما توعد به من العذاب الأليم الدائم لمن عصاه وخالف أوامره، فيترك العبد العمل لها، ويضيع أوقاته في الشهوات والملهيات، كما قال تعالى في وصف حال الكفار: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) } [الأعراف:51] .

فوصف الله تعالى حالهم في اتخاذهم الدين لهوا ولعبا، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها عما أمروا به من العمل للدار الآخرة، ثم أخبر تعالى بأن عقابهم يكون من جنس عملهم، فكما نسوا الآخرة وغفلوا عنها، فسيعاملهم معاملة من ينساهم، ويتركهم في العذاب 90.

وكما وصف الله تعالى حال أهل الغفلة من خلقه فقال: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء:1 - 3] .

فبين تعالى حالهم في لهوهم ولعبهم وإضاعتهم أوقاتهم بسبب غفلتهم عن حسابهم ونسيان آخرتهم، قال الإمام الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره: دنا حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم ونعمهم التي أنعمها عليهم فيها في أبدانهم، وأجسامهم، ومطاعمهم، ومشاربهم، وملابسهم وغير ذلك من نعمه عندهم، ومسألته إياهم ماذا عملوا فيها، وهل أطاعوه فيها، فانتهوا إلى أمره ونهيه في جميعها، أم عصوه فخالفوا أمره فيها؟

{وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} يقول: وهم في الدنيا عما الله فاعل بهم من ذلك يوم القيامة، وعن دنو محاسبته إياهم منهم، واقترابه لهم في سهو وغفلة، وقد أعرضوا عن ذلك، فتركوا الفكر فيه، والاستعداد له، والتأهب، جهلا منهم بما هم لاقوه عند ذلك من عظيم البلاء، وشديد الأهوال» 91.

وقال الحافظ ابن كثير: «هذا تنبيه من الله عز وجل، على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها، أي: لا يعملون لها، ولا يستعدون من أجلها» 92.

وقد أخبرنا المولى تعالى عن قصة صاحب الجنتين، الذي حمله الغرور بالدنيا وانغماسه في متاعها على الغفلة عن البعث ونسيانه، وبذلك استحق سخط الله وأليم عقابه.

قال تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) } [الكهف:35 - 36] .

والمعنى: «هذا الذي جعلنا له جنتين من أعناب {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} وهي بستانه {وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} وظلمه نفسه: كفره بالبعث، وشكه في قيام الساعة، ونسيانه المعاد إلى الله تعالى، فأوجب لها بذلك سخط الله وأليم عقابه، وقوله: {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} أي: قال لما عاين جنته، ورآها وما فيها من الأشجار والثمار والزروع والأنهار المطردة شكًا في المعاد إلى الله: ما أظن أن تبيد هذه الجنة أبدا، ولا تفنى ولا تخرب، وما أظن الساعة التي وعد الله خلقه الحشر فيها تقوم فتحدث، ثم تمنى أمنية أخرى على شك منه، فقال: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} فرجعت إليه، وهو غير موقن أنه راجع إليه {لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} يقول: لأجدن خيرًا من جنتي هذه عند الله إن رددت إليه مرجعا ومردًا» 93.

وقد بين الله تعالى بعض الملهيات التي تنسي الدار الآخرة والاستعداد لها.

قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) } [التكاثر:1 - 2] .

أي: «شغلتكم المباهاة والمفاخرة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم وما ينجيكم من سخطه» 94، «وقيل ألهاكم: أنساكم» 95.

قال الإمام ابن قيم الجوزية: «ولم يعين سبحانه المتكاثر به بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء لا المتكاثر به، كما يقال: شغلك اللعب واللهو. ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا من مال أو جاه أو عبيد أو إماء أو بناء أو غراس أو علم لا يبتغي به وجه الله أو عمل لا يقربه إلى الله فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة» 96.

وقال ابن كثير: يقول تعالى: شغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها؟! 97، وكما في قوله تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) } [الحجر:3] .

وقد تقدم الكلام عليه، وكما حذر تعالى عباده المؤمنين من ذلك كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) } [المنافقون:9] .

وهو في نهي المؤمنين عن التشبه بالمنافقين، أي: لا تشغلكم أموالكم التي تعتنون بجمعها وتحصيلها، ولا أولادكم الذين هم أشهى ثمرات حياتكم، لا يشغلكم ذلك عن أداء ما كلفكم سبحانه بأدائه من طاعات، وخص الأموال والأولاد بتوجه النهي عن الاشتغال بهما اشتغالًا يلهي عن ذكر الله، لأنهما أكثر الأشياء التي تلهي عن طاعة الله تعالى 98.

اعتنت الشريعة الإسلامية عناية كبيرة بالوقت، حيث ربطت بين العديد من التشريعات والوقت، كما حرصت على غرس مفهوم العناية بالوقت، وتثبيته في نفوس المؤمنين، وعلى تربيتهم على مراقبة الوقت وحفظه، وبذلك تثمر الشريعة الإسلامية والالتزام بها أجيالا صالحة على مر القرون حتى يرث الله الأرض ومن عليها، تتصف بأكبر قدر من المسؤولية والانضباط، ولا تعرف للكسل والبلادة والفوضى والعشوائية طريقا.

وفي النقاط الآتية سنذكر بعض الشواهد التي تدل على الارتباط الوثيق بين الوقت والكثير من التشريعات المختلفة في مجال العبادات، والكفارات، والمعاملات، وأحكام الأسرة، والآداب، والأذكار، والأدعية.

أولًا: العبادات:

ارتبطت العديد من العبادات بالوقت، وسيتحدث في هذا المطلب عن بعض العبادات التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالوقت.

1.الصلاة.

وهي من أعظم الأمور التي تضبط للمؤمن وقته وتنظمه، وقد افترض الله تعالى على المؤمن خمس صلوات في اليوم والليلة، تبدأ بصلاة الفجر، وفيه تعويد للمؤمن على الجد والنشاط، والاهتمام بوقت الصباح، وهو وقت مبارك، كما جاء في الحديث، عن صخر الغامدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم بارك لأمتي في بكورها) 99.

ثم تأتي صلاة الظهر ثم العصر في وسط اليوم ثم المغرب ثم العشاء في آخر اليوم.

قال تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ?17?وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ?18?) [الروم:17 - 18] .

ذهب جماعة من المفسرين إلى أن «المراد بالتسبيح في هذه الآية الصلاة، وأشار بقوله: (حِينَ تُمْسُونَ) إلى صلاة المغرب والعشاء، وبقوله: (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) إلى صلاة الصبح، وبقوله: (وَعَشِيًّا) إلى صلاة العصر، وبقوله: (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) إلى صلاة الظهر» 100.

وفي هذه الصلوات تنبيه للمؤمن في كل حين، وإيقاظ لحسه بالوقت وساعاته، ثم إن فيها تدريبًا له على الانضباط به، وذلك لأن هذه الصلوات لها أوقاتًا محددة مضبوطة لا يجوز تقديمها أو تأخيرها عنها، كما قال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) [النساء:103] .

أي: مفروضة في وقتها، لا تصح إلا به 101، وقال سبحانه: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى? وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة:238] .

وقال ناهيًا عن إضاعتها، ومتوعدًا من تهاون فيها: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ? فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم:59] .

وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ?4?الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ?5?) [الماعون:4 - 5] .

وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال:(الصلاة على وقتها) قال: ثم أيٌ؟ قال: (بر الوالدين) قال: ثم أيٌ؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) 102.

2.الزكاة.

قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ? فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ?60?) [التوبة:60] .

وقد بينت السنة وجوب الزكاة في المال الذي بلغ النصاب، وحال عليه الحول، وأنه ليس في مالٍ زكاةٌ حتى يحول عليه الحول.

عن عليٍ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا كانت لك مائتا درهمٍ، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيءٌ - يعني - في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول، ففيها نصف دينارٍ، فما زاد، فبحساب ذلك) 103.

أما الزروع فتخرج زكاتها وقت الحصاد قال تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ? وَلَا تُسْرِفُوا ? إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأنعام:141] .

قال السعدي رحمه الله: «أمرهم أن يعطوها يوم حصادها، وذلك لأن حصاد الزرع بمنزلة حولان الحول، لأنه الوقت الذي تتشوف إليه نفوس الفقراء، ويسهل حينئذ إخراجه على أهل الزرع، ويكون الأمر فيها ظاهرًا لمن أخرجها، حتى يتميز المخرج ممن لا يخرج» 104.

وهكذا يراقب المؤمن الوقت في زكاته، فإذا حان وقت الحصاد أدى زكاة زروعه، وإذا حال الحول على أمواله إذا كانت من أصناف الزكاة، دفع زكاته منها.

أما زكاة الفطر فقد ورد ذكرها في حديث عبدالله بن عمر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، على كل حرٍ أو عبدٍ ذكرٍ أو أنثى من المسلمين) 105.

وبينت السنة وقت زكاة الفطر، وأنها تؤدى قبل صلاة العيد كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة) 106.

3.الصيام.

وقد بين الله تعالى وقته الواجب من كل عام وهو شهر رمضان، فقال عز وجل: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى? وَالْفُرْقَانِ ? فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ? [البقرة:185] .

وبين النبي صلى الله عليه وسلم علامة بدء هذا الشهر المبارك بظهور الهلال، كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي 107 عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) 108.

كما بين تعالى وقت الصيام المحدد من كل يوم من أيام الشهر فقال سبحانه: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ? ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ?) [البقرة:187] .

أي: أباح تعالى للمؤمنين الأكل والشرب، في أي وقت من الليل إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل 109، وهو وقت أذان الفجر، فيمسك الصائم من أذان الفجر إلى وقت أذان المغرب، عند غروب الشمس، وهكذا يظل الصائم يراقب الوقت في إمساكه وإفطاره، وأيضًا فقد بينت السنة الأوقات المستحبة في الصيام، كصيام ستة أيام من شوال، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، ويومي الإثنين والخميس، وغير ذلك مما يستدعي مراقبة الوقت والسؤال عنه.

4.الحج.

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة:189] .

كما بين تعالى أن للحج أوقات معينة معلومة لا يؤدى الحج في غيرها، قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة:197] .

«وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، وقيل: كله» 110.

والاقتصار على الحج دون العمرة في الآيتين، لأن العمرة لا وقت لها في فعلها، فلهذا لم يذكرها في الآية 111.

وهكذا يظل المؤمن في متابعة لأشهر العام، هذا شهر الصيام وذاك شهر الحج، وهكذا.

ثانيًا: الكفارات:

ارتبطت العديد من الكفارات بالوقت، ومن هذه الكفارات التي ارتبطت بالوقت:

1.كفارة اليمين.

ومن اعتبار الوقت في الكفارات ما جاء في كفارة اليمين في قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَ?كِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ? فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ? ذَ?لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ? وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ?89?) [المائدة:89] .

فبين تعالى أن كفارة اليمين المنعقدة الموثقة بالقصد والنية إذا حنث صاحبها فيها تكون بإحدى ثلاثة أمور على التخيير بينها، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم من أوسط ما يطعم الحانث في يمينه أهله، والمراد بالوسط هنا: المتوسط بين طرفي الإسراف والتقتير، أو أن يعتق رقبة، ثم بين تعالى ما ينبغي فعله على الحانث الذي لم يجد شيئا من الأمور المذكورة، وأنه يصوم ثلاثة أيام، فيكون صيامه كفارة لحنثه في اليمين، وقد اختلف العلماء في صيام هذه الثلاثة أيام في كفارة اليمين، هل يكون متتابعًا أم متفرقًا، على قولين في ذلك 112، وكل ذلك مما يشهد لاعتبار الوقت في أمر الكفارات وانضباطها به.

2.كفارة القتل.

قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ? وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ? فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ? وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ?92?) [النساء:92] .

وقوله: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا هذان واجبان في قتل الخطأ:

أحدهما: الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم، وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ الكافرة.

وقوله: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ) هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل، عوضا لهم عما فاتهم من قريبهم.

وقوله: (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أي: فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب.

وقوله: (ٹفَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: إذا كان القتيل مؤمنا، ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير.

وقوله: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة، فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنا فدية كاملة، وكذا إن كان كافرًا أيضًا عند طائفة من العلماء. ويجب أيضًا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة.

(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أي: لا إفطار بينهما، بل يسرد صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير عذر، من مرض أو حيض أو نفاس، استأنف.

وقوله: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) أي: هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين 113.

3.كفارة الظهار.

قال تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) } [المجادلة:4] .

«عن ابن عباس، في قوله: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجادلة:3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت