فهرس الكتاب

الصفحة 773 من 2431

الدعاء

أولًا: المعنى اللغوي:

الدعاء: مصدر الفعل (دعا) ويقال: دعا الرجل دعوًا ودعاءً: ناداه، والاسم: الدعوة، ودعيت فلانًا صحت به واستدعيته، والدعوة المرة الواحدة، والدعاء واحد الأدعية.

والدعاء أن تميل الشيء إليك بصوتٍ وكلامٍ يكون منك، تقول: دعوت فلانًا أدعوه دعاءً، أي: ناديته، وطلبت إقباله، يقال: دعوت الله أدعوه دعاءً: ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما عنده من الخير، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان: طلب له الشر 1.

والحاصل: أن أصل الدعاء: النداء والطلب مطلقًا، مع ملاحظة استعلاء المنادى المطلوب منه.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

هو: سؤال العبد ربه حاجته.

قال القاضي أبو بكر بن العربي: حقيقة الدعاء: مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة، أو دفع مضرة من المضار 2.

وقال الخطابي في معنى الدعاء: «استدعاء العبد ربه عز وجل العناية، واستمداده إياه المعونة، وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله عز وجل، وإضافة الجود، والكرم إليه» 3.

العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:

المعنى اللغوي والاصطلاحي متوافقان؛ إذ كل منهما يدلان على النداء والطلب، إلا أن المعنى الاصطلاحي خص هذا النداء بأنه نداء من العبد للرب.

ورد الجذر (د ع و) في القرآن الكريم (207) مرات، يخص موضوع البحث منها (205) مرات 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 30 ... {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا} [فصلت:33]

الفعل المضارع ... 106 ... {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) } [الطور:28]

فعل الأمر (دعائي) ... 32 ... {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ} [النحل:125]

اسم فاعل ... 7 ... {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ} [طه:108]

اسم ... 20 ... {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) } [الرعد:14]

مصدر ... 10 ... {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} [الرعد:14]

ورد الدعاء في القرآن على خمسة أوجه 5:

الأول: القول: ومنه قوله تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} [يونس: 10] يعني: قولهم في الجنة.

الثاني: العبادة: ومنه قوله تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا} [الأنعام: 71] يعني: أنعبد من دون الله.

الثالث: النداء: ومنه قوله تعالى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) } [القمر: 10] يعني: فنادى ربه أني مغلوب.

الرابع: الاستعانة: ومنه قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} [غافر: 26] يعني: وليستعن بربه.

الخامس: السؤال: ومنه قوله تعالى: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [البقرة: 61] يعني: سل ربك.

الذكر:

الذكر لغة:

الذِّكْر: ما ذكرته بلسانك وأظهرته، والذُّكْر: ما ذكرته بقلبك 6.

الذكر اصطلاحًا:

قال الراغب الأصفهاني: «الذِّكْرُ: تارة يقال ويراد به هيئة للنّفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلّا أنّ الحفظ يقال اعتبارًا بإحرازه، والذِّكْرُ يقال اعتبارًا باستحضاره، وتارةً يقال لحضور الشيء القلب أو القول، ولذلك قيل: الذّكر ذكران: ذكر بالقلب، وذكر باللّسان. وكلّ واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ. وكلّ قول يقال له ذكر» 7.

وقال ابن علان: «أصل وضع الذكر هو ما تعبّدنا الشارع بلفظه مما يتعلق بتعظيم الحق والثناء عليه» 8.

الصلة بين الدعاء والذكر:

قال ابن القيم: «إن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه، متضمن للطلب منه والثناء عليه بأسمائه وأوصافه، فهو ذكر وزيادة، كما أن الذكر سمي دعاءً لتضمنه الطلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الدعاء الحمد لله) ، فسمى الحمد لله دعاء، وهو ثناء محض، لأن الحمد يتضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامد طالب لمحبوبه، فهو أحق أن يسمى داعيًا من السائل الطالب من ربه حاجةً ما» 9.

الاستغاثة:

الاستغاثة لغة:

مصدر استغاث، وهو مأخوذ من الغوث بمعنى: الإغاثة والنّصرة عند الشّدّة 10.

الاستغاثة اصطلاحًا:

طلب الغوث في الشدائد والأزمات 11.

الصلة بين الدعاء والاستغاثة:

الدعاء أعم من الاستغاثة؛ إذ الدعاء طلب لدفع الشر وجلب الخير، يعني: فيكون في الشدة وفي الرخاء، أما الاستغاثة فهي طلب لدفع الضر لا لجلب الخير، فلا تكون إلا في الشدة، فكل مستغيث داعٍ وليس العكس.

الاستعاذة:

الاستعاذة لغة:

مصدر استعاذ، وهي من مادة (ع وذ) التي تدلّ على الالتجاء إلى الشيء 12.

الاستعاذة اصطلاحًا:

هي: اللّجوء والاعتصام، وطلب كف الشرّ 13.

الصلة بين الدعاء والاستعاذة:

الدعاء طلب دفع ضرر أو جلب نفع، أما الاستعاذة فهي التحصن بالله واللجوء إليه.

الاستعانة:

الاستعانة لغة:

الاستعانة مصدر استعان، وهي: طلب العون، يقال: استعنته واستعنت به فأعانني 14.

الاستعانة اصطلاحًا:

لا يخرج عن المعنى اللغوي، فالاستعانة: طلب العون.

الصلة بين الدعاء والاستعانة:

الاستعانة طلب للعون، سواءً بالدعاء أو بغيره، والدعاء قد يكون طلبًا لدفع شر، أو جلب خير.

تعددت وتنوعت أساليب الدعاء في القرآن حثًّا عليه، وبيانًا لمنزلته، وهذا ما نستعرضه في النقاط الآتية:

أولًا: صور الدعاء وتراكيبه:

الناظر في الدعاء القرآني يجده قد جاء على أساليب شتى، تجمع بين الخبر والانشاء؛ مما نستعرضه فيما يأتي:

1.الدعاء بفعل الأمر.

كثر الدعاء بأسلوب الأمر (الطلب) حتى إنه جاء أكثر من مائتين وثلاثين مرة، ولم ترد في الدعاء من صيغ الأمر المعروفة سوى ثلاث صيغ:

صيغة (افعل) : وهو أكثر الصيغ ورودًا، كقوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 84 - 86] .

وفي دعاء المؤمنين {رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 109] .

وقولهم كذلك: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] .

وقد ورد في قوله تعالى تعليمًا لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمته: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80] .

صيغة (فعّل) : كقوله تعالى: {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193] .

صيغة (تفعّل) : نحو قوله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] .

2.الدعاء بالمصدر النائب عن فعل الأمر.

جاء ذلك في قوله تعالى: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] .

3.الدعاء بأسلوب النهي.

النهي هو «طلب الكف عن الفعل استعلاءً، وله صيغة واحدة وهي لا تفعل، وهو كالأمر في أنه قد يخرج عن معناه الأصلي إلى معانٍ بلاغية منها (الدعاء) وذلك إذا كان على وجه التذلل والخضوع لله عز وجل» 15.

وقد جاء الدعاء بأسلوب النهي نحو خمس عشرة مرة، من ذلك قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] .

وقوله أيضًا: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8] .

وقوله كذلك: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء: 89] .

وقوله: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} [الممتحنة: 5] .

وقد يبنى الدعاء على الأمر وحده؛ كقوله تعالى: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] .

وقد يبنى على النهي وحده، نحو قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] .

وقد يجمع بين الأمر والنهي في مثل قوله تعالى: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 194] .

وقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] .

وليس لذكرهما معًا قاعدة معينة في الترتيب، فقد يذكر الأمر أولًا، ثم يليه النهي، وذلك كالآية الأولى أو العكس، فيبدأ الدعاء بالنهي، ثم يتبعه الدعاء بالأمر.

وقد يكون الدعاء بهاتين الصيغتين متلوًّا بما يقويه ويؤكده؛ من ذلك قوله تعالى: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} فجملة: {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} جاءت تذييلًا مؤكدًا لمضمون الجملة قبله، ومثله قوله تعالى: {رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان: 65] .

وقوله كذلك: {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8] .

فجملتا {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} و {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} جاءتا تأكيدًا لما قبلها.

4.الدعاء بأسلوب الاستفهام.

جاء الدعاء بأسلوب الاستفهام في موضعين، والاستفهام في حقيقته يستعمل (لطلب حصول صورة الشيء في الذهن) وقيل: هو «طلب العلم بشيء لم يكن معلومًا من قبل» 16.

وقد يخرج الاستفهام عن معناه الأصلي إلى معانٍ بلاغية، تفهم من السياق، من بينها الدعاء 17؛ ومنه قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155] .

أي: لا تهلكنا «فهذا استفهام على سبيل الإدلاء بالحجة في صيغة استعطاف وتذلل» 18، ومثله قوله تعالى: {فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} [غافر: 11] أي: أخرجنا.

5.الدعاء بأسلوب الخبر.

جاء الدعاء بالأسلوب الخبري في تسع آيات؛ ولهذا الأسلوب مزية ذكرها الزركشي رحمه الله حين أشار أن في «لفظ الخبر الحاصل تحقيقًا لثبوته؛ وأنه مما ينبغي أن يكون واقعًا ولابد، وهذا هو المشهور» 19.

وأشار بعض البلاغيين إلى أن الخبر قد يقع موقع الإنشاء «إما للتفاؤل، أو لإظهار الحرص في وقوعه -والدعاء بصيغة الماضي من البليغ يحتمل الوجهين- أو للاحتراز عن صورة الأمر» 20.

ونجد أنّ الدعاء بأسلوب الخبر قد التزم الجملة الاسمية للتعبير عن حاجات الداعين ومطالبهم، كما في قوله تعالى: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .

فقوله عليه السلام: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ} يعدّ دعاءً، وإن لم يكن ذلك ظاهرًا «أي: وإن لم يكن بأسلوبي الدعاء المشهورين: الأمر والنهي» ، وإنما جاء بالأسلوب الخبري، والذي دلّ أنه دعاء قوله تعالى بعده: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88] .

وكذلك ما جاء في دعاء سيدنا أيوب عليه السلام: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] .

فهو عليه السلام لم يدع الله صراحة، بل عرض حاجته في أدب، وأطلقها على حياءٍ من الله، فعرّض وكنّى عن طلبه -رفع البلاء والضرّ عنه- بالخبر دون الإنشاء، جاءت الآية بعد قوله هذا، فدلّت على أن ما صدر منه هو دعاءٌ وتضرع.

قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 84] .

ثانيًا: تسمية الدعاء عبادة:

الدعاء هو حقيقة العبادة، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [لقمان: 30] .

وقال تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [لقمان: 32] .

وقال سبحانه: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16] .

والعبادة طلب الثواب بالأعمال الصالحة، كالنطق بالشهادتين، والعمل بمقتضاهما، والصلاة والصيام والزكاة والحج والذبح لله والنذر له، وبعض هذه العبادات تتضمن الدعاء بلسان المقال مع لسان الحال كالصلاة، فمن فعل هذه العبادات وغيرها من أنواع العبادات الفعلية، فقد دعا ربه، وطلبه بلسان الحال أن يغفر له.

والخلاصة أنه يتعبد لله طلبًا لثوابه وخوفًا من عقابه، وهذا النوع لا يصح لغير الله تعالى، ومن صرف شيئًا منه لغير الله فقد كفر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وعليه يقع قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] .

وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 - 163] 21.

جاء الدعاء بمعنى العبادة في قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] .

«أي: اعبدوني بدليل ما بعده (عبادتي) وكذلك قوله تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ} [غافر: 14] ، أي: (اعبدوا) » 22.

ومثله قوله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} [الفرقان: 77] ، أي: عبادتكم 23.

قال تعالى: {لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا} [الكهف: 14] ، أي: نعبد 24.

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قال: (الدّعاء هو العبادة) وقرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] 25.

قوله: (الدّعاء هو العبادة) : أتى بضمير الفصل والخبر المعرّف باللام ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء مبالغةً.

ومعناه أن الدعاء معظم العبادة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) 26، أي: معظم أركان الحج الوقوف بعرفة.

أو المعنى: أن الدعاء هو العبادة، سواءً استجيب أو لم يستجب؛ لأنه إظهار العبد العجز والاحتياج من نفسه والاعتراف بأن الله تعالى قادر على إجابته.

ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قيل: استدل بالآية على أن الدعاء عبادة؛ لأنه مأمور به، والمأمور به عبادة.

واستشهد بالآية لدلالتها على أن المقصود يترتب عليه ترتب الجزاء على الشرط، والمسبب على السبب، ويكون أتم العبادات، ويقرب من هذا قوله: (مخ العبادة) ، أي: خالصها {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} أي: عن دعائي {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} أي: صاغرين ذليلين.

قال الطيبي: «معنى حديث النعمان أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي؛ إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار والاستكانة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} حيث عبر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار، ووضع عبادتي موضع دعائي، وجعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار والهوان» 27.

قال تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 14] .

أي: ادعوا الله وحده، مخلصين له العبادة التي أمركم بها، ولا تلتفتوا إلى كراهة الكفار، ودعوهم يموتوا بغيظهم، ويهلكوا بحسرتهم 28.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [الأعراف: 197] .

أي: تعبدونهم أو تدعونهم من دونه عز وجل للاستعانة بهم، لا يستطيعون نصركم في أمر من الأمور 29.

وقال تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم: 48] .

أي: أعتزل ما تعبدون من دون الله، وأعبد ربي، عسى أن لا أشقى بدعائه وعبادته، كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام 30.

وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} [الأحقاف: 5] .

«أي: لا أحد أضل منه، ولا أجهل، فإنه دعا من لا يسمع فكيف يطمع في الإجابة فضلًا عن جلب نفع، أو دفع ضر؟ فتبين بهذا أنه أجهل الجاهلين، وأضل الضالين والاستفهام للتقريع والتوبيخ» 31.

والمتأمل في حقيقة الدعاء يجد فيه تذكيرًا بأصول العقيدة، وتجديدًا للوعي بها؛ قال ابن عقيل: «قد ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معان:

أحدها: الوجود، فإن ما ليس بموجود لا يدعى.

الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يدعى.

الثالث: السمع، فإن الأصم لا يدعى.

الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يدعى.

الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يدعى.

السادس: القدرة، فإن العاجز لا يدعى» 32.

ثالثًا: الوعد باستجابة دعاء الداعين:

من شروط قبول الدعاء الثقة بالله تعالى، واليقين بالإجابة 33: فهو سبحانه على كل شيء قدير؛ إذ يقول للشيء كن فيكون، قال سبحانه: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] .

وقال سبحانه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] .

ومما يزيد ثقة المسلم بربه تعالى أن يعلم أن جميع خزائن الخيرات والبركات عند الله تعالى، قال سبحانه: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر: 21] .

والله عز وجل رغب عباده في الدعاء، ووعدهم لبالغ رأفته ورحمته بهم وكرمه السابغ معهم بالإجابة.

قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] .

وقال عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت