فهرس الكتاب

الصفحة 1324 من 2431

{ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} يقول: فإن غضها من النظر عما لا يحل النظر إليه، وحفظ الفرج عن أن يظهر لأبصار الناظرين أو عن الإفضاء إلى ما لا يحل، أطهر لهم عند الله وأفضل {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} يقول: إن الله ذو خبرة بما تصنعون -أيها الناس- فيما أمركم به من غض أبصاركم عما أمركم بالغض عنه، وحفظ فروجكم عن إظهارها لمن نهاكم عن إظهارها له، أو عن ما لايحل لها 165.

فالأمر للمؤمنين بغض البصر فيه تزكية للنفوس، وتطهير للمجتمع من أدران الفاحشة، والتردي في بؤرة الفساد والتحلل الخلقي، وتجنيب للنفوس من أسباب الإغراء والغواية.

قال الإمام أبو زهرة: « {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} ذلك، وهو غض البصر، وحفظ الفروج، أطهر لكم، فيكون المجتمع طاهرًا نقيًا سليمًا، والبيوت طاهرة سليمة، وهم في ذات أنفسهم أطهار طيبون، ويكونون خيرًا في خير يظلهم الخير دائمًا، ويكونون في قبة من الفضيلة تظلهم، وتؤدي بهم جميعًا إلى جنة الآخرة، كما كانوا في ظلة من الفضيلة في الدنيا» 166.

لذلك فإن رسوله صلى الله عليه وسلم نهى عن النظر إلى الحرام وسماه زنا العين، ففي الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمني وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه) 167.

قال الشعراوي: « {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ... } [النور: 30] .

يعني: أطهر وأسلم وأدعى لراحة النفس؛ لأنه إما أن ينزع فيرتكب محرمًا، ويلج في أعراض الناس، وإما ألا ينزع فيكدر نفسه ويؤلمها بالصبر على ما لا تطيق. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30] .

فهو سبحانه خالق هذه النفس البشرية، وواضع مسألة الشهوة والغريزة الجنسية التي هي أقوى الغرائز ليربط بها بين الرجل والمرأة، وليحقق بها عملية النسل وبقاء الاستخلاف في الأرض، ولو لم تربط هذه العلاقة بالشهوة الملحة لزهد الكثيرون في الزواج وفي الإنجاب وما يترتب عليه من تبعات» 168.

وفي غض البصر عدة منافع:

منها: أنه امتثالٌ لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده.

ومنها: أنه يورث القلب أنسًا بالله وجمعيةً عليه.

ومنها: أنه يقوي القلب ويفرحه.

ومنها: أنه يكسب القلب نورًا.

ومنها: أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها.

ومنها: أن بين العين والقلب منفذًا وطريقًا يوجب انتقال أحدهما عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه، ويفسد بفساده، فإذا فسد القلب، فسد النظر، وإذا فسد النظر، فسد القلب، وكذلك في جانب الصلاح، فإذا خربت العين وفسدت، خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه، والأنس به والسرور بقربه فيه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك 169.

جملة القول: أن غض البصر فيه تزكية للنفس وتطهيرها من أوحال الرذيلة؛ ولذا قال تعالى بعد الأمر بغض البصر: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} ، كما أن في غض البصر استعلاء على النفس الأمارة بالسوء، وإغلاقًا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية، ودليلًا صادقًا على قوة العزيمة.

لقد اهتم القرآن الكريم اهتمامًا كبيرًا بتزكية النفس، ولا أدل على ذلك من أن القرآن قد جعل التزكية من وظائف الأنبياء، فضلًا عن كونه بين الكثير من الوسائل التي تعين الإنسان على التزكية بداية من الإيمان، مرورًا بالعبادات، وانتهاءً بالأخلاق -كما رأينا في ثنايا البحث-، وكنتيجة طبيعية لهذا الاهتمام والترغيب في سلوك طريق التزكية رتب القرآن الكريم على تزكية النفس جزاءً عظيمًا في الدنيا والآخرة. فبزكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان مستحقًا في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة 170.

ويمكننا بيان ذلك الجزاء في القرآن كما يلي:

أولًا: الفلاح والنجاح:

كما قرر ذلك قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى 14 - 15]

قال الإمام ابن كثير ما مضمونه: «يعني قد فاز وظفر من تطهر من دنس الشرك والمعاصي، وتعهد نفسه بالتزكية والتهذيب والتطهير من الرذائل والمفاسد والأخلاق الوضيعة، وتابع ما أنزل الله على رسوله، صلوات الله وسلامه عليه. وعمل بما أمره الله به، ونهاه الله عنه» 171.

ومن هذا تعلم أن تزكية النفس إنما تكون بالإيمان بالله ونفي الشركاء، والتصديق بكل ما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم مع صالح العمل والأخلاق الطيبة 172.

وقد قال الله: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات 40 - 41] .

قال القاسمي: « {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} أي: تذكر جلال ربه وعظمته، فخشع وأشفق وقام بما له وعليه» 173.

قال صاحب الظلال: «يقرر أن هذا الذي تطهر وذكر اسم ربه، فاستحضر في قلبه جلاله: {فَصَلَّى} .. إما بمعنى خشع وقنت. وإما بمعنى الصلاة الاصطلاحي، فكلاهما يمكن أن ينشأ من التذكر واستحضار جلال الله في القلب، والشعور بمهابته في الضمير .. هذا الذي تطهر وذكر وصلى {قَدْ أَفْلَحَ} يقينًا. أفلح في دنياه، فعاش موصولًا، حي القلب، شاعرًا بحلاوة الذكر وإيناسه، وأفلح في أخراه، فنجا من النار الكبرى، وفاز بالنعيم والرضى» 174.

وعبر سبحانه بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ} ليجمع في هذا التعبير البليغ، كل معاني الخير والنفع؛ لأن الفلاح معناه: وصول المرء إلى ما يطمح إليه من فوز ونفع. وجاء التعبير بالماضي المسبوق بقد للدلالة على تحقيق هذا الفلاح بفضل الله تعالى ورحمته.

وقد اشتملت هاتان الآيتان على الطهارة من العقائد الباطلة والمعاصي والذنوب وسوء الأخلاق {تَزَكَّى} وعلى استحضار معرفة الله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} وعلى أداء التكاليف الشرعية التي على رأسها الصلاة فصلى. وهذه المعاني هي التي أوصلت صاحبها إلى الفلاح الذي ليس بعده فلاح 175.

وقد أكد ذلك مرة أخرى: فقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس 9 - 10]

{وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} أي: دسسها، أي: أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى، حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله عز وجل 176. وأصل فعل دسى: دسس، فلما اجتمع ثلاث سينات، قلبت الثالثة ياء، يقال: دس فلان الشيء إذا أخفاه وكتمه.

قال ابن القيم: «فالطاعة والبر: تكبر النفس وتعزها وتعليها، حتى تصير أشرف شيء وأكبره، وأزكاه وأعلاه، ومع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى. وبهذا الذل لله حصل لها العز والشرف والنمو، فما صغر النفس مثل معصية الله، وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله» 177.

قال العلامة البقاعي عند تفسيره لتلك الآية: «قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ} أي ظفر بجميع المرادات {مَنْ زَكَّاهَا} أي: نماها وأصلحها وصفاها تصفية عظيمة بما يسره الله له من العلوم النافعة والأعمال الصالحة، وطهرها على ما يسره لمجانبته من مذام الأخلاق؛ لأن كلًا ميسٌر لما خلق له، والدين بني على التحلية والتخلية و (زكى) صالح للمعنيين، {وَقَدْ خَابَ} أي: حرم مراده مما أعد لغيره في الدار الآخرة وخسر، وكان سعيه باطلًا {مَنْ دَسَّاهَا} أي: أغواها إغواء عظيمًا، وأفسدها، ودنس محياها وقذرها وحقرها وأهلكها بخبائث الاعتقاد ومساوئ الأعمال، وقبائح النيات والأحوال، وأخفاها بالجهالة والفسوق، والجلافة والعقوق .. » 178.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها) 179.

ثم قال: «فالتزكية أن يحرص الإنسان على شمسه أن لا تكسف، وقمره أن لا يخسف، ونهاره أن لا يتكدر، وليله ألا يطفى، والتدسيس أقله إهمال الأمر حتى تكسف شمسه، ويخسف قمره، ويتكدر نهاره، ويدوم ليله، وطرق ذلك اعتبار نظائر المذكورات من الروحانيات وإعطاء كل ذي حق حقه، فنظير الشمس هي النبوة؛ لأنها كلها ضياء باهر وصفاء قاهر، وضحاها الرسالة، وقمرها الولاية، والنهار هو العرفان، والليل عدم طمأنينة النفس بذكر الله وما جاء من عنده، وإعراضها عن الانقياد لقبول ما جاء من النبوة أو الولاية، والعلماء العاملون هم أولياء الله، ونظير السماء العزة والترفع عن الشهوات، وعن خطوات الشياطين من الإنس والجن، والأرض نظيرها التواضع لحق الله ولرسوله وللمؤمنين، فيكون بإخراجه المنافع لهم كالأرض المخرجة لنباتها، والتدسية خلاف ذلك، من عمل بالسوء» 180.

ثانيًا: الدخول في الجنة ونيل نعيمها:

ويقرر ذلك تعالى في قوله: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه 74 - 76]

قال الإمام ابن كثير: «الظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وعظ به السحرة لفرعون، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد» 181.

والمجرم: فاعل الجريمة، وهي المعصية والفعل الخبيث. والمجرم في اصطلاح القرآن هو الكافر، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} [المطففين: 29] 182.

والهاء في {إِنَّهُ} ضمير الشأن، أى: حال وشأن {مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ} يوم القيامة في حال كونه {مُجْرِمًا} أى: مرتكبًا لجريمة الكفر والشرك بالله تعالى {فَإِنَّ لَهُ} أي: لهذا المجرم {جَهَنَّمَ} يعذب فيها عذابًا شديدًا، من مظاهره: أنه لا يموت فيها فيستريح، ولا يحيى حياة فيها راحة 183.

قال ابن عطية: «هذا مختص بالكافر؛ فإنه معذب عذابًا ينتهي به إلى الموت، ثم لا يجهز عليه فيستريح، بل يعاد جلده ويجدد عذابه، فهو لا يحيى حياة هنية، وأما من يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي فهم قبل أن تخرجهم الشفاعة في غمرة، قد قاربوا الموت، إلا أنهم لا يجهز عليهم ولا يجدد عذابهم فهذا فرق ما بينهم وبين الكفار» 184.

وقوله: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا} أي: ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب، قد صدق ضميره بقوله وعمله، {قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ} أي: الطاعات وما أمر به ونهي عنه {فَأُولَئِكَ} إشارة إلى (من) ، وفي التعبير بـ {فَأُولَئِكَ} معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم وبعد منزلتهم، أي: فأولئك المؤمنون العاملون للأعمال الصالحات -وما أمر به ونهي عنه- لهم بسبب إيمانهم وعملهم ذلك {الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} أي: الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات 185.

قال الإمام الطبري: «ثم بين تلك الدرجات العلى ما هي، فقال: هن {جَنَّاتُ عَدْنٍ} يعني: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاد لها ولا فناء {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا} يقول: تجري من تحت غرفها وسررها وأشجارها {الْأَنْهَارُ} من الخمر والعسل واللبن والماء {خَالِدِينَ فِيهَا} يقول: ماكثين فيها إلى غير غاية محدودة؛ فالجنات من قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} مرفوعة بالرد على الدرجات. أي: بدل من {الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} .

وهذه الدرجات العلى -التي هي جنات عدن على ما وصف جل جلاله- ثواب من طهر نفسه من الدنس والخبث والذنوب، فعبد الله وحده لا شريك له، وصدق المرسلين فيما جاءوا به من خبر وطلب. فأطاع الله فيما أمره، ولم يدنس نفسه بمعصيته فيما نهاه عنه. وهذا معنى قوله: {وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} » 186.

قال الشيخ الشعراوي: «فمعنى: {وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} أي: تطهر من المعاصي، ثم نمى نفسه، ومعنى التنمية هنا: ارتقاءات المؤمن في درجات الوصول للحق، فهو مؤمن بداية، لكن يزيد إيمانه وينمو ويرتقي يومًا بعد يوم، وكلما ازداد إيمانه ازداد قربه من ربه، وازدادت فيوضات الله عليه. والطهارة للأشياء سابقة على تنميتها؛ لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

إذن: زكى نفسه: طهرها أولًا: ثم ينميها ثانيًا، كمن يريد التجارة، فعليه أولًا: أن يأتي برأس المال الطاهر من حلال ثم ينميه، لكن لا تأتي برأس المال مدنسًا ثم تنميه بما فيه من دنسٍ. وكلما نمى الإنسان إيمانه ارتقى في درجاته، فكانت له الدرجات العلا في الآخرة» 187.

ثالثًا: النجاة من النار:

ويبين ذلك قوله: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [الليل 14 - 18] .

في هذه الآيات يبين لنا القرآن صفات صنفين من الناس: صنف من الذين يكون مصيرهم النار، وصنف من الذين يكون مصيرهم الابتعاد عنها، كما يبين أعمال كلٍ منهم التي قادته إلى مصيره.

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: {فَأَنْذَرْتُكُمْ} أيها الناس {نَارًا} تتوهج، وهي نار جهنم، يعني: احذروا أن تعصوا ربكم في الدنيا، وتكفروا به، فتصلونها في الآخرة» 188.

قال السمرقندي: «قوله عز وجل: {لَا يَصْلَاهَا} يعني: لا يدخل في النار -فيصلى بسعيرها- {إِلَّا الْأَشْقَى} يعني: الذي ختم له بالشقاوة {الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} يعني: كذب بالتوحيد، وتولى عن الإيمان، وعن طاعة الله تعالى، وأخذ في طاعة الشيطان» 189.

ثم يبين الحق سبحانه وتعالى صفات عباده الذين سيبتعدون عن النار، وينجون منها فقال: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} أي: وسيبتعد عن هذه النار المتأججة الأتقى، وهو من بالغ في صيانة نفسه عن كل ما يغضب الله تعالى، وحرص كل الحرص على فعل ما يرضيه عز وجل، فالمراد بالأشقى والأتقى: الشديد الشقاء، والشديد التقوى، والتعبير بقوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا} يشعر بابتعاده عنها ابتعادًا تامًا، بحيث تكون النار في جانب، وهذا الأتقى في جانب آخر 190.

فصفات الإنسان المبالغ في تقواه وطاعته لربه أنه {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} أي: هذا الإنسان الشديد التقوى من صفاته أنه يقدم ماله لغيره، وينفقه في وجوه البر والطاعة، رجاء أن يكون عند ربه زاكيًا ناميًا، خاليًا من شبهة الرياء والتفاخر وأملًا في أن يتطهر به من الذنوب. فقوله: {يَتَزَكَّى} في محل نصب على الحال من فاعل {يُؤْتِي} أي: يؤتى ماله حال كونه لا يطلب من وراء ذلك إلا تزكية ماله، وتطهير نفسه. وفائدة الحال التنبيه على أنه يؤتي ماله لقصد النفع والزيادة من الثواب تعريضًا بالمشركين الذي يؤتون المال للفخر والرياء والمفاسد والفجور 191.

قال القاسمي: «وفي حصر {الْأَتْقَى} بالمنفق، على الشريطة المذكورة، عناية عظيمة به، وترغيب شديد في اللحاق به، كيف لا؟ وبالمال قوام الأعمال، ورفع مباني الرشاد وهدم صروح الفساد» 192.

قال ابن كثير: «وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} [الليل 17 - 19] .

ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صديقًا، تقيًا، كريمًا، جوادًا، بذالًا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله ... » 193.

موضوعات ذات صلة:

التربية، الدعوة، الزكاة، العفة

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 18.

2 المفردات، الراغب الأصفهانى 1/ 381.

3 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 4/ 190.

4 المصباح المنير، الفيومي 1/ 254.

5 منهج الإسلام في تزكية النفس، د أحمد كرزون 1/ 5.

6 مفهوم التزكية وتطبيقاتها في التربية الإسلامية، نايف الشريف ص 219.

7 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص 331.

8 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/ 37.

9 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 5/ 488.

10 انظر: مادتي ربا و رب في مقاييس اللغة 2/ 381 - 484، المصباح المنير، الفيومي 1/ 217، 214.

11 انظر: المعجم الفلسفي، جميل صليبا ص 266، جوانب التربية الإسلامية الأساسية، مقداد يالجن، ص 22، التربية الوالدية في مرحلة الطفولة المبكرة، محمد القزاز ص 141.

12 انظر: المباديء التربوية في القرآن الكريم، ئاراس محمد صالح، ص 4.

13 انظر: نظرية التربية الإسلامية للفرد والمجتمع، محمد الغزالي، ص 10.

14 المصباح المنير، الفيومي 2/ 379، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 568.

15 انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 17/ 109.

16 مقاييس اللغة، ابن فارس 6/ 45.

17 انظر: تاج العروس، الزبيدي 4/ 386.

18 مختار الصحاح، الرازي ص 104.

19 لسان العرب 6/ 82.

20 المصباح المنير، الفيومي ص. 194.

21 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 277.

22 معالم التنزيل 8/ 439.

23 أساس البلاغة، 1/ 286.

24 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 65، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 5/ 246، الجواهر الحسان، الثعالبي 2/ 247.

25 غرائب القرآن، النيسابوري 2/ 425.

26 انظر: الوسيط، طنطاوي 3/ 179.

27 جامع البيان، 8/ 455.

28 إرشاد العقل السليم، أبو السعود 2/ 188.

29 انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي 2/ 247، فتح القدير، الشوكاني 1/ 551.

30 مفاتيح الغيب، 10/ 100.

31 إرشاد العقل السليم، أبو السعود 2/ 188.

32 انظر: مراح لبيد، الجاوي 1/ 201.

33 تفسير المراغي، 5/ 61.

34 نظم الدرر، البقاعي 2/ 266.

35 التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 3/ 813

36 إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 2/ 188.

37 التحرير والتنوير، ابن عاشور 5/ 85.

38 انظر: تفسير الشعراوي 4/ 2311.

39 أضواء البيان 5/ 485.

40 الوسيط، طنطاوي 1/ 3061.

41 جامع البيان، الطبري 19/ 135.

42 البحر المديد 4/ 23.

43 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 6/ 419.

44 انظر: معالم التنزيل، البغوي 7/ 413.

45 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 17/ 110، الدر المنثور، السيوطي 7/ 658.

46 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 4/ 190، البحر المحيط، أبو حيان 10/ 19، لباب التأويل، الخازن 4/ 212.

47 الجواهر الحسان، الثعالبي 5/ 329. إرشاد العقل السليم، أبو السعود 8/ 162.

48 البحر المديد، ابن عجيبة 5/ 511.

49 الكشاف، 4/ 426.

50 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسنٍ، وتغيير اسم برة إلى زينب وجويرية. رقم 2142.

51 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 5/ 246.

52 الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب الأصفهاني ص 197.

53 الجواهر الحسان، الثعالبي 5/ 329.

54 نزول الرحمة في التحدث بالنعمة، السيوطي ص 23.

55 المصدر السابق ص 32 - 33.

56 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 396.

57 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/ 217.

58 جامع البيان، الطبري 19/ 565.

59 الكشاف 3/ 405.

60 مدارك التنزيل، النسفي 2/ 639.

61 مفتاح دار السعادة، ابن القيم 1/ 139

62 انظر: البداية والنهاية، ابن كثير 5/ 269.

63 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب رقم 16، 5/ 611، رقم 3667.

64 نزول الرحمة، السيوطي ص 32، 33.

65 الكشاف، الزمخشري 4/ 769.

66 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 10/ 3444، تفسير القرآن، السمعاني 6/ 246، الدر المنثور، السيوطي 8/ 545.

67 الكشاف، الزمخشري 4/ 769.

68 انظر: حاشية الشهاب 8/ 372.

69 انظر: الروح، ص 230، 274.

70 الأذكار، 1/ 278.

71 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق رقم 2278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت