فهرس الكتاب

الصفحة 2103 من 2431

وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) 39.

قال ابن بطال في شرحه لهذا الحديث: «كل شيء يفعله المرء أو يقوله من الخير، يكتب له به صدقة. والمعروف: اسم كل فعلٍ يعرف حسنه بالشرع والعقل معًا. وفيه إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس منه. بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة 40.

ولحسن الخلق شأن عظيم في الإسلام، فقد عد الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب الخلق الحسن من أكمل المؤمنين إيمانًا.

وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بأكملكم إيمانا؟ أحاسنكم أخلاقًا، الموطؤون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون) 41 والموطئون: من التوطئة، وهي التمهيد والتذليل. والأكناف: الجوانب. يعني الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم ولا يتأذى، وهم الهينون اللينون، الذين يحسنون المعاملة 42.

أما عن أدلة حصول المداراة ومشروعيتها في الاسلام؛ فهو ما روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بخصوص الرجل الشرير الأحمق، الذي استأذن على الرسول صلى الله عليه وسلم فنعته بقوله: (بئس أخو العشيرة) فلما دخل تلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم بطلاقة الوجه والانبساط ثم ألان له الكلام.

فعن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته: (أنه أستأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنوا له بئس أخو العشيرة. أو ابن العشيرة. فلما دخل ألان له الكلام. قلت يا رسول الله: قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام. قال:(أي عائشة. إن شر الناس من تركه الناس، أو ودعه الناس، اتقاء فحشه) 43.

يقول ابن حجر عند شرحه للحديث: «هذا الحديث أصل في المداراة» وعلى هذا الرأي الهيثمي والسخاوي وجمهرة كبيرة من علماء الحديث 44.

وقال أيضًا: «اختلف العلماء في الرجل الذي استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فمنهم من جزم بأنه عيينة بن حصن الفزاري، ولم يكن أسلم حينئذ، وإن كان قد أظهر الإسلام. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين حاله ليعرفه الناس، ولا يغتر به من لم يعرف حاله، وكان منه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ما دل على ضعف إيمانه. وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ارتد مع من ارتد وجيء به أسيرًا إلى أبي بكر رضي الله عنه. قال ابن بطال: وكان يقال له الأحمق المطاع ورجا النبي صلى الله عليه وسلم بإقباله عليه تألفه ليسلم قومه لأنه كان رئيسهم» ومنهم من جزم بأنه مخرمة وقصره عليه، ومنهم من حمل الحديث على التعدد 45.

وعلى كلٍ، فإن الحديث يدل على جواز إلانة القول لمن كان هذا حاله، تآلفًا له للدخول في الإسلام، أو ليحسن إسلامه، أو ليسلم قومه، أو لأي أمرٍ يعود بالمصلحة على الأمة الإسلامية.

ومن يقرأ هذا الحديث الذي اعتبره ابن حجر وغيره أصلًا في المداراة، قد يتوهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم حاشاه - قد وقع في غيبة الرجل عندما ذمه بذكر ما يكره لو سمعه صراحة من الرسول صلى الله عليه وسلم أو أنه داهنه عندما هش له وبش، وانبسط له، وألان الكلام معه. فإذا ما وقفنا على الحكم استحضرنا مسوغ فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بيان كيفية التعامل مع مثل هؤلاء. ويضاف إلى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان طيب الكلام، فلم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا سبابًا ولا لعانًا، وكان ينهى عن الغيبة والتملق والمداهنة والنفاق.

«وليس في قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمته بالأمور التي يسميهم بها، ويضيفها إليهم من المكروه غيبة. وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض. بل الواجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبين ذلك ويفصح به، ويعرف الناس أمره فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة. فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلم أمته اتقاء شر من هذا سبيله، ومداراته ليسلموا من شره وغائلته وذلك بأن يظهروا لهم البشاشة، وأن لا يجبهوهم بها» 46.

إذن ففعله صلى الله عليه وسلم كان استلطافًا وتطييبًا لخاطر ذلك المنافق الشرير ليتمكن من إيمانه، وينجذب بذلك إلى الإسلام وينجذب قومه معه بالإضافة إلى تعريف الناس بحاله ليتقوه.

ما رواه عدي بن حاتم رضي الله عنه عن إكرام الرسول صلى الله عليه وسلم له كما أكرم أخته قبل إسلامه بعد عودته إلى المدينة المنورة. وكان قد فر منها إلى الشام بعد انتصار المسلمين. قال عدي رضي الله عنه: (ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بي بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفًا فقذفها إلي، فقال: اجلس على هذه. قال: قلت بل أنت فاجلس عليها، فقال: بل أنت. فجلست عليها وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض. قال: فقلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك) 47.

وتذكر السيرة النبوية أنه دخل في الإسلام، وكان له الأثر الواضح في الدعوة والجهاد.

ولاشك أن الاحترام الظاهري، والتعامل الحسن مع من لا يستحقه - كحال عدي قبل إسلامه - إذا كان لمصلحة شرعية تعود بالنفع على الإسلام وأهله من زيادة عدد المسلمين أو دفع الأذى والضرر عنهم وغير ذلك جائز استنادًا إلى فعله صلى الله عليه وسلم.

ولهذا عندما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) } [النساء: 86] .

قال: «من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيًا» 48.

ومن المداهنة المشروعة: التقية.

وقد ذهب جمهور علماء أهل السنة إلى أن الأصل في التقية هو الحظر، وجوازها ضرورة، فتباح بقدر الضرورة.

قال القرطبي: والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم، ولم ينقل ما يخالف ذلك فيما نعلم إلا ما روي عن معاذ بن جبل من الصحابة، ومجاهد من التابعين، وإنما ذهب الجمهور إلى ذلك لأن الله تعالى نص عليها في كتابه بقوله: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) } [آل عمران: 28] .

قال ابن عباس في تفسيرها: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار، أو يتخذوهم وليجةً من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللطف ويخالفونهم في الدين 49.

ومن الأدلة على مشروعية التقية للضرورة قول الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) } [النحل: 106] .

وسبب نزول الآية: (أن المشركين أخذوا عمارًا فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، فتركوه. فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك؟ قال: شر، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان. قال: إن عادوا فعد، فنزلت: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} ) 50.

ومن الأدلة على جواز التقية للضرورة ما أخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن: (أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. نعم. نعم. قال أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة وأن محمدًا رسول قريش، ثم دعا بالآخر، فقال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم. قالها ثلاثًا، كل ذلك يجيبه بمثل الأول. فضرب عنقه. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما ذلك فقد مضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضله، فهنيئًا له. وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه) 51.

وقال الحسن: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة. وقد نسب القرطبي إنكار التقية إلى معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين فأما اليوم فقد أعز الله أهل الإسلام أن يتقوا عدوهم» 52.

ونقل السرخسي عن قوم لم يسمهم أنهم كانوا يأبون التقية، ويقولون: هي من النفاق 53.

قال السرخسي: إن هذا النوع - يعني النطق بكلمة الكفر تقية - يجوز لغير الرسل. فأما في حق المرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - فما كان يجوز ذلك فيما يرجع إلى أصل الدعوة إلى الدين الحق، وتجويز ذلك محال - أي ممنوع شرعا - لأنه يؤدي إلى أن لا يقطع القول بما هو شريعة، لاحتمال أن يكون فعل ذلك أو قاله تقية 54.

وهو يشير بذلك إلى ما يبينه أهل الأصول من أن حجية السنة النبوية متوقفة على كون كل ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم حقًا، إذ لو تطرق إلى أقواله أو أفعاله احتمال أنه فعل أو قال أشياء من ذلك على سبيل التقية وهي حرام، لكان ذلك تلبيسًا في الدين، ولما حصلت الثقة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله.

وكذلك السكوت منه صلى الله عليه وسلم على ما يراه ويسمعه من أصحابه إقرار تستفاد منه الأحكام الشرعية، فلو كان بعض سكوته يكون تقية لالتبست الأحكام على المسلمين.

وقد قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) } [الأحزاب: 39] .

وقال: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) } [المائدة: 67] .

قال القرطبي: دلت الآية على رد قول من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من أمر الدين تقية، وعلى بطلانه وهم الرافضة 55.

وفي فواتح الرحموت: ما من نبي إلا بعث بين أعدائه، فلعله - أي: في حال افتراض عمله بالتقية - كتم شيئًا من الوحي خوفًا منهم، وكذا محمد صلى الله عليه وسلم بعث بين أعدائه، ولم يكن له ولأصحابه قدرةٌ لدفعهم فيلزم على تجويز التقية له احتمال كتمانه شيئًا من الوحي، وأن لا ثقة بالقرآن. فانظر إلى شناعة هذا القول وحماقته على أن امتناع التقية على الأنبياء لا يعني عدم عملهم بالملاطفة واللين والمداراة للناس كما تقدم، أي: من دون إخلال بفريضة أو ارتكاب لمحرم 56.

وتقدمت الأدلة على جواز العمل بالتقية. وقد اختلف في حكمها.

فقيل: إذا وجد سببها وتحقق شرطها فهي واجبة، لأن إنقاذ النفس من الهلكة أو الإيذاء العظيم ونحو ذلك لا يحصل إلا بها في تقدير المكلف لقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) } [النساء: 29] .

والصحيح عند العلماء أن الأولى للإنسان أن يثبت على ما هو عليه من الحق بظاهره، كما هو عليه بباطنه. وقد يكون الثبات أفضل وأعظم أجرًا ومثوبةً ولو كان العذر قائمًا، وثبت هذا بالأدلة الصحيحة في الكتاب والسنة، فمن الكتاب ما في سورة البروج، فقد حكى الله تعالى قصة الذين صبروا على عذاب الحريق في الأخدود، واختاروا ذلك على أن يظهروا الرجوع عن دينهم. وثناء الله تعالى عليهم بذلك الثبات يدل على تفضيل موقفهم على موقف العمل بالتقية في قضية إظهار الكفر. ومنها قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) } [العنكبوت: 2] .

ومما يستدل به على ذلك من السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشرك بالله شيئًا وإن قتلت وحرقت) 57.

وكذلك ما تقدم في مسألة مسيلمة، فقد عذر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الذي وافق مسيلمة وقال فيه: (لا تبعة عليه) وقال في حق الذي ثبت فقتل: (مضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضله، فهنيئا له) وهذا يدل على التفضيل. واحتج السرخسي أيضا بقصة «خبيب بن عدي لما امتنع من موافقة قريش على الكفر حتى قتلوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو: «أفضل الشهداء» وقال: (هو رفيقي في الجنة) 58.

وقد بوب البخاري رحمه الله لهذه المسألة بابًا بعنوان «باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر» أورد فيه حديث خباب بن الأرت أنه قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على مفرق رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه ثم قال صلى الله عليه وسلم والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) 59. وهو واضح الدلالة على المقصود. وهكذا كل أمر فيه إعزاز للدين وإعلاء لكلمة الله وإظهار لثبات المسلمين وبسالتهم، وتثبيت لعامة المسلمين على الحق، يكون الثبات على الحق وإظهاره أولى من التقية، وهذا بخلاف نحو الإكراه على شرب الخمر وأكل الميتة وحيث لا تظهر المصالح المذكورة 60.

ثانيًا: المداهنة المحرمة:

سبق وأن ذكرنا أن المداهنة تقترب كثيرًا من النفاق، وربما كانت كفرًا إذا كانت المداهنة لصاحب الكفر كما في قوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) } [القلم:9] .. قال ابن عباس: «ودوا لو تكفر فيكفرون» 61.

فالمداهنة خلقٌ قذرٌ، لا ينحط فيه إلا من خف في العلم وزنه، أو من نشأ نشأة صغارٍ ومهانةٍ. وتكمن خطورة هذا الخلق في أنه يتعارض تماما مع أهم المبادئ الإسلامية، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذا فإن الدعوات السماوية والوضعية قد جعلت جوهر أهدافها الإصلاح، والإصلاح هو لب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالقرآن الكريم قد ركز في أغلب سوره على الإصلاح، وقد ظهر واضحًا من خلال تأكيد القرآن الذي أوصى الإنسان بأخيه الإنسان، فحرم الكذب والخيانة والغش والاعتداء بكل صوره المادية والمعنوية، وهذه المبادئ وغيرها تشترك في منع أيٍ منا من أن يساعد على الظلم والفساد، فيما تدفعه للتعاون في جميع أنواع البر ومنه الإصلاح. وأدلة تحريم المداهنة كثيرةٌ.

قال تعالى: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) } [الواقعة: 81] .

وقال تعالى {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) } [القلم: 9] .

وقال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) } [هود: 113] .

حكى القرطبي في تفسيرها أن معناها: «لا تودوهم ولا تطيعوهم ولا تميلوا إليهم. والركون هنا: الإدهان وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم ثم قال: وهذا هو الصحيح في معنى الآية، وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية، إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة، فإن كانت الصحبة عن ضرورةٍ وتقية فقد مضى القول فيها في «آل عمران» و «المائدة» . وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي في حال الاضطرار. والله أعلم» 62.

وقال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) } [المائدة: 49] .

قال الرازي في تفسيرها: «قال ابن عباس: يريد به يردوك إلى أهوائهم، فإن كل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن، ومنه قوله: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) } [الإسراء: 73] .

والفتنة ههنا في كلامهم التي تميل عن الحق وتلقي في الباطل وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «أعوذ بك من فتنة المحيا» . قال: هو أن يعدل عن الطريق، قال أهل العلم: هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائزان على الرسول، لأن الله تعالى قال: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} والتعمد في مثل هذا غير جائز على الرسول، فلم يبق إلا الخطأ والنسيان» 63.

وقال تعالى: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) } [الأحزاب: 48] .

وإذا ثبتت حرمة المداهنة لما تقدم فلا ينبغي للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لأمته في كل عصرٍ ومصرٍ أن يطيعوا الكافرين ولا المنافقين إذا أشاروا عليهم بالمداهنة والترخص أو التنازل بدعوى المصلحة، ولا يأبهوا بأي أذىً متوقع ويعتمدوا على الله في ذلك كله، فهو وحده الوكيل وكفى بالله وكيلًا.

قال الشوكاني: ثم نهاه سبحانه عن طاعة أعداء الدين فقال: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} أي: لا تطعهم فيما يشيرون عليك به من المداهنة في الدين وفي الآية تعريض لغيره من أمته لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن طاعتهم في شيء مما يريدونه ويشيرون به عليه 64.

قال صاحب الظلال: قوله تعالى: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) } [الأحزاب: 48] .

«توجيه النبي صلى الله عليه وسلم ألا يحفل بأذى الكافرين والمنافقين، ولا يتقيه بطاعتهم في شيء أو الاعتماد عليهم في شيء، فالله وحده هو الوكيل، وكفى بالله وكيلًا 65.

وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) } [الأنعام: 68] .

قال القرطبي في تفسيرها: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والرد والاستهزاء فأعرض عنهم والخطاب مجرد للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه. وهو صحيح، فإن العلة سماع الخوض في آيات الله، وذلك يشملهم وإياه. فأدب الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، لأنه كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم ويدعوهم فيستهزئون بالقرآن، فأمره الله أن يعرض عنهم إعراض منكر. ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرًا وعلم أنه لا يقبل منه فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه 66.

وقال تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) } [الممتحنة:9] .

يقول ابن عاشور في تفسيرها: «فذلكة لما تقدم وحصر لحكم الآية المتقدمة. وهي تؤذن بانتهاء الغرض المسوق له الكلام من أوله. والقصر المستفاد من جملة {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ} إلى آخرها قصر قلب لرد اعتقاد من ظن أو شك في جواز صلة المشركين على الإطلاق. والذين تحققت فيهم هذه الصفات يوم نزول الآية هم مشركو أهل مكة، و {أَنْ تَوَلَّوْهُمْ} بدل اشتمال من {الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ} {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ} شرط وجيء في جواب الشرط باسم الإشارة لتمييز المشار إليهم زيادة في إيضاح الحكم. والمظاهرة: المعاونة. وذلك لأن أهل مكة فريقان منهم من يأتي بالأسباب التي لا يحتمل المسلمون معها البقاء بمكة، ومنهم من يعين على ذلك ويغري عليه. والقصر المستفاد من قوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} قصر ادعائي، أي: أن ظلمهم لشدته ووقوعه بعد النهي الشديد والتنبيه على الأخطاء والعصيان ظلم لا يغفر لأنه اعتداء على حقوق الله وحقوق المسلمين وعلى حق الظالم نفسه» 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت