يقول العلامة السعدي: «أمرهم تعالى بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنته التي عرضها السماوات والأرض، فكيف بطولها، التي أعدها الله للمتقين، فهم أهلها وأعمال التقوى هي الموصلة إليها، ثم وصف المتقين وأعمالهم، فقال: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) [آل عمران:134] .
أي: في حال عسرهم ويسرهم، إن أيسروا أكثروا من النفقة، وإن أعسروا لم يحتقروا من المعروف شيئًا ولو قل» 77.
ومظاهر الواقعية في القرآن الكريم كثيرة، منها: اليسر والتيسير، ورفع الحرج، وتحريم الخبائث، وغيرها من الأمور 78.
خامسًا: الوسطية:
التربية القرآنية تربية متوازنة، حيث يتميز الإسلام بالوسطية، قال الله تعالى: (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ?) [البقرة:143] .
«فالتربية الإسلامية توازن بين الأشياء، وتميل إلى أن تكون هناك نقطة توازن بين جوانب الحياة المختلفة، فهي توازن مثلًا بين النظرية والتطبيق في التربية، وبين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، كما توازن بين الحياة المادية والحياة الروحية.
قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ? وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ?) [القصص:77] » 79.
فالقرآن الكريم لا يرضى للمسلم أن يهمل الحياة الدنيا بحجة العمل للأخرى.
قال العلامة الطاهر بن عاشور في تفسير الآية: «اطلب بكنوزك أسباب حصول الثواب بالإنفاق منها في سبيل الله وما أوجبه ورغب فيه من القربان ووجوه البر ولا تنس نصيبك من الدنيا» 80.
ما أجمل قول سيد قطب حين يقول: «وفي هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم، المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة. ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة، بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفا، كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها» 81.
أولًا: المحافظة على الفطرة من الانحراف:
قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ? فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ? لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم:30] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) 82.
وفي معنى الفطرة ذكر العلماء عدة أقوال، منها:
موقف التربية من الفطرة:
من معاني الفطرة الإسلام، وهو يحتاج إلى تنمية ورعاية ومعرفة بأحكام الشريعة. فوظيفة التربية تجاه الفطرة هي تنمية هذه المعارف وتبصيره بأحكام الشريعة، حتى تبقى الفطرة نقية بيضاء.
ومن معانيها السلامة من العيوب، والتربية يبقي الطفل سليمًا من الإنحراف.
واستخلص سيد قطب من الآية الكريمة (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم:30] .
أن القرآن يربط بين فطرة النفس البشرية وبين طبيعة الإسلام، وأن الله الذي خلق القلب البشري هو الذي أنزل عليه هذا الدين، ليحكمه ويصرفه ويطب له من المرض ويقومه من الإنحراف، وهو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير. والفطرة ثابتة والدين ثابت (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) فإذا انحرفت النفوس عن الفطرة لم بردها إليها إلا هذا الدين المتناسق مع فطرة البشر وفطرة الوجود 84.
ثانيًا: تربية العقل على التدبر والتفكر:
في مطلب التربية العقلية من هذا البحث ذكرنا اهتمام القرآن الكريم بالعقل وأهم الوسائل التي يتبعها للارتقاء بالعقل البشري.
فقد شرف الله تعالى العقل بأن خاطبه وجعله مناط التكليف، وحثه على البحث والنظر والتفكير والتدبر، ووجه انتباهه إلى خلق السماوات والأرض وما فيهما من نجوم وأفلاك وبحار وأنهار وما فيهما من عجائب المخلوقات، وسنن الكون وأنظمة الوجود.
قال تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ?101?) [يونس:101] .
يقول أبو حيان الأندلسي في تفسيره لهذه الآية: «أمر تعالى بالفكر فيما أودعه تعالى في السموات والأرض؛ إذ السبيل إلى معرفته تعالى هو بالتفكر في مصنوعاته، ففي العالم العلوي في حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها والكواكب، وما يختص بذلك من المنافع والفوائد، وفي العالم السفلي في أحوال العناصر والمعادن والنبات والحيوان، وخصوصًا حال الإنسان. وكثيرًا ما ذكر الله تعالى في كتابه الحض على الفكر في مخلوقاته تعالى وقال: ماذا في السموات والأرض تنبيهًا على القاعدة الكلية، والعاقل يتنبه لتفاصيلها وأقسامها» 85.
فالعقل هو السبيل الذي يوصلنا إلى وجود الله تعالى وإلى قدرته تعالى.
وقد ذم الله تعالى الذين لا يتفكرون بقوله تعالى: (وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [يوسف:105] .
يقول أبو حيان: «إنهم لفرط كفرهم يمرون على الآيات التي تكون سببًا للإيمان ولا تؤثر فيهم، وأن تلك الآيات هي في العالم العلوي وفي العالم السفلي» 86. ويشير القرطبي إلى القراءات الواردة في الآية، «وقرأ عكرمة وعمروبن فائد (والأرض) رفعًا ابتداء، وخبره (يَمُرُّونَ عَلَيْهَا) وقرأ السدي (والأرض) نصبًا بإضمار فعل، والوقف على هاتين القراءتين على: السماوات وقرأ ابن مسعود: (يمشون عليها) » 87.
تهدف التربية القرآنية إلى ترقية عقل الإنسان من خلال تأهيله للإيمان بالله كما تؤهله للبحث عن حقائق الأشياء ومعرفة مكانه من هذا الكون، وترتفع به لإدراك الحق.
ومن الأدلة على أن الهدف من التربية القرآنية تربية العقل:
ما ورد في القرآن الكريم من آيات تعلي من شأن العقلاء حين مدحت أولي الألباب، قال تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى? جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَ?ذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ?191?) [آل عمران:191] .
إن آيات القرآن تحمل بشدة على الذين لا يرتقون بعقولهم وتفكيرهم، بل يبقون في مراتب هابطة من التفكير، وقد وصفهم الله تعالى بالأنعام.
إن الإيمان بالله ينبع من احترام العقل وحب العلم وتحري الحقيقة: فالله سبحانه أعطى الإنسان أكبر منحة وأكبر ميزة ألا وهي العقل. بالعقل يصبح الإنسان إنسانًا 88.
وقد زخرت الآيات القرآنية ببيان إعمال العقل في التفكير، لتعليمنا الدقة وكيفة الاستنتاج والاستدلال والاستنباط، وهذه العمليات العقلية معنية بتربية العقل والذهن، فالقرآن يربي الإنسان على إعمال عقله في التفكير في مخلوقات الله عزوجل، وذلك ليعلمه الدقة وكيفية الاستدلال والاستنتاج، وهذا هو المعني في تربية العقل والذهن ومطالبته بالتدبر والتفكير والاستنتاج القياسي والاستقرار.
قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى? قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد:24] .
وقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الزخرف:3] .
«والقرآن يربي الفكر على عدم قبول شيء بغير حجة أو برهان أو علم.
قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ?8?ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ? وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ?9?) [الحج:8 - 9] » 89.
ثالثًا: إعداد الإنسان الصالح:
تهدف التربية القرآنية إلى إعداد الإنسان الصالح الفاضل ذي الخلق القويم والعزيمة القوية، القادر على التلاؤم مع حياة المجتمع الذي ينتمي إليه وممارسة دوره النافع فيه، وهو الذي يكون بحق خليفة الله في هذه الأرض؛ لذا ينبغي أن يكون هذا الإعداد شاملًا لجوانب حياته كافة الخاصة والعامة في الدنيا والاخرة.
يقول الله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ? وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ? وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص:77] 90.
وهذا الإنسان كرمه الله تعالى وفضله على غيره بقوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء:70]
وهذا الإنسان سخر الله له جميع الكائنات.
قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ?13?) [الجاثية:13] .
والإنسان المفضل على غيره من الكائنات، له دور مهم في الحياة، وإنه ذو فطرة خيرة.
وقد دعا القرآن الكريم إلى المحافظة على هذه الفطرة وتربيتها، وذلك من خلال: تنمية جسمه وبدنه، من خلال التربية البدنية، وتثقيف عقله وتسديد أفكاره من خلال التربية العقلية، وتوجيه مستمر لأعماله في الحياة، من خلال التربية الأخلاقية.
وقد حدد الله تعالى معيار الإنسان الصالح في سورة العصر، وجمعه في نقاط أربعة:
قال تعالى: (وَالْعَصْرِ ?1?إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ?2?إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ?3?) [العصر:1 - 3] .
المراد من القدوة كما يبينه إسماعيل حقي: «هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره؛ إن حسنًا، وإن قبيحًا، وإن سارًّا، وإن ضارًّا» 91.
فالقدوة من حيث هي متابعة من المقتدي للمقتدى به في فعله، ويرادفها في المعنى: الأسوة، والتقليد، والمحاكاة، والتشبه.
والقدوة هي أنجح الوسائل للتربية على الإطلاق وأجداها وأنفعها: لأن من السهل تأليف كتاب أو جملة من الكتب تضل حبرًا على الورق، ما لم يترجم إلى أفعال وتصرفات ومشاعر.
يقول الأديب المبدع مصطفى صادق الرافعي: «لو أقام الناس عشر سنين يتناظرون في معنى الفضائل ووضعوا في ذلك مائة كتاب ثم رأوا رجلًا فاضلًا وخالطوه وصاحبوه لكان الرجل وحده أكبر فائدة من كل المناظرة وأدل على الفضيلة من ألف كتاب. ولهذا أرسل الله رسولًا مع كل كتاب» 92.
والقرآن الكريم أبدى اهتمامًا بالقدوة الحسنة مبينًا تأثيرها في الإيمان، وأمر المسلمين بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ?21?) [الأحزاب:21] .
قال البيضاوي: «قد كان لكم في رسول اللّه أسوةٌ حسنةٌ خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد، أو هو في نفسه قدوة يحسن التأسي به كقولك في البيضة عشرون منًّا حديدًا، أي: هي في نفسها هذا القدر من الحديد، وقرأ عاصم بضم الهمزة، وهو لغة فيه» 93.
ويتجلى هذا الأسلوب في القرآن الكريم بإبراز النماذج الحسنة في التأريخ لكي يقتدي بهم المؤمنون، وكذلك تسليط الضوء على النماذج السيئة من أفراد وجماعات للتحذير منهم ومن أفعالهم.
وهذه القدوة ليست محصورة في زمن النبوة، بل هي باقية ما بقيت السماوات والأرض، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107] .
«إن شخصية الرسول هي القدوة الحسنة الدائمة المتجددة على مر الأجيال والعصور. تظل حيويتها دافعة شاخصة ولا تتحول إلى خيال مجرد. حقًّا كان رسول الله بشحصيته وشمائله وسلوكه وتعامله مع الناس ترجمة عملية بشرية حية لحقائق القرآن وتعاليمه وأدابه وتشريعاته، ولما فيه من أسس تربوية إسلامية وأساليب تربوية قرآنية» 94.
ثانيًا: الحوار:
الحوار هو مبادلة الكلام بين شخصين أو أكثر في صورة سؤال وجواب أو غيره، دون وجود دليل على خصومة بينهما.
وهناك مصطلحات قريبة من معنى الحوار مثل: الجدل والجدال والمجادلة. وفي معنى هذه المصطلحات.
يقول النووي: «الجدل والجدال والمجادلة مقابلة الحجة بالحجة، وتكون بحق وباطل، وأصله الخصومة الشديدة، ويسمى جدلًا؛ لأن كل واحد يحكم خصومته وحجته إحكامًا بليغًا على قدر طاقته تشبها بجدل الحبل، وهو إحكام فتله» 95.
ولكن يبدو أن هناك فروقًا بين هذه المصطلحات، فالجدال يفيد معنى الصراع، لكن الحوار تتسع للصراع ولغيره 96.
الحوار أوسع مدلولًا من الجدال الذي يفيد معنى الصراع بينما تتسع كلمة الحوار للصراع ولغيره مما يراد منه إيضاح الفكرة. فحيثما وجد الجدال وجد الحوار، وليس كلما وجد الحوار وجد الجدال، لأن الجدال ومعه المحاجة يعطيان الحوار قوة العناد للفكرة والإصرار عليها.
وقد وردت مادة حوار في ثلاثة مواضع:
قال تعالى: (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ?34?) [الكهف:34] .
قال تعالى: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) [الكهف:37] .
والحوار هنا وما قبله، يدور بين صاحبين: أحدهما: غني طاغ، والآخر: فقير صابر مؤمن.
قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ? إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ?1?) [المجادلة:1] .
يقول شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي حول تفسير هذه الآية: «وقوله- سبحانه-: (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) جملة حالية، والتحاور: مراجعة الكلام من الجانبين. يقال: حاور فلان فلانا في الكلام إذا راجعه فيما يقوله، أي: والحال أن اللّه تعالى يسمع ما يدور بينك- أيها الرسول الكريم- وبين تلك المرأة، من مراجعة في الكلام، ومن أخذ ورد في شأن قضيتها، والمقصود بذلك: بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور، والتنويه بأهميته، وأنه تعالى قد تكرم وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية. وعبر- سبحانه- بصيغة المضارع، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور، واستحضار صورته في ذهن السامع، ليزداد عظةً واعتبارًا» 97.
والقرآن الكريم استخدم في آياته ولأغراض تربوية عدة أسلوب الحوار والجدال، منها: تنبيه الغافل أو إرشاد لمسترشد، أو إفحام لمعاند.
وفي القرآن الكريم كثير من نماذج الحوار في قصص الأنبياء مع أقوامهم، وقصص الأقوام السابقين، والحوار بين الله سبحانه وإبليس، والحوار مع الملائكة حول خلق آدم والسجود له، وكل ذلك يدلنا على أهمية الحوار واستخدامه في الحياة.
ثالثًا: القصص:
اهتم القرآن الكريم بالقصة، ونظرًا للأثر الكبير للقصة على أفهام سامعيها، وكونها وسيلة ناجحة وتربوية، وللميل الفطري للقصة لما لها من تأثير كبير، وذكرها بأساليب متنوعة مستخدمًا كل أنواعها.
يقول محمد قطب: «يدرك الاسلام الميل الفطري إلى القصة ويدرك ما لها من تأثير ساحر على القلوب فيستغلها لتكون وسيلة من وسائل التربية والتقويم .. وهو يستخدم كل أنواع القصة» 98.
وكون القرآن الكريم كتاب هداية، فقد استخدم أسلوب القصة لهداية الناس وتحذيرهم وتنبيههم من الغفلة ومن مخاطر الدنيا وويلاتها ومصائبها. وأغلب القصص القرآنية من حوادث الغيب المتعلق بالماضي، والمؤمن عليه الإيمان بالغيب. فالقصة تربينا على الإيمان بها. قال تعالى معلقًا على قصة كفالة زكريا لمريم: (ذَ?لِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ? وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [آل عمران:44] .
قال الرازي: «كان معلومًا عندهم علمًا يقينيًّا أنه ليس من أهل السماع والقراءة، وكانوا منكرين للوحي، فلم يبق إلا المشاهدة، وهي وإن كانت في غاية الاستبعاد إلا أنها نفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع ولا قراءة، ونظيره (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى? مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ(44 ) ) [القصص:44] .
(وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَ?كِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [القصص:46] .
(ذَ?لِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ? وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ(102 ) ) [يوسف:102] .
(تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ? مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَ?ذَا ? فَاصْبِرْ ? إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) [هود:49] » 99.
وقد أبرز القرآن الكريم أهمية القصص الإيجابية، وتأثيرها النفسي والأخلاقي في التربية وتهذيب النفس البشرية.
قال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَ?ذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ?3?) [يوسف:3] .
فقد سمى الله سبحانه قصة يوسف بأحسن القصص لما اشتملت عليه من مواعظ ودروس وعبر في كيفية التعامل الأب مع الأولاد، ومواجهة النفس والشيطان وغيره من العبر.
يقول السعدي: « (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) وذلك لصدقها وسلاسة عبارتها ورونق معانيها، (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَ?ذَا الْقُرْآنَ) أي: بما اشتمل عليه هذا القرآن الذي أوحيناه إليك، وفضلناك به على سائر الأنبياء، وذاك محض منة من الله وإحسان» 100.
والقرآن مليء بالقصص الهادفة كقصة يوسف ونوح وإبراهيم وأصحاب الكهف ومريم وغيرها. وقد ركزت القصة في القرآن الكريم على الجوانب الروحية والخلقية التي تعمل على تزكية الروح والنفس، وترقية الوجدان وترسيخ الفضائل، وهي تهدف أيضا إلى تثبيت الفؤاد والتفكر والإعتبار 101.
يقول الشيخ محمد عبدة: «إن قصص الأنبياء والأمم الواردة في القرآن الكريم لم يقصد بها سرد الوقائع مرتبة حسب أزمنتها، وإنما المراد بها: الاعتبار والعظة ببيان النعم متصلة بأسبابها لتطلب لها وبيان النقم بعللها لتتقي من وجهتها، ومتى ما كان هذا هو الغرض من السياق، فالواجب أن يكون ترتيب الوقائع في الذكر على الوجه الذي يكون أبلغ في التربية وأدعى إلى التأثير» 102.
رابعًا: الترغيب والترهيب:
آيات الترغيب والترهيب في القرآن الكريم أكثر من أن تحصى.
فقد استخدم القرآن الكريم لكل عمل صالح ترغيبًا فيه بيان ثوابه، وعلى فعل كل سيئة ترهيبًا يتضمن بيان عقابه، سواء كان العقاب في الدنيا أو في الآخرة.
ففي الترغيب في العمل الصالح، قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ? وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى? إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ?160?ں) [الأنعام:160] .
ما أجمل قول سيد قطب في تفسير الآية حين يقول: «وبمناسبة الحساب والجزاء قرر الله سبحانه ما كتبه على نفسه من الرحمة في حساب عباده، فجعل لمن جاء بالحسنة وهو مؤمن- فليس مع الكفر من حسنة! - فله عشر أمثالها. ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها، لا يظلم ربك أحدًا ولا يبخسه حقه» 103.
وفي الترهيب من ترك الصلاة، قال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ?1?فَذَ?لِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ?2?وَلَا يَحُضُّ عَلَى? طَعَامِ الْمِسْكِينِ ?3?فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ?4?الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ?5?الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ?6?وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ?7?) [الماعون:1 - 7] .
قال سيد قطب: «إنه دعاء أو وعيد بالهلاك للمصلين (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) ، فمن هم هؤلاء الذين هم عن صلاتهم ساهون!
إنهم (?الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ?6?وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) .
إنهم أولئك الذين يصلون، ولكنهم لا يقيمون الصلاة.
الذين يؤدون حركات الصلاة، وينطقون بأدعيتها، ولكن قلوبهم لا تعيش معها، ولا تعيش بها، وأرواحهم لا تستحضر حقيقة الصلاة وحقيقة ما فيها من قراءات ودعوات وتسبيحات. إنهم يصلون رياء للناس لا إخلاصًا لله. ومن ثم هم ساهون عن صلاتهم وهم يؤدونها» 104.
خامسًا: ضرب الأمثال:
ضرب المثل من الأساليب التربوية الناجحة، فهو «يعتمد على تصوير المعاني وتحليلها بضرب الأمثلة والتشبيهات، وهذا الأسلوب له دور في التربية أبلغ أثرًا من مجرد التلقين المباشر، لأنه يثير عواطف المتلقي ويحرك مشاعره، ويجسد المعاني مما يجعله تسهل في الفهم وترسخ في الذهن» 105.
وقد أطلق علماء البلاغة على الأمثال بالمصطلح القرآني عبارة (التشبيه التمثيلي) .
يقول محمد أبو زهرة: «يعرف علماء البلاغة التشبيه التمثيلي بأنه جعل أحد الشيئين في مقام الشيء الآخر لأمر مشترك بينهما، والأمثال القرآنية باب من أبواب التشبيه التمثيلي، وقد جعلها الله من ينابيع الاستدلال في القرآن» 106.
الأغراض التربوية للأمثال في القرآن الكريم:
نزل القرآن الكريم بلغة العرب، ولكن ذكر مسائل صعبة الإدراك على الناس، فاحتاج إلى التوضيح لتقريب هذه المعاني إلى أذهان الناس. يقول الباحث يزيد الحمزاوي: «كانت أغلب الأمثال القرانية في العقائد والإيمانيات، أما المعاملات والسلوكيات فقد كثرت أمثالها في السنة النبوية، فالأمثال تلعب دورًا هامًّا في تحويل الغيبيات إلى مشاهد حاضرة أمام العيان، حتى لا يشرد الخيال بعيدًا في إدراك الحقائق كما هي» 107.
القرآن الكريم كتاب هداية للناس، عندما يريد استثارة التفكير للتأمل يستخدم لذلك الأمثال، «فالأمثال ساقها الله في القرآن للناس لتكشف الغامض أمامهم وتقنعهم بما يساق لهم من الدليل الواضح الناتج عن الموازنة الحسية، أو المعنوية الدقيقة التي لا تدع مجالًا للشك» 108.
ومن خلال التفكر في معنى المثل يصل الإنسان إلى معرفة الله بمعرفة آثاره الدالة عليه، فالعقلاء العالمون هم الذين يصلون ببصيرتهم إلى هذه المعرفة، عندئذ يخشونه حق خشيته ويتعظون بالحوادث والأمثال وينتفعون بما فيها من عبر وأحكام، قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ? وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ?43?ھ) [العنكبوت:43] .
ومن الأمثلة عليه قوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ? كَذَ?لِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:122] .
والنسيان من طبيعة الإنسان، والمثل يعمل على ترسيخ الأفكار في الذاكرة وصعوبة نسيانها. قال تعالى: (? مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى? وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ? هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ? أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(24 ) ) [هود:24] .
المتأمل لآيات الترغيب والترهيب يجد في بعضها ضربًا للأمثال، وذلك لكي يتأكد وقوعه في القلب.