فهرس الكتاب

الصفحة 616 من 2431

وقال جل وعلا: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} [البقرة: 136 - 137] .

وقال سبحانه: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} [آل عمران: 20] .

وقال يوسف عليه السلام: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] .

فحكم الله بأن من أسلم فقد اهتدى، ومن آمن فقد اهتدى، فسوى بينهما، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في موسى: (لو كان حيًّا ما وسعه إلا اتباعي) 31، ولأجل ذلك قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] 32.

قال سيد قطب: «أما ارتضاء الله الإسلام دينًا للذين آمنوا، يقف أمام رعاية الله سبحانه وعنايته بهذه الأمة، حتى ليختار لها دينها ويرتضيه، وهو تعبير يشي بحب الله لهذه الأمة ورضاه عنها، حتى ليختار لها منهج حياتها، وإن ارتضاء الله الإسلام دينًا لهذه الأمة ليقتضي منها ابتداء أن تدرك قيمة هذا الاختيار، ثم تحرص على الاستقامة على هذا الدين بقدر ما في الطاقة من وسع واقتدار، وإلا فما أنكد وما أحمق من يهمل -بله أن يرفض- ما رضيه الله له، ليختار لنفسه غير ما اختاره الله!، وإنها -إذن- لجريمة نكدة لا تذهب بغير جزاء، ولا يترك صاحبها يمضي ناجيًا أبدًا، وقد رفض ما ارتضاه له الله، ولقد يترك الله الذين لم يتخذوا الإسلام دينًا لهم، يرتكبون ما يرتكبون ويمهلهم إلى حين، فأما الذين عرفوا هذا الدين ثم تركوه أو رفضوه، واتخذوا لأنفسهم مناهج في الحياة غير المنهج الذي ارتضاه لهم الله، فلن يتركهم الله أبدًا ولن يمهلهم أبدًا، حتى يذوقوا وبال أمرهم وهم مستحقون!» 33.

ولقد انتبه لهذا الفضل العظيم بعض أتباع الملل الأخرى كاليهود.

(قال يهودي لعمر رضي الله عنه: آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا!! قال: وأي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] .

قال عمر: إني أعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة يوم الجمعة) 34.

بين القرآن الكريم رضا الله تعالى عن المؤمنين.

قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح: 18 - 19] .

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 7 - 8] .

فهي عامة في جميع المؤمنين الذين هذه صفاتهم، وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار في غير ما آية من كتابه، فقال سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100] .

يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، ورضاه عن المؤمنين من المهاجرين والأنصار الذين تركوا الديار والأموال والعشائر، وخرجوا حبًّا لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما كانوا فيه من شدة، حتى ذكر أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه؛ ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم، وسبب رضاه ما علمه عنهم من صدق الإيمان في قلوبهم، وطاعتهم لله ولرسوله، وأعمالهم الصالحة.

وكان سبب هذه البيعة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملإ من قريش، فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء، فظن أنه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان، بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يولوا في القتال ولا يهربوا.

وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] .

فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، والرضا من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافقه على موجبات الرضى، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدًا، و أيضًا فكل من أخبر الله أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح، فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له، فلو علم أنه يتعقب ذلك ما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك 35.

وقد جاء من حديث أم مبشر، أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عند حفصة: (لا يدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها) 36.

قال ابن كثير: «فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذًا بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن؛ إذ يسبون من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدعون، ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون» 37.

ذكر القرآن الكريم رضا الله تعالى عن الأعمال الصالحة، قال تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] .

وقال سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15] .

بين القرآن الكريم أن مطلب الأنبياء والصالحين الإعانة على العمل الصالح المرضي عند الله تعالى، {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} ؛ لأن العمل مهما كان حسنًا إذا لم يرضه الله لا يعد شيئًا، والمراد بكونه مرضيًّا له تعالى: أن يكون سالمًا من غوائل عدم القبول كالرياء والعجب وغيرهما، فحاصله: اجعل عملي على وفق رضاك، وقيل: المراد بالرضا هنا ثمرته على طريق الكناية، واعلم أن الشيء الذي يعتقد أن الإنسان فيه كونه صالحًا على قسمين:

أحدهما: الذي يكون صالحًا عنده ويكون صالحًا أيضًا عند الله تعالى.

والثاني: الذي يظنه صالحًا ولكنه لا يكون صالحًا عند الله تعالى.

فلما قسم الصالح في ظنه إلى هذين القسمين طلب من الله أن يوفقه؛ لأن يأتي بعمل صالح يكون صالحًا عند الله، ويكون مرضيًّا عند الله، {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} ، أي: تقبله، وهى الفرائض الخمس وغيرها من الطاعات والتنوين؛ للتفخيم والتنكير، وقال بعضهم: العمل الصالح المقرون بالرضى: بذل النفس لله والخروج مما سوى الله الى مشاهدة الله، وفيه إشارة إلى أنه لا يمكن للعبد أن يعمل عملًا يرضى به ربه إلا بتوفيقه وإرشاده، ومن العمل الصالح، إرسال هذه النعم في وجوه الخير والإحسان 38.

وقي الآيات إشارة إلى أن العمل المرضي الذي يحبه الله تعالى هو غاية ومطلب الإنسان الصالح السوي، وفيها دعوة لكل مؤمن أن يبادر بالأعمال الصالحة المرضية عند الله تعالى، فرضى الله هو الغاية التي يتطلع إليها، وهو وحده الرجاء الذي يأمل فيه.

بين القرآن الكريم أن الشفاعة لا تقع إلا بإذن الله لمن رضي عنه، وأن هؤلاء المأذون لهم بالشفاعة لا يشفعون إلا لمن كان الله تعالى راضيًا عنه بإيمانه وعمله الصالح.

قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28] .

وقال سبحانه: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26] .

أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه الله عز وجل، قال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك: « {إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} أي: لمن قال: لا إله إلا الله» ، وهذه الآية من أقوى الدلائل في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، وتقريره: هو أن من قال: لا إله إلا الله فقد ارتضاه تعالى في ذلك، ومتى صدق عليه أنه ارتضاه الله تعالى في ذلك فقد صدق عليه أنه ارتضاه الله؛ لأن المركب متى صدق فقد صدق لا محالة كل واحد من أجزائه، وإذا ثبت أن الله قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية، فثبت بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على ما قرره ابن عباس رضي الله عنهما 39.

وأجمع أهل السنة أن شفاعة الأنبياء والصالحين تقبل في العصاة من المؤمنين، خلافًا للمعتزلة الذين قالوا: إن الكبيرة تخلد صاحبها في النار، وأنكروا الشفاعة، وهم على ضربين؛ طائفة أنكرت الشفاعة إنكارًا كليًّا، وقالوا: لا تقبل شفاعة أحد في أحد، واستدلوا بظواهر الآيات، منها الآيات الدالة على عدم نفع الشفاعة، كقوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] .

وقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] .

وقوله جل وعلا: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] .

قالوا: والمعصية ظلم، ومنها قوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28] .

وصاحب الكبيرة ليس بمرتضى، ومنها قوله جل جلاله: {فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا} [غافر: 7] .

وخص تلك الظواهر أصحابنا بالكفار؛ لثبوت الأحاديث الصحيحة في الشفاعة، وطائفة أنكرت الشفاعة في أهل الكبائر، وقالوا: وإنما تقبل في الصغائر 40.

والظاهر أن الذي دعا المعتزلة إلى إنكار الشفاعة منافاتها لخلود صاحب الكبيرة في العذاب الذي هو مذهب جمهورهم الذين فسروا قول واصل بن عطاء بالمنزلة بين المنزلتين، بمعنى: إعطاء العاصي حكم المسلم في الدنيا وحكم الكافر في الآخرة، ولا شك أن الشفاعة تنافي هذا الأصل، فما تمسكوا به من الآيات إنما هو لقصد التأبيد ومقابلة أدلة أهل السنة أمثالها 41.

وتفيد الآية الترغيب والتحريض على طلب مرضاة الله عز وجل والاحتراز عن معاصيه 42.

بين القرآن الكريم رضا الله تعالى عن أهل الجنة، وأن الفوز بالرضوان أعلى وأعظم وأجل وأكبر مما هم فيه من النعيم.

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] .

وقال سبحانه: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8] .

وقوله جل وعلا: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 15] .

ونظيره قوله تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [الحاقة: 21] .

وقوله جلّ في علاه: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 28] .

بينت الآيات أخص صفات أهل الجنة، من الرحمة والرضوان، والخلود، والإقامة الدائمة في جنات عدن، إذ العدن: الإقامة الدائمة، ومنها المعدن؛ لدوام إقامته في مكانه، وقوله: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72] .

قال ابن عباس: «أكبر مما يوصف» ، وقال الزجاج: «أكبر مما هم فيه من النعيم» ، وقال الحسن بن أبي الحسن: «وصل إلى قلوبهم برضوان الله من اللذة والسرور ما هو ألذ عندهم وأقر لأعينهم من كل شيء أصابوه من لذة الجنة» ، وأتى به نكرة؛ ليدل على مطلق، أي: وشيء من رضوانه أكبر من كل ما ذكر؛ لأنّ رضاه هو سبب كل فوز وسعادة، ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب، ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعيم، وإنما تتهنأ له برضاه، كما إذا علم بسخطته تنغصت عليه ولم يجد لها لذة وإن عظمت، وإنما صار الرضوان أكبر من الثواب؛ لأنه لا يوجد شيء من الثواب إلا بالرضوان؛ إذ هو الموجب له 43.

وأما الرضوان فهو مصدر بمعنى: الرضا، مع ما في زيادة المبنى من المبالغة في المعنى فكأنه قال: ورضوان عظيم من الله لا يشوبه ولا يعقبه سخط: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] .

وفي هذا من تفضيل الرضوان على نعيم الجنات وما فيها ما لا غاية وراءه، وعطف رضوان من الله على ما أعد للذين اتقوا عند الله؛ لأن رضوانه أعظم من ذلك النعيم المادي؛ لأن رضوان الله تقريب روحاني، وأظهر اسم الجلالة في قوله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} ، دون أن يقول: ورضوان منه، أي: من ربهم؛ لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان 44.

وثبت (أن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أُحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا) 45.

ثانيًا: الرضا المنفي:

بيّن تعالى أنه لا يرضى لعباده الكفر، قال سبحانه: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] .

فالكفر والشرك لا يرضاه الله سبحانه وتعالى، بل إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لمحاربة الكفر والشرك والقضاء عليهما.

قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] .

وإذا كان الله لا يرضى بالكفر والشرك فإن الواجب على المؤمن أن لا يرضى بهما؛ لأن رضا المؤمن وغضبه تبع لرضا الله وغضبه، فيغضب لما يغضب الله ويرضى بما يرضاه الله عز وجل.

قال الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] .

وقال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار) 4647.

وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] .

هل هي عامة أم خاصة؟

فذهب فريق إلى أنها عامة لعباد الله جميعًا؛ فالكفر غير مرضي لله سبحانه على كل حال كما هو الظاهر، قال قتادة: «والله ما رضي الله لعبد ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعا إليها، ولكن رضي لكم طاعته، وأمركم بها، ونهاكم عن معصيته» ، فكفر الكافر غير مرضيّ لله تعالى وإن كان قدّره وشاءه، فليس من لازم القدر الرضا، فالله يقدر الكفر وهو يبغضه؛ من أجل أن يتميز الناس بعضهم من بعض، ويتميز الصادق من الكاذب، ويتبين المؤمن من الكافر، ويتبين المنافق من المؤمن الصحيح، فالله قدّر هذه الأمور المكروهة لحكمة منه سبحانه، ما قدرها عبثًا، ورتب الجزاء على أفعالهم التي يفعلونها باختيارهم، وقد أراد الله عز وجل خلق إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادة غير الرضا، وهذا مذهب أهل السنة 48.

وذهب فريق منهم ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] ، أنهم عباده المخلصون الذين قال عنهم: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] ؛ فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحببها إليهم، وعلى هذا يكون قوله تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} ، دعوة للمؤمنين -وكلهم عباد الله- أن يكونوا بالمكان الذي يرضاه الله لهم، ويقبله منهم، وأن ينأوا عما لا يرضاه الله لهم، فإنهم عباده! 49.

والصواب من ذلك هو مذهب الفريق الأول؛ لأن الإرادة في النصوص جاءت على معنيين: إرادة كونية قدرية: وهي المشيئة ولا ملازمة بينها وبين المحبة والرضا، بل يدخل فيها الكفر والإيمان والطاعات والعصيان والمرضيّ والمحبوب والمكروه وضده، وهذه الإرادة ليس لأحد خروج منها ولا محيص عنها، كقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125] .

وقوله سبحانه: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة: 41] .

وإرادة دينية شرعية: مختصة بمراضي الله ومحابّه، وعلى مقتضاها أمر عباده ونهاهم، كقوله جل وعلا: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .

وقوله جلّ في علاه: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت