1.النهي عن قتلها.
جاء النهي عن قتل النفس في عدة آيات.
قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ? وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ? إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ?33? [الإسراء:33] .
قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) يعني: إلا بإحدى ثلاث مواضع: إذا قتل أحدًا فيقتص به، أو زنى وهو محصن فيرجم، أو يرتد فيقتل، ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سبيلًا وحجة عليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذ الدية إذا اصطلحا، ولا يسرف في القتل، أي: لا يقتل غير القاتل حمية، ولا يقتل بعد ما عفا أو أخذ الدية، إنه كان معانًا من الله تعالى فقد جعل الأمر إليه في القود 115.
وقوله: (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) : «علة النهي على الاستئناف، والضمير إما للمقتول فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله وفي الآخرة بالثواب، وإما لوليه، فإن الله تعالى نصره حيث أوجب القصاص له وأمر الولاة بمعونته، وإما للذي يقتله الولي إسرافًا بإيجاب القصاص أو التعزير والوزر على المسرف» 116.
واختلفوا في هذا الإسراف الذي منع منه ولي القتيل، فالذي عليه أكثر المفسرين:
والعتاب جاء هنا لإبطال عادة جاهلية، وهي قتل البريء بجريرة آخر.
وقد نقل الطبري عن ابن زيد: «إن العرب كانت إذا قتل منهم قتيل، لم يرضوا أن يقتلوا قاتل صاحبهم، حتى يقتلوا أشرف من الذي قتله، فقال الله جل ثناؤه: (فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) ينصره وينتصف من حقه (فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) يقتل بريئًا 118» .
وذكر أيضًا قولًا آخر في هذا الشأن: «كان المشركون يغتالون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله جل جلاله: من قتلكم من المشركين، فلا يحملنكم قتله إياكم على أن تقتلوا له أبًا أو أخًا أو أحدًا من عشيرته، وإن كانوا مشركين، فلا تقتلوا إلا قاتلكم» 119.
وجاء العتاب أيضًا في قوله: (فَلَا يُسْرِفْ) وحول هذا يقول أبو حيان: «إنما الظاهر والله أعلم النهي عما كانت الجاهلية تفعله من قتل الجماعة بالواحد، وقتل غير القاتل، والمثلة، ومكافأة الذي يقتل من قتله» 120.
وقال تعالى: (ٹ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ? وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء:29] .
أجمل الطبري المعنى في هذه الآية بقوله: «يعني بقوله جل ثناؤه: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) : ولا يقتل بعضكم بعضًا، وأنتم أهل ملةٍ واحدةٍ ودعوةٍ واحدةٍ ودينٍ واحدٍ، فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضهم من بعضٍ، وجعل القاتل منهم قتيلًا في قتله إياه منهم بمنزلة قتله نفسه، إذ كان القاتل والمقتول أهل يدٍ واحدةٍ على من خالف ملتهما» 121.
2.النهي عن ظلمها.
ظلم النفس أنواعٌ مختلفة ودرجات متفاوتة، فقد يكون ظلمها بالشرك الذي لا يغفره الله إذا مات العبد عليه قبل التوبة منه، وقد يكون ظلمها بالمعاصي التي يكون صاحبها تحت المشيئة إذا لم يتب منها، وكل أحدٍ ظلم نفسه على قدر درجته ومنزلته، وظلم النفس إذا أطلق تناول جميع الذنوب فإنها ظلم العبد نفسه، كما قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى? بَارِئِكُمْ) [البقرة:54] ، وقالت بلقيس: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [النمل:44] ، وقال آدم عليه السلام: (. قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ?) [الأعراف:23] .
ثم قد يقرن ببعض الذنوب كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [آل عمران:135] 122.
و «ظلم النفس هو فعل ما نهى الله عنه وتوعد عليه، فإن فعله إلقاءٌ بالنفس إلى العذاب، فكان ظلمًا للنفس» 123.
وجاء النهي عن ظلم النفس في القرآن الكريم في العديد من الآيات.
قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ? ذَ?لِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ? فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ? وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ?36?) [التوبة:36] .
وروى الطبري عن ابن عباس أنه فسر ضمير فيهن بالأشهر الاثني عشر فالمعنى عنده: فلا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في جميع السنة؛ يعني: أن حرمة الدين أعظم من حرمة الأشهر الأربعة في الجاهلية، ونسب لغيره أن معنى ذلك: فلا تظلموا في الأربعة الأشهر الحرم أنفسكم، والهاء والنون عائدةٌ على الأشهر الأربعة 124.
وهناك من يرى أن المراد كل السنة، فقد أخرج البيهقي عن ابن عباسٍ، قال: «لا تظلموا أنفسكم في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهرٍ فجعلهن حرمًا، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح بالأجر أعظم» 125.
والأنفس تحتمل أنها أنفس الظالمين في قوله: (فَلَا تَظْلِمُوا) أي: لا يظلم كل واحدٍ نفسه.
ووجه تخصيص المعاصي في هذه الأشهر بالنهي: أن الله جعلها مواقيت للعبادة، فإن لم يكن أحدٌ متلبسًا بالعبادة فيها فليكن غير متلبسٍ بالمعاصي، وليس النهي عن المعاصي فيها بمقتضٍ أن المعاصي في غير هذه الأشهر ليست منهيًا عنها، بل المراد أن المعصية فيها أعظم وأن العمل الصالح فيها أكثر أجرًا، ونظيره قوله تعالى: (وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ?) [البقرة:197] .
فإن الفسوق منهيٌ عنه في الحج وفي غيره.
وإضافة الأنفس إلى ضمير المخاطبين: للتنبيه على أن الأمة كالنفس من الجسد على حد قوله تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى? أَنْفُسِكُمْ) [النور:61] .
أي: على الناس الذين فيها على أرجح التأويلين في تلك الآية، والمراد على هذا تأكيد حكم الأمن في هذه الأشهر، أي: لا يعتدي أحدٌ على آخر بالقتال 126.
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى? مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ?135?) [آل عمران:135] .
البلاغة في قوله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) تم عطف ظلم النفس على فعل الفاحشة مع أن فعل الفاحشة داخل في ظلم النفس، ذلك لأنه من أبلغ أنواع ظلم النفس، فالفاحشة نوع من أنواع ظلم النفس، وهو الزنا أو كل كبيرة، فخص بهذا الإثم تنبيهًا على زيادة قبحه، وأريد بظلم النفس ما وراء ذلك من الذنوب 127.
3.حفظها من الشبهات والشهوات.
جاء الأمر من الله تعالى للإنسان باتباع دينه وحفظ النفس من الشبهات والشهوات في العديد من الآيات.
قال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) } [النجم:23 - 24] .
لما ذكر تعالى ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، والأمر بعبادة الله وتوحيده، ذكر بطلان ما عليه المشركون من عبادة من ليس له من أوصاف الكمال شيء، ولا تنفع ولا تضر، وإنما هي أسماء لا حقيقة لها ولا أنزل الله تعالى بها برهانًا ولا حجة، سماها المشركون هم وآباؤهم الجهال الضلال، وابتدعوا لها من الأسماء الباطلة التي لا تستحقها، فخدعوا بها أنفسهم وغيرهم من الناس، فالآلهة التي بهذه الحال لا تستحق العبادة، فكل أمر ما أنزل الله به من حجة وبرهان، فهو باطل فاسد، لا يتخذ دينًا، وهم في أنفسهم ليسوا بمتبعين لبرهانٍ يتيقنون به، وإنما دلهم على قولهم الظن الفاسد، وما تهواه أنفسهم من الشرك والبدع الموافقة لأهويتهم، والظن: ميل النفس إلى أحد معتقدين متخالفين دون أن يكون ميلها بحجة ولا برهان.
وهوى الأنفس: هو إرادتها الملذات لها، فأينما تجد هوى النفس أبدًا تترك الأفضل؛ لأنها مجبولة بطبعها على حب الملذات، بينما العقل والشرع يردعها ويسوقها إلى حسن العاقبة، وقوله: {أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) } فيه توبيخ وإنكار لحالهم ورأيهم، والهدى المشار إليه محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه 128.
ثانيًا: بذل النفس:
1.بذلها ابتغاء مرضاة الله تعالى.
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ? يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ? وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ? فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ? وَذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?111?) [التوبة:111] .
المعنى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة وعدًا عليه حقًا، وعدهم الجنة جل جلاله، وحقًّا أن يوفي لهم به في كتبه المنزلة التوراة والإنجيل والقرآن، إذا هم وفوا بما عاهدوا الله فقاتلوا في سبيله ونصرة دينه أعداءه فقتلوا وقتلوا، ومن أحسن وفاءً بما ضمن وشرط من الله؟! فاستبشروا أيها المؤمنون الذين صدقوا الله فيما عاهدتم ببيعكم أنفسكم وأموالكم بالذي بعتموها من ربكم، فإن ذلك هو الفوز العظيم، فما من مسلمٍ ولله في عنقه بيعةً وفى بها أو مات عليها في قول الله، إلا وله الجنة، بايعهم الله فأغلى لهم الثمن، فذلك هو الفوز العظيم 129.
وعن كيفية شراء الله المؤمنين أنفسهم وأموالهم قال صاحب زاد المسير: «فأما اشتراء النفس فبالجهاد، وفي اشتراء الأموال وجهان: أحدهما: بالإنفاق في الجهاد، والثاني: بالصدقات» 130.
وعن سبب تسمية ذلك بيعًا، قال القرطبي: «سمى ذلك كله بيعًا وشراءً على وجه المجاز، تشبيهًا بعقود الأشرية والبياعات التي تحصل بها الأغراض» 131.
ذكر في أسباب النزول أن الآية نزلت في بيعة العقبة لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا سبعين رجلًا، على أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا وأن يمنعوه مما يمنعون أنفسهم، كما يلي:
أخرج الواحدي: (قال محمد بن كعبٍ القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة، وهم سبعون نفسًا، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت هذه الآية) 132.
وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ? وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة:207] .
قال الرازي: أكثر المفسرين على أن المراد بهذا الشراء: البيع، وتحقيقه أن المكلف باع نفسه بثواب الآخرة، وهذا البيع هو أنه بذلها في طاعة الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد، يبتغي بذلك ثواب الله، فكان ما يبذله من نفسه كالسلعة، وصار الباذل كالبائع، والله كالمشتري، وقد سمى الله تعالى ذلك تجارةً، حيث قال سبحانه وتعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى? تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ?10?تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) [الصف:10 - 11] 133.
ويعتبر الأخفش أن معنى: (يَشْرِي نَفْسَهُ) من الأضداد، فيقول: «يبيعها، كما تقول: شريت هذا المتاع أي: بعته، وشريته: اشتريته أيضًا، يجوز في المعنيين» 134.
أخرج الحاكم عن عكرمة قال: (لما خرج صهيبٌ مهاجرًا تبعه أهل مكة فنثل كنانته، فأخرج منها أربعين سهمًا، فقال: لا تصلون إلي حتى أضع في كل رجلٍ منكم سهمًا، ثم أصير بعد إلى السيف فتعلمون أني رجلٌ، وقد خلفت بمكة قينتين فهما لكم، وعن أنسٍ نحوه، ونزلت على النبي صلى الله عليه وسلم:(مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: أبا يحيى ربح البيع قال: وتلا عليه الآية) 135.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ? فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى? نَفْسِهِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ?10?) [الفتح:10] .
المعنى: إن الذين يبايعونك بيعة الرضوان بالحديبية تحت الشجرة على قتال قريشٍ وأن لا يفروا عند لقاء العدو، ولا يولوهم الأدبار، إنما يبايعون الله، فأخبر سبحانه وتعالى أن هذه البيعة لرسوله صلى الله عليه وسلم هي بيعةٌ له؛ فمن يطع الرسول فقد أطاع الله وذلك لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة؛ لأن عقد الميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله سبحانه وتعالى من غير تفاوتٍ، كأنهم يبايعون الله ببيعتهم نبيه، فمن نقض ما عقد من البيعة فإنما ينقض على نفسه؛ لأن ضرر ذلك راجعٌ إليه لا يجاوزه إلى غيره، ومن أوفى وثبت على الوفاء بما عاهد عليه في البيعة لرسوله فله الأجر العظيم وهو الجنة، وجاء عن مجاهد وغيره: يعني: أعراب غفارٍ ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل، وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة 136.
وعن شدة وقوة هذه البيعة قال السعدي: «حتى إنه من شدة تأكده أنه قال: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) أي: كأنهم بايعوا الله وصافحوه بتلك المبايعة، وكل هذا لزيادة التأكيد والتقوية، وحملهم على الوفاء بها، ولهذا قال: (فَمَنْ نَكَثَ) فلم يف بما عاهد الله عليه (فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى? نَفْسِهِ) أي: لأن وبال ذلك راجع إليه، وعقوبته واصلة له» 137.
وكذلك عن أهمية هذه البيعة، قال ابن عاشور: «وفرع قوله: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى? نَفْسِهِ على جملة:(إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) فإنه لما كشف كنه هذه البيعة بأنها مبايعةٌ لله ضرورة أنها مبايعةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، باعتبار رسالته عن الله صار أمر هذه البيعة عظيمًا خطيرًا في الوفاء بما وقع عليه التبايع وفي نكث ذلك، والكلام تحذيرٌ من نكث هذه البيعة وتفظيعٌ له؛ لأن الشرط يتعلق بالمستقبل» 138.
وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ?28?) [الكهف:28] .
المعنى: في هذه الآية نهى الله جل جلاله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طرد ضعفاء المسلمين وفقرائهم، وأمره أن يصبر نفسه معهم، وأن لا يعدو عيناه عنهم إلى أهل الجاه والمنزلة في الدنيا، فنهاه عن إطاعة الكفرة في ذلك، وبين أن طرد ضعفاء المسلمين الذي طلبه كفار العرب من نبينا صلى الله عليه وسلم، طلبه أيضًا قوم نوحٍ من نوحٍ، فأبى 139.
ويأتي الزرقاني بنكتة مهمة تعبر عن دقة ملاحظته، فيقول: «ولعلك تلمح معي من وراء هذا العتاب رحمة الرسول بأعدائه، وإخلاصه لدعوته، وتفانيه في وظيفته، وحرصه على هداية الناس أجمعين» 140.
التوجيه: هو في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتصبر مع المؤمنين، وعدم ترك عنايته بالفقراء منهم، والانتباه إلى غيرهم؛ إرادةً لزينة الحياة الدنيا.
2.إزهاق النفس في مساخط الله تعالى.
إزهاق النفس في مساخط الله تعالى جاء في عدة آيات:
قال تعالى: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) } [التوبة:55] .
وقال تعالى: {وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) } [التوبة:85] .
يعني بإزهاق النفس في قوله: {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} : تخرج أنفسهم، فيموتوا على كفرهم بالله وجحودهم نبوة نبي الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، يقال منه: زَهَقَتْ نفس فلانٍ، وزَهِقَتْ، ويقال: زهق الباطل: إذا ذهب ودرس 141.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ولا تعجبك يا محمد أموال هؤلاء المنافقين وأولادهم، فتصلي على أحدهم إذا مات وتقوم على قبره من أجل كثرة ماله وولده، فإني إنما أعطيته ما أعطيته من ذلك لأعذبه بها في الدنيا بالغموم والهموم، بما ألزمه فيها من المؤن والنفقات والزكوات وبما ينوبه فيها من الرزايا والمصيبات {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ} يقول: وليموت فتخرج نفسه من جسده، فيفارق ما أعطيته من المال والولد، فيكون ذلك حسرةً عليه عند موته ووبالًا عليه حينئذٍ ووبالًا عليه في الآخرة بموته، جاحدًا توحيد الله ونبوة نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم 142.
فمعنى الآية: أي: لا تستحسن ما أعطيناهم ولا تمل إليه فإنه استدراجٌ، وإنما يريد الله ليعذبهم بها، وقيل: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، والمعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، وقيل: المعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا؛ لأنهم منافقون فهم ينفقون كارهين فيعذبون بها بإخراج الزكاة وبما ينفقون في سبيل الله، وقوله: {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} : نصٌ في أن الله يريد أن يموتوا كافرين، سبق بذلك القضاء 143.
وعن علة إعطائهم ذلك المال وتكثيره لهم، قال الجزائري: «ووجه تعذيبهم بها في الحياة الدنيا أن ما ينفقونه من المال في الزكاة والجهاد، يشعرون معه بألم لا نظير له؛ لأنه إنفاق يعتبرونه ضدهم وليس في صالحهم، إذ لا يريدون نصر الإسلام ولا ظهوره، وزيادة على هذا يموتون وهم كافرون فينتقلون من عذاب إلى عذاب أشد» 144.
أولًا: المحاسبة والمجازاة على الأعمال:
قال تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) } [غافر:17] .
يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيله يوم القيامة حين يبعث خلقه من قبورهم لموقف الحساب: اليوم يثاب كل عاملٍ بعمله، فيوفى أجر عمله، فعامل الخير يجزى الخير، وعامل الشر يجزى جزاءه 145.
فلما قرر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم، أخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه، أنه لا يظلم مثقال ذرةٍ من خيرٍ ولا من شرٍ، فكل نفس تجزى بما عملت في الدنيا، وأن الظلم مأمون منه، بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها، وبالسيئة واحدةً؛ ولهذا قال: {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} لأن الله تعالى ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطئ؛ لأنه لا يشغله حساب عن حساب فيحاسب الخلق كله في وقت واحد، أي: يحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفسًا واحدةً، وهو أسرع الحاسبين كما قال: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان:28] 146.
وقال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) } [آل عمران:30] .
عما تدل عليه فاصلة الآية.
قال الشوكاني:
«وفي قوله: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} دليلٌ على أن هذا التحذير الشديد مقترنٌ بالرأفة منه سبحانه بعباده لطفًا بهم» 147.
والضمير في قوله: {وَبَيْنَهُ} على هذا يعود إلى ما عملت من سوءٍ، أو يكون عائدًا إلى يوم أي: تود أنه تأخر ولم يحضر 148.
ثانيًا: الشهادة على النفس:
قال تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) } [الأنعام:130] .
المعنى: أي: يوم نحشر عالم الجن والإنس ثم نقول لهم: ألم يأتكم رسلٌ؟ فيعترفون بما فيه افتضاحهم، ومعنى {مِنْكُمْ} في الخلق والتكليف والمخاطبة، ولما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل قال: منكم، وإن كانت الرسل من الإنس وغلب الإنس في الخطاب كما يغلب المذكر على المؤنث، لكن ابن عباسٍ قال: «رسل الجن هم الذين بلغوا قومهم ما سمعوه من الوحي، كما قال: {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف:29] » ويؤكد ذلك أنه كان قومٌ من الجن استمعوا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم عادوا إلى قومهم وأخبروهم، فيقال لهم: رسل الله، وإن لم ينص على إرسالهم، وقوله: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} أي: إن هؤلاء قد غرتهم الحياة الدنيا، فخدعتهم وظنوا أنها تدوم، وخافوا زوالها عنهم إن آمنوا 149.
معنى الشهادة على النفس في قوله تعالى: {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} أي: أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك، وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائنٌ لا محالة.
ومعنى قوله تعالى: {وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} أي: يوم القيامة اعترفوا بكفرهم، {أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} أي: في الدنيا، بما جاءتهم به الرسل، وهذا حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك وبما كانوا يعملون 150.
وقال تعالى: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) } [ق:21] .
المعنى: وجاءت يوم ينفخ في الصور كل نفسٍ ربها، معها سائقٌ يسوقها إلى الله، وشهيدٌ يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خيرٍ أو شرٍ 151.
لكن الطبري أخرج عن ابن عباسٍ، قوله: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} قال: «السائق من الملائكة، والشهيد: شاهدٌ عليه من نفسه» 152.