فهرس الكتاب

الصفحة 1047 من 2431

قال ابن عطية: «إن المقصد بها التنبيه على قدرة الله تعالى وإتقان خلقه للأشياء في أن بث في الأرض مياها عذبة كثيرة من أنهار وعيون وآبار، وجعلها خلال الأجاج وجعل الأجاج خلالها، فتلقى البحر قد اكتنفته المياه العذبة في ضفتيه، وتلقى الماء العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأجاج فبثها هكذا في الأرض» 50.

قال الشوكاني: « {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} مرج: خلى وخلط وأرسل، يقال: مرجت الدابة وأمرجتها: إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء.

قال مجاهد: أرسلهما وأفاض أحدهما إلى الآخر، وسمي الماء الحلو فراتًا: لأنه يفرت العطش، أي: يقطعه ويكسره {وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي: بليغ الملوحة» 51.

والبرزخ حاجز معنوي، قال ابن عاشور: «وجعل الحاجز بين البحرين من بديع الحكمة، وهو حاجز معنوي حاصل من دفع كلا الماءين، أحدهما الآخر عن الاختلاط به، بسبب تفاوت الثقل النسبي لاختلاف الأجزاء المركب منها الماء الملح والماء العذب. فالحاجز حاجز من طبعهما وليس جسمًا آخر فاصلًا بينهما» 52.

لما كان البحر من أعظم آيات الله في الأرض، وقد أخبر الله تعالى أن الأرض تبدل يوم القيامة.

كما قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48] .

كان تغير البحر عن طبيعته من أشراط الساعة.

قال تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6] .

فيها ثمانية تأويلات 53:

أحدها: فاضت، قاله الربيع.

الثاني: يبست، قاله الحسن.

الثالث: ملئت، أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت، قاله أبو الحجاج.

الرابع: فجرت فصارت بحرًا واحدًا، قاله الضحاك.

الخامس: سيرت كما سيرت الجبال، قاله السدي.

السادس: هو حمرة مائها حتى تصير كالدم، مأخوذ من قولهم عين سجراء، أي: حمراء.

السابع: يعني أوقدت فانقلبت نارًا، قاله علي رضي الله عنه وابن عباس وأبي بن كعب.

الثامن: معناه: أنه جعل ماؤها شرابًا يعذب به أهل النار، حكاه ابن عيسى.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو 54 بتخفيف (سجرت) إخبارًا عن حالها مرة واحدة، وقرأ الباقون بالتشديد إخبارًا عن حالها في تكرار ذلك منها مرة بعد أخرى.

قال ابن عباس: «يرسل الله عليها الرياح الدبور فتسعرها وتصير نارًا تأجج» ، وقال مجاهد: {سُجِّرَتْ} : «أوقدت» 55.

قال تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} [الانفطار: 3] .

قال الطبري: «يقول: فجر بعضها في بعض، فملأ جميعها» 56.

وقال قتادة: «فجر عذبها في مالحها، ومالحها في عذبها» .

وقال الحسن: «فجر بعضها في بعض، فذهب ماؤها» .

وقال الكلبي: «ملئت» 57.

قال الزمخشري: «فجرت: فتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالمالح، وزال البرزخ الذي بينهما، وصارت البحار بحرًا واحدًا» 58.

واعلم أنه على جميع الوجوه، فالمراد أنه تتغير البحار عن صورتها الأصلية وصفتها، وهو كما ذكر الله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ} [إبراهيم: 48] 59.

لا شك أن الابتلاء من سنن الله تعالى في عباده، والناظر في كتاب الله تعالى يجد أن البحر كان محلَا للابتلاء في غير ما موضع، ويتضح ذلك في الآتي:

أولًا: اللجوء إلى الله عند مس الضر:

جاء البحر في القرآن مكانًا لابتلاء الناس واختبارهم من الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63] .

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل: يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم، الداعين إلى عبادة أوثانهم: من الذين ينجيكم من ظلمات البر إذا ضللتم فيه فتحيرتم، فأظلم عليكم الهدى والمحجة، ومن ظلمات البحر إذا ركبتموه، فأخطأتم فيه المحجة، فأظلم عليكم فيه السبيل، فلا تهتدون له غير الله الذي إليه مفزعكم حينئذ بالدعاء {تَضَرُّعًا} ، منكم إليه واستكانة جهرًا {وَخُفْيَةً} ، يقول: وإخفاء للدعاء أحيانًا، وإعلانًا وإظهارًا تقولون: {لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ} يا رب، أي من هذه الظلمات التي نحن فيها {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} ، يقول: لنكونن ممن يوحدك بالشكر، ويخلص لك العبادة، دون من كنا نشركه معك في عبادتك.

{قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 64] .

قل يا محمد: الله القادر على فرجكم عند حلول الكرب بكم، ينجيكم من عظيم النازل بكم في البر والبحر من هم الضلال وخوف الهلاك، ومن كرب كل سوى ذلك وهم لا آلهتكم التي تشركون بها في عبادته، ولا أوثانكم التي تعبدونها من دونه، التي لا تقدر لكم على نفع ولا ضر، ثم أنتم بعد تفضيله عليكم بكشف النازل بكم من الكرب، ودفع الحال بكم من جسيم الهم، تعدلون به آلهتكم وأصنامكم، فتشركونها في عبادتكم إياه، وذلك منكم جهل بواجب حقه عليكم، وكفر لأياديه عندكم، وتعرضٌ منكم لإنزال عقوبته عاجلَا بكم» 60.

وابتلاء البحر أشد من ابتلاء البر، قال الرازي: «أما ظلمات البحر: فهي أن تجتمع ظلمة الليل، وظلمة البحر وظلمة السحاب، ويضاف الرياح الصعبة والأمواج الهائلة إليها، فلم يعرفوا كيفية الخلاص وعظم الخوف، وأما ظلمات البر فهي ظلمة الليل وظلمة السحاب والخوف الشديد من هجوم الأعداء، والخوف الشديد من عدم الاهتداء إلى طريق الصواب، والمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى الله تعالى، وهذا الرجوع يحصل ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الإنسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في حضرة الله تعالى، وينقطع رجاؤه عن كل ما سوى الله تعالى.

فبين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله، ولا تعويل إلا على فضل الله، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات، لكنه ليس كذلك، فإن الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية، ويقدم على الشرك» 61.

وإن الله تعالى بين أنه لا ينجيهم مما يعرض لهم من شدائد من خارجهم، وما لا قبل لهم به وحسب، بل ينجيهم من ذلك، وينجيهم من الكروب التي تعتري نفوسهم من ضراء تنزل بهم، أو مرض يحل بأجسامهم، ومن كل شيء يكربهم ويلقي غمة النفس عليهم» 62.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22]

قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} ، يعني: يحملكم في البر على الدواب، وفي البحر على السفن، ويقال: هو الذي يحفظكم إذا سافرتم في بر أو بحر.

قرأ ابن عامر 63 ينشركم من النشر، يعني: يبثكم، ثم قال: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ} بلفظ المغايبة، {بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} ، يعني: لينة ساكنة، {وَفَرِحُوا بِهَا} بالريح الطيبة، {جَاءَتْهَا} يعني: السفينة، {رِيحٌ عَاصِفٌ} يعني: شديدة، {وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} يعني: من كل ناحية {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} ، يعني: علموا وأيقنوا أنه قد دنا هلاكهم.

وقال القتبي: «وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بالقرية، يقال: دنا أهلها من الهلكة، فصار ذلك كناية عن الهلاك، {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ، يعني: إذا دنا هلاكهم أخلصوا لله تعالى، يعني: بالدعاء وقالوا: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ} ، يعني: من هذه الريح العاصف، ويقال: من هذه الأهوال، {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} يعني: من الموحدين المطيعين. {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ} {فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} ، يعني: يعصون {فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} ، يعني: الدعاء إلى غير عبادة الله تعالى، والعمل بالمعاصي والفساد» 64.

واعلم أن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود، حصل له الفرح التام والمسرة القوية، ثم قد تظهر علامات الهلاك دفعة واحدة:

فأولها: أن تجيئهم الرياح العاصفة الشديدة.

وثانيها: أن تأتيهم الأمواج العظيمة من كل جانب.

وثالثها: أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك واقع، وأن النجاة ليست متوقعة.

ولا شك أن الانتقال من تلك الأحوال الطيبة الموافقة إلى هذه الأحوال القاهرة الشديدة يوجب الخوف العظيم، والرعب الشديد، وأيضًا مشاهدة هذه الأحوال والأهوال في البحر مختصة بإيجاب مزيد الرعب والخوف، ثم إن الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ورحمته، ويصير منقطع الطمع عن جميع الخلق، ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعًا إلى الله تعالى.

ثم إذا نجاه الله تعالى من هذه البلية العظيمة، ونقله من هذه المضرة القوية إلى الخلاص والنجاة، ففي الحال ينسى تلك النعمة ويرجع إلى ما ألفه واعتاده من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة، فظهر أنه لا يمكن تقرير ذلك المعنى الكلي المذكور في الآية المتقدمة بمثال أحسن وأكمل من المثال المذكور في هذه الآية 65.

ثانيًا: ابتلاء اليهود بمنع الصيد يوم السبت:

من سنن الله تعالى في كونه ابتلاء الناس والأمم لتمحيصهم واختبارهم، وقد ابتلي اليهود بابتلاءات كثيرة، وذلك لما علم من كثرة جدالهم أنبياءهم ومخالفتهم أوامر الله تعالى، ومن جملة ما ابتلي به اليهود: ابتلاء طائفة منهم وهم أهل قرية كانت مجاورة البحر وعلى شاطئه، ابتلاهم الله بمنع الصيد في البحر يوم السبت.

قال تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163] .

قال الطبري: «واسأل يا محمد هؤلاء اليهود، وهم مجاوروك، عن أمر القرية التي كانت بحضرة البحر، أي بقرب البحر وعلى شاطئه 66، إذ يعتدون في السبت أمر الله، ويتجاوزونه إلى ما حرمه الله عليهم، وكان اعتداؤهم في السبت: أن الله كان حرم عليهم السبت، فكانوا يصطادون فيه السمك؛ {إِذْ تَأْتِيهِمْ} {حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ} الذي نهوا فيه عن العمل شارعة ظاهرةً على الماء من كل طريق وناحية، كشوارع الطرق، {وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ} أي: وباقي الأيام التي لا يعظمونها، وهي سائر الأيام غير يوم السبت لا تأتيهم الحيتان.

ثم قال الله تعالى: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ} الاختبار والابتلاء الذي ذكرنا، بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في اليوم المحلل صيده، وذلك بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها» 67.

وقد خالف اليهود أمر الله تعالى واعتدوا في السبت فمسخهم الله تعالى قردة، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] .

قال السمرقندي: «مسخهم الله تعالى قردة وأبعدهم عن رحمته لما اعتدوا في السبت، وهذه الآية على معنى التحذير والتهديد، فكأنه يقول: إنكم تعلمون ما أصاب الذين اعتدوا في السبت، فاحذروا كيلا يصيبكم مثل ما أصابهم» 68.

وقد بين الله تعالى أنه جعل عقاب أهل القرية وهو المسخ والإبعاد من رحمة الله نكالًا وعقوبة لما قدم اليهود من الذنوب، وزجرًا لمن يفعل مثل فعلهم، وموعظة للمتقين 69، قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66] .

ثالثًا: ابتلاء يونس عليه السلام:

لا شك أن أشد الناس ابتلاءً هم الأنبياء، بوب البخاري رحمه الله باب: أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل 70، وإن نبي الله يونس عليه السلام ابتلي بتكذيب قومه له، فأنذرهم وحذرهم من عذاب الله، فلم يستجيبوا له، فخرج مغاضبًا لله عز وجل، قال تعالى: {وَذَا النُّونِ 71 إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] .

وقال تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) } [الصافات: 139 - 142] .

قال أهل التفسير: «وإن يونس لمرسل من المرسلين إلى أقوامهم حين فر إلى الفلك، وهو السفينة، المشحون: وهو المملوء من الحمولة الموقر، فاحتبست السفينة، فعلم القوم أنما احتبست من حدث أحدثوه، فتساهموا، فقرع يونس، فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت وهو مكتسب اللوم على صنعه، إذ عجل ترك قومه.

قال تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] .

فلولا أنه كان من المصلين قبل ذلك والمسبحين في بطن الحوت للبث في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم أمر الله الحوت فألقى يونس بالعراء، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، ثم اجتباه ربه فجعله من الصالحين» 72.

للبحر منافع كثيرة، منها ما ذكره القرآن ومنها ما لم يذكره، بل هو داخل في عموم نفع البحر للإنسان، وسنقتصر على المنافع التي ذكرها الله تعالى في كتابه.

أولًا: أكل صيده وطعامه:

من نعم الله على عباده أن من عليهم بصيد البحر وطعامه، قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المائدة: 96] .

فقد أجمع أهل العلم أن صيد البحر وطعامه حلال، أكله وبيعه وشراؤه، للمقيم والمسافر 73، وقد قال عمر بن الخطاب: «صيده: ما اصطيد، وطعامه: ما رمى به» 74.

وقد جاء وصف صيد البحر الذي سخره الله لعباده بالطري، وهذا يدل على حكمة الله وقدرته، من جهة إظهار الضد من الضد، فيخرج الله لنا لحمًا طريًا عذبًا من البحر المالح، كما في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14] .

وقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: 12] .

قال الرازي: «واعلم أن في ذكر الطري مزيد فائدة، وذلك لأنه لو كان السمك كله مالحًا، لما عرف به من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري؛ فإنه لما خرج من البحر الملح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة علم أنه إنما حدث لا بحسب الطبيعة، بل بقدرة الله وحكمته؛ حيث أظهر الضد من الضد» 75.

ولحم البحر طري عذب، والطري: الناعم الغض 76.

وقال ابن منظور: «الغض: الطري الذي لم يتغير» 77.

وقال الراغب: «الغض: الطري الذي لم يطل مكثه» 78.

وقال المناوي: «الشيء الغض، ومنه الطراوة» 79.

وعلى هذا يكون معنى اللحم الطري: الناعم الطازج الغض الذي لم يطل مكثه.

وميتة البحر جائزٌ أكلها، كما جاء في حديث النبي.

عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحلت لنا ميتتان، ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال) 80.

وقوله عن البحر: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) 81.

وجاء في صحيح مسلم: «باب إباحة ميتات البحر» ، وذكر حديث جابر رضي الله عنه وفيه: «انطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابةٌ تدعى العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتةٌ، ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاث مائةٍ حتى سمنا، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن، ونقتطع منه الفدر كالثور، أو كقدر الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا، فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعيرٍ معنا، فمر من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرنا ذلك له، فقال: (هو رزقٌ أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيءٌ فتطعمونا؟) ، قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله» 82.

ثانيًا: حلية البحر:

الحلية: اسم لما يتحلى به 83، وسميت حلية لأنها تحلي الجوارح في أعين الناظرين.

وقد امتن الله على عباده بتسخير البحر، ومن تسخيره استخراج الحلية منه، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14]

والمراد بالحلية في الآية: قال الطبري «اللؤلؤ والمرجان» ؛ وذلك لقوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22 - 19] .

«الحلية ههنا: اللؤلؤ وما يتحلى به مما يخرج من البحر» ، وقال الواحدي: «الحلية الدر والجواهر» .

وقال الرازي: «المعهود في القرآن في لفظ الحلي: اللآلئ» .

وهل تخرج الحلية من المالح والعذب، أم من المالح فقط؟

قيل: إن الحلية لا تخرج إلا من البحر المالح دون العذب.

فكيف قال الله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: 12] ؟

قال ابن جزي: «فالجواب من ثلاثة أوجه:

الأول: أن ذلك تجوز في العبارة كما قال: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام: 130] .

والرسل إنما هي من الإنس.

الثاني: أن المرجان إنما يوجد في البحر الملح؛ حيث تنصب أنهار الماء العذب، أو ينزل المطر فلما كانت الأنهار والمطر، وهي البحر العذب تنصب في البحر الملح كان الإخراج منهما جميعًا.

الثالث: زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح والعذب، وهذا قول يبطله الحس» 84.

قال الشنقيطي: «قوله: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} دليل قرآني واضح، على بطلان دعوى من ادعى من العلماء أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلا من الملح خاصة» 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت