فهرس الكتاب

الصفحة 745 من 2431

ثالثًا: بيان حسن الجزاء للراكعين في الآخرة:

يقوم المؤمن بطاعته لربه، وخضوعه لأوامره، واجتناب نواهيه، مخلصًا لله عز وجل في جميع أقواله وأعماله، مبتغيًا بذلك جزيل التوفيق في الحياة الدنيا، ورضى الله تعالى والفوز بجنته في الآخرة.

وقد رتب الله سبحانه على من اتصف بصفات الطاعة (بالركوع والسجود له) جزاء عظيمًا في الآخرة، نستخلصها من آية سورة الفتح، كما يأتي:

أولًا: وعد الله لهم بمغفرته ورضوانه، وإدخالهم النعيم المقيم في جنتة.

قال الله تعالى: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} ، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29] .

قال الإمام القرطبي رحمه الله: « {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29] . تراهم ركعًا أحيانًا لله في صلاتهم، سجدًا أحيانًا {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} ، يقول: يلتمسون بركوعهم وسجودهم وشدتهم على الكفار، ورحمة بعضهم بعضًا {فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} ، وذلك برحمته إياهم، بأن يتفضل عليهم فيدخلهم جنته، وأن يرضى عنهم ربهم، وقوله: {مَغْفِرَةً} ، يعني: عفوًا عامًّا عما مضى من ذنوبهم وسيء أعمالهم بحسنها. وقوله: {وَأَجْرًا عَظِيمًا} يعني: وثوابًا جزيلًا، وذلك الجنة» 47.

وزاد ابن كثير رحمه الله: « {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29] . وعدهم الله مغفرة لذنوبهم، وثوابًا جزيلًا ورزقًا كريمًا. ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدّل، وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حكمهم» 48.

ثانيًا: علامة يجعلها الله في وجوه المؤمنين يوم القيامة، يعرفون بها؛ لما كان من سجودهم له في الدنيا، ثم اختلف أهل التأويل في «السيما» الذي عناه الله في هذا الموضع:

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة» . وقال الحسن رضي الله عنه وعن خالد الحنفي وعطية: «مواضع السجود من وجوههم يوم القيامة تكون أشد بياضًا» ، وهو كقوله سبحانه: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} [المطففين: 24] .

وهناك أقوال أخرى وردت في بيان معنى هذه السيما، ذكرها ابن كثير ورجّحها جميعها، ولكنه قدّم هذه العلامة وأنها ستكون لهم في الآخرة، وذكر عدة أحاديث في ذلك منها، قال: «سمعت شبيبًا يقول: عن مقاتل بن حيان، قال: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29] .

قال: النور يوم القيامة» 49.

ثالثًا: ونرى في المقابل أن الله عز وجل توعد من لم يركع ويخضع له في الدنيا بالعذاب الشديد يوم القيامة، قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 48 - 49] .

قال الإمام الطبري رحمه الله: «واختلف أهل التأويل في الحين الذي يقال لهم فيه، فقال بعضهم: يقال لهم ذلك في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون، عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] .

يقول: يدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون السجود، من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا» 50.

وقال آخرون: «بل قيل ذلك لهم في الدنيا» 51.

إذا أمعنا النظر في لفظتي الركوع والسجود سواء من الناحية اللغوية، أو من الناحية الاصطلاحية، نجد بينهما توافقًا في جوانب، وتباينًا في جوانب أخرى، وسنفصل ذلك فيما يلي:

أولًا: جوانب التوافق:

من الناحية اللغوية:

يتفقان في أن كلًا منهما يدل على الخضوع والانحناء والذّل والخوف لشيءٍ قوي قاهر، سواء كان للمخلوقات، أو كان خضوعًا لله سبحانه وتعالى بالطاعة له، والانقياد لشرعه.

وعلى هذا يمكن تفسير عبادة غير الله تعالى: بأن الناس اعتقدوا فيما يعبدونه من دون الله تعالى القوة والبطش، فذلوا لآلهتهم وعبدوها وقدّموا لها القرابين، وكانوا يدخلون أماكنها وهم يركعون، أو يسجدون، أو راكعين ساجدين.

أما المسلم فلا يركع إلا لله عز وجل، فهو خالقه والمنعم عليه؛ طمعًا في مرضاته وفوزه بجنته، وخوفًا من غضبه وعذابه، فيكون الركوع والسجود في الصلاة شكرًا لله عز وجل، وطلبًا لعبادته، وتعظيمًا لقدره، وتقربًا إليه، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا} [الحج: 77] .

وغير ذلك مما ورد في شأن الركوع أو السجود.

من الناحية الشرعية:

نجد أن الركوع أو السجود أو كليهما كانا عند جميع الأمم وفي شرائعهم المنزلة، كما أشار الله عز وجل إلى ذلك بقوله: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] .

وقوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] .

وقوله سبحانه آمرًا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] .

وأمره سبحانه لإبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام في موضع آخر: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] .

بل ذمّ الله سبحانه وتعالى من لم يركع له في الدنيا، وأن له العذاب الشديد يوم القيامة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 48 - 49] .

ثانيًا: جوانب التباين:

من الناحية اللغوية:

الركوع هو: انحناء وخفض للرأس والظهر بدون أن يصل الراكع إلى الأرض، أمّا السجود فإنه لابدّ للساجد من وضع جبهته وأنفه على الأرض، وعليه فالسجود أكثر خضوعًا وتذللًا من الركوع؛ لذا ورد في الحديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) 52.

من الناحية الشرعية:

فالركوع انحناء للظهر واستقامته مع الرأس ومسك اليدين للركبتين، ويكون فيه تعظيمٌ للربّ بقول الراكع: (سبحان ربي العظيم) ثلاثًا.

أما السجود فهو وضع الجبهة مع الأنف واليدين والركبتين وباطن أصابع القدمين على الأرض، ويكون فيه التسبيح لله تعالى العلي القهار بقول الساجد: (سبحان ربي الأعلى) ثلاثًا، ويكون فيه الدعاء بما يشاء العبد، ويكون فيه أقرب إلى الله تعالى، وعلى هذا جاء نص الحديث التالي: (فأما الركوع فعظّموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمنٌ أن يستجاب لكم) .

لذلك إذا استقرأنا الآيات التي ذكر فيها الركوع والسجود، نرى تقديم الركوع فيها على السجود دائمًا، ماعدا آية آل عمران رقم 43، ففيها تقديم السجود على الركوع، وسنرى تعليل ذلك، ونجد أيضًا أن ترتيب الركوع في الصلاة يكون قبل السجود، ولا يتوصل إلى السجود إلا بالركوع، فالركوع بداية الخضوع، والسجود كمال الخضوع ونهايته، وكلاهما لا يكون إلا لله ربّ العالمين.

ثالثًا: الركوع بمعنى السجود:

بالرجوع إلى نصوص الآيات التي وردت بالركوع، نرى أن لفظة الركوع تصرف إلى حقيقتها الشرعية واللغوية مالم يكن هنالك صارف إلى معنى آخر، وأنه ركن من أركان الصلاة، فعبّر الله تعالى بالركوع عن الصلاة التي فيها الصلة به والخضوع له، لكننا نجد أن الركوع ورد بمعنى السجود في:

أولًا: قول الله تعالى حكاية عن نبيه داوود عليه الصلاة والسلام: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] .

فقد فسّرها الإمام الطبري رحمه الله: «فخرّ ساجدًا لله، ورجع إلى رضى ربه، وتاب من خطيئته» 53.

وقال الحسين بن الفضل: «المعنى (خرّ من ركوعه) ، أي: سجد بعد أن كان راكعًا» 54.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في (ص) وقال: (سجدها داوود عليه السلام توبةً، ونسجدها شكرًا) 55.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية سعيد بن جبير « {وَخَرَّ رَاكِعًا} ، ساجدًا» .

وقال الواحدي رحمه الله: «ويجوز أن يعبّر بالركوع عن السجود، لأن الركوع في اللفظ معناه الانحناء، ولا خلاف بين المفسرين أنه خرّ ساجدًا» 56.

قال الإمام البغوي رحمه الله: « {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا} ، أي: ساجدًا، عبّر بالركوع عن السجود، لأن كل واحد منهما فيه انحناء، قال الحسين بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر عن قوله: {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} ، هل يقال للراكع خرّ؟ قلت: لا، ومعناه: فخرّ، أي: ساجدًا، بعد ما كان راكعًا» 57.

ثانيًا: وقول الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] .

يقول الإمام الطبري رحمه الله: «واختلف أهل التأويل في الحين الذي يقال لهم فيه، فقال بعضهم: يقال لهم ذلك في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} ، يقول: يدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون السجود. من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا» 58.

قال ابن عطية رحمه الله: «قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} ، قيل: هي حكاية حال المنافقين في الآخرة إذا سجد الناس، فأرادوا السجود فانصرفت أصلابهم إلى الأرض وصارت فقراتهم كصياصي البقر، قاله ابن عباس رضي الله عنهما وغيره» 59.

رابعًا: السجود بمعنى الركوع:

ذكرنا سابقًا أنه ورد لفظ السجود بمعنى الركوع في ثلاثة مواضع:

قال الله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [البقرة: 58] .

وقال تعالى: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [النساء: 154] .

وقال تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [الأعراف: 161] .

وكلها وردت في أمر الله تعالى لبني إسرائيل بأن يدخلوا من باب حطة إلى بيت المقدس راكعين، خاشعين، شاكرين لله على أنه فتح عليهم مدينة بيت المقدس.

قال الإمام القرطبي رحمه الله: «وأما قوله: {سُجَّدًا} ، فإن ابن عباس كان يتأوّله بمعنى الركوع» .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} ، قال: «ركّعًا من باب صغير» 60.

وعن ابن عباس من طريق آخر في تفسير قوله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} ، قال: «أمروا أن يدخلوا ركّعًا» .

قال أبو جعفر: «وأصل السجود الانحناء لمن سجد له معظّمًا بذلك، فكل منحنٍ لشيء تعظيمًا له وخشوعًا فهو له ساجد» 61.

وقال الإمام الواحدي رحمه الله: «وقوله: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ركّعًا، وهو شدة الانحناء، والمعنى: منحنين متواضعين.

قال مجاهد رحمه الله: هو باب حطة من بيت المقدس، طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا، ودخلوا متزحفين على أستاههم» 62.

وقال ابن كثير رحمه الله: «وحكي عن بعضهم أن المراد هنا بالسجود الخضوع؛ لتعذّر حمله على حقيقته» 63.

وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: « {سُجَّدًا} ، أي: ركّعًا، خضّعًا، منحنين.

وقال وهب: فإذا دخلتموه فاسجدوا شكرًا لله» 64.

وورد أيضًا في بعض التفاسير أن السجود أتى بمعنى الركوع في قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219] .

قال الإمام الطبري رحمه الله: «ويرى تقلّبك مع الساجدين في صلاتهم معك، حين تقوم معهم وتركع وتسجد؛ لأن ذلك هو الظاهر من معناه» 65.

وقال الإمام الشنقيطي رحمه الله: « {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} أي: المصلين، إذا صليت بالناس» 66.

خامسًا: الركوع والسجود منفردين ومجتمعين:

بالتتبّع لآيات الركوع والسجود نجد أن آيات الركوع الواردة في القرآن الكريم أقل من آيات السجود عمومًا، وأن آيات الركوع جاءت منفردة بالركوع في آيات، ومجتمعة مع السجود في آيات أخر.

1.مجيء الركوع منفردًا.

أتت آيات الركوع منفردة لم يذكر معها السجود بثلاثة مواضع، هي:

-لجماعة المصلين كما في قوله تعالى: (ں ? ?) [البقرة: 43] .

-وقوله: (? ?) [المائدة: 55] .

-ولمن طلب منهم الصلاة بقوله: (? ? ? ? ? ?) [المرسلات: 48] .

-خاص لمريم عليها الصلاة والسلام في قول الله عز وجل: (? ? ?) [آل عمران: 43] .

-خاص بداوود عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: (? ? ?) [ص: 24] .

2.مجيء الركوع والسجود مجتمعين.

غالب الآيات التي ورد فيها الركوع، قرن بالسجود؛ كقوله تعالى: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] ، [الحج: 26] .

وقوله تعالى: {الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} [التوبة: 112] .

وقوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] .

وقوله: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29] .

مما يدلّ على تلازم الركوع مع السجود؛ حيث جاءت مرتبة للركوع قبلًا ثم السجود، ولأن الإنسان لا يمكن أن يصل إلى السجود قبل المرور بالركوع، وهذا هو الترتيب في أداء الصلاة، الركوع أولًا ثم يعقبه الرفع منه ثم السجود، وكلاهما يدلان على محض الخضوع والخشوع لله تعالى.

وجاء الركوع والسجود في آية واحدة مجتمعين؛ ولكن بتقديم السجود على الركوع، في قوله تعالى: {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي} [آل عمران: 43] .

فلم قدّم السجود هنا على الركوع؟

وللمفسرين في بيان سبب تقديم السجود على الركوع في هذه الآية أربعة أقوال، نبسطها لبيان الحكمة في ذلك:

القول الأول: الواو هنا للجمع لا للترتيب، وليس فيه دليل على المبدوء به.

فقدم السجود لفظًا، وهو مؤخر معنىً 67.

القول الثاني: أن السجود كان مقدمًا في شريعة زكريا عليه الصلاة والسلام وغيره من أنبيائهم.

قال المنتجب الهمذاني: «أي قيل لمريم: افعلي كليهما، وقد ثبت في الصدور واستقر في النفوس تقديم الركوع على السجود، والقوم -أي: العرب- إذا أمنوا اللبس تلعّبوا بألفاظهم، مع أن العطف عارٍ عن الترتيب» 68.

القول الثالث: أن الأمر ورد عامًا فيه حضٌّ على أفعال الخير، فكأنه قال: استعملي السجود في حال، واستعملي الركوع في حال، ولم يذهب إلى أنهما يجتمعان، ثم يقدّم السجود على الركوع، بل أراد العموم بالأمر على اختلاف الحالين.

قال ابن عطية رحمه الله: «وإنما المعنى: افعلي هذا وهذا، وقد علم تقديم الركوع -أي: في الصلاة- وهذه الآية أكثر إشكالًا من قولنا: قام زيد وعمرو؛ لأن قيام زيدٍ وعمروٍ ليس له رتبة معلومة، وهذه الآية قد علم أن السجود بعد الركوع، فكيف جاءت الواو بعكس ذلك؟» 69.

القول الرابع: أن مريم أمرت بفعلين ومعلمين من معالم الصلاة، هما طول القيام والسجود أولًا {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي} ، وخصّا بالذكر لشرفهما في أركان الصلاة؛ إذ العبد يقرب في وقت سجوده من الله تعالى، وهذان يختصان بصلاتها منفردة، وإلا فمن يصلي وراء إمام فليس يقال له: أطل قيامك!.

ثم أمرت بعد بالصلاة في الجماعة، فقيل لها: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، وقصد هنا معلمًا من معالم الصلاة؛ لئلا يتكرر اللفظ، ولم يرد بالآية السجود الذي هو منتظم في ركعة واحدة، والله أعلم 70.

ونقل ابن كثير رحمه الله قول الأوزاعي «أن مريم ركدت في محرابها راكعة ساجدة وقائمة حتى نزل الماء الأصفر على قدميها رضي الله عنها وأرضاها» 71.

وللفائدة: نذكر مقارنة أجراها الإمام ابن القيم، توضح لنا نقطة مهمة تعتبر سببًا من أسباب تقديم الركوع على السجود؟ أو تقديم السجود على الركوع؟ وذلك في الآيتين التاليتين:

الأولى: قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] .

ففيها ترتيب من الخاص إلى العام بين أربعة أشياء: أخصّها الركوع ثم السجود أعم منه، ثم العبادة أعم من السجود، ثم فعل الخير العام، المتضمن لما سبقه.

الثانية: قوله تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] .

ففيها ترتيب من العام إلى الخاص، فتقدّم السجود بسبب تقدّم القنوت الذي هو أعم منه، ولأن في السجود الدعاء القريب من القنوت ثم الركوع 72.

أولًا: ثمرات دنيوية على مستوى الفرد:

الغاية من خلق الإنسان بل الثقلين هي: توحيد الله عقيدة وعبادة.

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .

فعلى الإنسان المؤمن أن تكون عبادته وحياته ومماته كلها لله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، {لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} [الأنعام: 162 - 163] .

فخضوع الفرد في هذه الحياة الدنيوية لا ينبغي أن يكون إلا للخالق عز وجل وحده لا شريك له، فإننا نستطيع استخلاص الثمرات التي يحصل عليها الفرد المسلم في الركوع لمولاه دون سواه، وأهمها:

1.ثمرات إيمانية.

امتثال أمر الله بالركوع والخضوع تذللًا للمولى سبحانه وتعالى، وتعظيمًا له حسب التسبيح المأثور.

تحقيق معنى العبودية الخالصة لخالقه عزّ شأنه.

منح العزة الإيمانية التي تعطي المسلم الحياة الكريمة، بحيث لا يركع إلا لخالقه سبحانه.

استقلال شخصية العبد عن التبعية للآخرين ممن أشركوا وعبدوا غير الله تعالى.

حسن الركوع والخشوع من أسباب قبول الصلاة والتلذذ بالعبادة، وعن قتادة في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] : عليكم بحسن الركوع، فإن الصلاة من الله بمكان. وقال قتادة عن ابن مسعود: «أنه رأى رجلًا يصلي ولا يركع، وآخر يجرّ إزاره، فضحك، قال: ما يضحكك؟ قال: أضحكني رجلان؛ أما أحدهما فلا يقبل الله صلاته، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه» 73.

مغفرة الله لذنوب الراكعين الملتزمين بأوامره، وزيادة الإحسان إليهم.

قال سبحانه وتعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 58] .

وقوله: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 24 - 25] .

محبة الله للمصلين الراكعين الساجدين، حيث أمر الله إبراهيم مرة بتطهير بيته الحرام بمكة المكرمة، فقال: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] .

وأمر إبراهيم مع ولده إسماعيل مرة ثانية، فقال: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} ، [البقرة: 125] .

ثانيًا: ثمرات دنيوية على مستوى الجماعة:

كل الطاعات لله عز وجل لها فوائد وجني ثمارٍ يانعة على مستوى الفرد والجماعة، وقد ذكرنا سابقًا على مستوى الفرد، ونوجز هنا أهم الثمرات الدنيوية التي تستفيد منها الجماعة المسلمة، وهي:

1.الحث على صلة الفرد المسلم بإخوانه يوميًّا خمس مراتٍ، عن طريق أداء الصلاة مع الجماعة، قال تعالى: (ں ? ?) ، وقوله: (? ?) ، وقوله: (? ?) ، وقوله: (? ?) ، وقوله: (? ?) ، وقوله: (? ? ں) ، مما يجعل الجماعة في ترابط دائم وتعاضد مستمر في السراء والضراء.

2.الحث على ارتياد المساجد التي بنيت لأداء الصلاة والذكر وقراءة القرآن؛ مما يؤدي إلى إعمارها بجماعة المسلمين، وإبقاء دور المسجد في العبادة والعلم وجميع ما يلزم لأحوال المسلمين، قال تعالى: (ں ? ?) ، وقوله: (? ? ?) ، فإن (مع) تفيد وجوب أداء الصلاة بشهود الجماعة، وهذا يكون في المساجد 74.

3.تزكية الجماعة الراكعة لله تعالى بأنهم من عمّار بيت الله الحرام في مكة؛ لذا أمر الله خليله إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام بتطهير بيته المكرم لهم، فقال: (? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 125] 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت