قال تعالى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] .
قال الزمخشري: «وهذا أسلوب من الجحود بليغ، يعنى: إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر، ومرادهم نفي كونه حقًا، وإذا انتفى كونه حقًا لم يستوجب منكره عذابًا، فكان تعليق العذاب بكونه حقًا، مع اعتقاد أنه ليس بحق كتعليقه بالمحال في قولك: إن كان الباطل حقًا فأمطر علينا حجارة من السماء، فإن قلت: ما فائدة قوله: من السماء والأمطار لا تكون إلا منها؟، قلت: كأنهم يريدون أن يقولوا: فأمطر علينا السجيل وهي الحجارة المسومة للعذاب، فوضع حجارة من السماء موضع السجيل» 86.
وقال تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} [المعارج: 1] .
قال الألوسى: «قوله: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} أي: دعا داع به، فالسؤال بمعنى الدعاء، والمراد: استدعاء العذاب وطلبه، والسائل هو النضر بن الحارث- كما روى النسائي وجماعة وصححه الحاكم- حيث قال إنكارًا واستهزاءً: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ، وقيل السائل: أبو جهل، حيث قال: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} 87.
قال طنطاوي: «وعلى أية حال فسؤالهم عن العذاب، يتضمن معنى الإنكار والتهكم، كما يتضمن معنى الاستعجال، كما حكته بعض الآيات الكريمة، ومن بلاغة القرآن، تعدية هذا الفعل هنا بالباء، ليصلح لمعنى الاستفهام الإنكاري، ولمعنى الدعاء والاستعجال» 88.
ولما توعد الله عز وجل الكفار بالعذاب في الآخرة في قوله: {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس: 8] .
استعجلوا ذلك العذاب، وقالوا: متى يحصل ذلك كما قال تعالى: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا} [الشورى: 18] .
وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} [يونس: 50 - 51] .
والمعنى: أخبروني أيها الجاهلون الحمقى: أي دافع جعلكم تستعجلون نزول العذاب؟ سواء أكان بالليل أم بالنهار لا يمكن دفعه، ولا يمكن أن يتعجله عاقل، لأنه كما قال الزمخشري: «أن العذاب كله مكروه، مر المذاق، موجب للنفار منه، فكيف ساغ لكم أن تستعجلوا نزول شيء فيه هلاككم ومضرتكم؟!!» 89.
فالآية الكريمة توبيخ لهم على استعجالهم وقوع شيء من شأن العقلاء أنهم يرجون عدم وقوعه، ولذا قال القرطبي: «قوله: «ماذا يستعجل منه المجرمون» استفهام معناه التهويل والتعظيم، أي: ما أعظم ما يستعجلون به، كما يقال لمن يطلب أمرا تستوخم عاقبته: ماذا تجنى على نفسك؟!» 90.
وقال تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} [الرعد: 6] .
أي: أن هؤلاء المشركين بلغ بهم الحال في الطغيان، أنهم كانوا إذا هددهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعقاب الله إذا ما استمروا في كفرهم، سخروا منه، وتهكموا به وقالوا له على سبيل الاستهزاء: ائتنا بما تعدنا به من عذاب إن كنت من الصادقين 91.
قال طنطاوي: «والجملة الكريمة تحكي لونا عجيبا من ألوان توغلهم في الجحود والضلال، حيث طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم تعجيل العقوبة التي توعدهم بها، بدل أن يطلبوا منه الدعاء لهم بالسلامة والأمان والخير والعافية» 92.
وقال تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 53 - 54] .
يخبر الله تعالى عن جهل المشركين وحماقتهم في استعجالهم إيقاع عذاب الله بهم، ولولا كون العذاب محددا بوقت معلوم، ولولا ما حتم الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة؛ لجاءهم العذاب قريبًا سريعا كما استعجلوه، وسوف يأتيهم بالتأكيد فجأة، وهم لا يحسون بمجيئه، بل يكونون في غفلة عنه، ثم أكد تعالى طلبهم نزول العذاب بقوله: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} أي: يطلبون منك حدوث العذاب، وهو واقع بهم لا محالة، وإن جهنم ستحيط بهم من كل جانب 93.
يستطيع المرء أن يدفع العذاب عن نفسه من خلال أمور كثيرة، منها:
أولًا: التوبة:
التوبة مانع شامل يمنع من إنفاذ وعيد جميع الذنوب، الكفر فما دونه من المعاصي، فليس شيء يغفر الله به جميع الذنوب إلا التوبة النصوح.
قال الله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] .
قال الإمام الشوكاني: «واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله، لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولا: أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم، ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي، ثم عقب على ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة، ثم جاء بما لا يبقى بعده شك ولا يتخالج القلب عند سماعه ظن فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ} ثم لم يكتف بما أخبر به عباده من مغفرة كل ذنب، بل أكد ذلك بقوله: {جَمِيعًا} فيا لها من بشارة ترتاح لها النفوس، وما أحسن تعليل هذا الكلام بقوله: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} » 94.
وقال الله تعالى: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 39] .
أي: فمن تاب إلى الله عز وجل توبة صادقة من بعد ظلمه لنفسه بسبب إيقاعها في المعاصي التي من أكبرها السرقة وأصلح عمله بالطاعات التي تمحو السيئات فإن الله يتوب عليه أي: يقبل توبته، ويغسل حوبته، إن الله واسع المغفرة والرحمة ومن مظاهر ذلك أنه سبحانه فتح لعباده باب التوبة والإنابة، فالآية الكريمة ترغب العصاة من السراق وغيرهم في التوبة إلى الله، وفي الرجوع إلى طاعته حتى ينالوا مغفرته ورحمته 95.
وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل يبسط يده بالليل، ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار، ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) 96.
ثانيًا: الاستغفار:
قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110] .
أي: ومن يعمل عملًا سيئًا يؤذي به غيره، أو يظلم نفسه بارتكاب الفواحش، التي يعود معظم ضررها على نفسه كشرب الخمر، وترك فرائض الله التي فرضها على عباده ثم بعد كل ذلك يستغفر الله، فيتوب إليه توبة صادقة نصوحًا يجد الله بفضله وكرمه غفورًا رحيمًا 97.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) 98.
والاستغفار لا يمكن أن يمنع العذاب لمن مات على الشرك، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] .
والمعنى: إن الله لا يغفر لكافر مات على كفره، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصي لمن يشاء أن يغفر له إذا مات من غير توبة، فمن مات من المسلمين بدون توبة من الذنوب التي اقترفها فأمره مفوض إلى الله، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة 99.
ثالثًا: دعاء المؤمنين:
يسن للمؤمن الدعاء لإخوانه المؤمنين بالمغفرة والرحمة، وهذا يدل قطعًا على انتفاع المدعو له بدعاء إخوانه المؤمنين، واستغفارهم له.
قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19] .
قوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} أي: واستغفر أيها الرسول الكريم لذنوب أتباعك وأمتك، بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم، وهذا فيه تعليم للصحابة وللمؤمنين أن يدعوا لإخوانهم المؤمنين 100، وبهذا المعنى في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10] .
أي: يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واغفر لإخواننا في الدين الذين سبقونا بالإيمان فهم أسبق منا إلى الخير والفضل 101.
وعن عوف بن مالكٍ رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازةٍ، فحفظت من دعائه وهو يقول:(اللهم اغفر له وارحمه وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلا خيرًا من أهله وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر) قال: (حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت) 102.
وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ميتٍ تصلي عليه أمةٌ من المسلمين يبلغون مائةً، كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه) 103
والدعاء بالمغفرة والرحمة لا يجوز لمن لقي الله كافرًا، ولا يمنع إنفاذ وعيد الله فيه.
قال تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [المنافقون: 6] .
قال طنطاوي: «أي: إن هؤلاء الراسخين في الكفر والنفاق، قد استوى عندهم استغفارك لهم وعدم استغفارك، فهم لتأصل الجحود فيهم صاروا لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا يؤمنون بثواب أو عقاب، ولذلك فلن يغفر الله تعالى لهم مهما حرصت على هدايتهم وصلاحهم» 104.
وبهذا المعنى قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 80] .
رابعًا: وجود النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته:
قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] .
سبب نزول الآية: عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال أبو جهلٍ: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليمٍ، فنزلت الآية 105.
والمعنى: وما كان الله مريدًا لتعذيب هؤلاء الذين دعوا بهذا الدعاء الغريب تعذيب استئصال وإهلاك، وأنت مقيم فيهم- يا محمد- بمكة، فقد جرت سنته سبحانه ألا يهلك قرية مكذبة وفيها نبيها والمؤمنون به حتى يخرجهم منها ثم يعذب الكافرين، واللام في قوله: {لِيُعَذِّبَهُمْ} لتأكيد النفي، وللدلالة على أن تعذيبهم والرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة 106.
والشفاعة التي تمنع أو تخفف من العذاب وخصوصًا في الآخرة، وهي على ثلاثة أنواع:
1.الشفاعة العظمى.
وهي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف ليفصل الله بينهم، وهي المقام المحمود له، قال تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى? أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) [الإسراء: 79] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث الشفاعة، وفيه أن بعض الناس يقول: (ائتوا النبي صلى الله عليه وسلم فيأتوني فأسجد تحت العرش، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعطه) 107.
2.الشفاعة في أهل الجنة.
وهي ثلاثة أنواع:
3.الشفاعة لأهل الكبائر.
وهي نوعان:
فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (لكل نبيٍ دعوةٌ دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة) 108.
إذن فالشفاعة خاصة بأهل التوحيد ولا تكون للكفار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: (لقد ظننت، يا أبا هريرة، أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قبل نفسه) 109.
لا يخلو شيء في الوجود من حكمة لله عز وجل منه، وكذلك العذاب له حكم جليلة، منها:
أولًا: الفتنة والامتحان للمؤمنين والمحق للكافرين:
قال تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1 - 3] .
والمعنى: أظن الناس أن يتركوا بدون امتحان، واختبار، وابتلاء، وبدون نزول المصائب بهم؛ لأنهم نطقوا بكلمة الإيمان؟ إن ظنهم هذا ظن باطل، ووهم فاسد؛ لأن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فقط، بل هو عقيدة تكلف صاحبها الكثير من ألوان الابتلاء والاختبار، عن طريق التعرض لفقد الأموال والأنفس والثمرات، حتى يتميز قوي الإيمان من ضعيفه 110.
قال القرطبي: «والمراد بالناس قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، كسلمة بن هشام، وعياش بن ربيعة، والوليد بن الوليد فكانت صدورهم تضيق بذلك، وربما استنكروا أن يمكن الله الكفار من المؤمنين. قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده، اختبارًا للمؤمنين وفتنة 111.
قال ابن عطية: «وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال، فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود حكمها بقية الدهر» 112.
وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] .
«أظننتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان دون أن يصيبكم ما أصاب الذين سبقوكم من شدائد في الأنفس والأموال، ومن مخاوف أزعجتهم وأفزعتهم حتى بلغ الأمر برسولهم وبالمؤمنين معه أن يقولوا وهم في أقصى ما تحتمله النفوس البشرية من آلام: متى نصر الله؟!!» 113
ويأتي هذا الامتحان في شدته على قدر الإيمان، فعن سعد رضي الله عنه قال: (قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاءً: قال:(أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة) 114.
وكما أن العقاب يكون امتحان للمؤمنين، يكون في المقابل محق للكافرين قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141] .
قوله: {وَيَمْحَقَ} من المحق وهو محو الشيء والذهاب به، والمعنى: ولقد فعل سبحانه ما فعل في غزوة أحد، لكي يطهر المؤمنين ويصفيهم من الذنوب، ويخلصهم من المنافقين المندسين بينهم، ولكي يهلك الكافرين ويمحقهم بسبب بغيهم وبطرهم 115.
ثانيًا: تكفير الذنوب ورفع الدرجات للمؤمنين:
قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] .
الابتلاء عندما ينزل يكون للكفار محق وعذاب، وللمؤمنين الصابرين المحتسبين تكفير لذنوبهم ورفعة لدرجاتهم، والمعنى: ولنصيبنكم بشيء من الخوف وبشيء من الجوع، وبشيء من النقص في الأنفس والأموال والثمرات، ليظهر هل تصبرون أو لا تصبرون، فنرتب الثواب ورفع الدرجات على الصبر والثبات على الطاعة، ونرتب العقاب على الجزع وعدم التسليم لأمر الله عز وجل، وبهذا المعنى جاء قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه) 116.
وقد تصيب المؤمن المصيبة فترفع درجته في الآخرة إذا صبر واحتسب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل لتكون له المنزلة عند الله تبارك وتعالى فما يبلغها بعملٍ، فلا يزال يبتليه حتى يبلغه ذلك) 117.
ومن هذا الباب، المرض فقد يكفر الله ذنوب عبد بمرض يصيبه فعن جابر بن عبدالله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال: «ما لك؟ يا أم السائب أو يا أم المسيب تزفزفين؟» قالت: الحمى، لا بارك الله فيها، فقال: (لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد) 118.
إذًا فتعجيل العقوبة في الدنيا للعبد الصالح إنما هو خيرٌ له، فعليه ألا يقنط أو ينحرف عن الطريق لأن عذاب الآخرة أشد وأبقى بينما عذاب الدنيا مهما كانت شدته فإنه يزول بعد فترة أو تعقبه السعادة الأبدية بإذن الله تعالى، بشرط أن يكون صاحبه مؤمنًا صالحًا، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عليه ذنوبه حتى يوافيه يوم القيامة) 119.
ثالثًا: التحذير من التمادي في المعصية:
فتأتي مصائب الدنيا بمثابة إشارات وتنبيهات من الله تعالى للعبد أنه غارق في معصيته ويجب الرجوع قبل فوات الأوان كما قال الله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: 21] .
أي: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى الأهون والأقرب والأقل وهو عذاب الدنيا، عن طريق ما ننزله بهم من أمراض وأسقام ومصائب متنوعة، دون العذاب الأكبر أي: الأشد والأعظم والأبقى، وهو عذاب الآخرة، لعلهم يرجعون عما هم فيه من شرك وكفر وفسوق وعصيان 120.
وقال تعالى: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43] .
يؤكد الله تعالى الحض على التضرع فقال: فهلا تضرعوا إلينا خاشعين تائبين حين جاءهم بأسنا وظهرت بوادر العذاب، ولكن لم يفعلوا وقست قلوبهم، أي: ما رقت ولا خشعت، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فلم يعتبروا، وزين لهم الشيطان أفعالهم من الشرك والفجور والمعاندة والمعاصي، ووسوس لهم بأن يبقوا على ما كان عليه آباؤهم 121.