فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 2431

وذكر هذه الثلاثة؛ لأن النصارى جمعوا بينها، فعبدوا غير الله، وهو المسيح ابن مريم، وأشركوا به غيره، وذلك لأنهم يقولون: إنه ثالث ثلاثة، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، حيث كانوا يطيعونهم في التحليل والتحريم ومعصية الله، وكانوا يسجدون لأحبارهم، ولا معنى للربوبية إلا ذلك 35.

فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو أهل الكتاب إلى ما هو عليه حال المؤمنين من توحيد الله عز وجل ونبذ الشركاء في هذه المسائل، فإن المؤمنين عبوديتهم خالصه لله تعالى لا يرجون من طاعتهم إلا ابتغاء وجهه الكريم، وينزهونه عن الشريك، ولا يطيعون في معصيته أحدًا، ولا يسجدون إلا لله.

وقال تبارك وتعالى على لسان عباده المؤمنين مبينًا إخلاص ولائهم لله عز وجل: {قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) } [الفرقان: 18] .

قيل: إن السؤال موجه في الآية لعزير والملائكة وعيسى ابن مريم من العقلاء 36.

ويدخل في هذا السياق كل من عبد من دون الله من المؤمنين والصالحين على على مدى الزمان، فهم يبرؤون إلى الله ممن اتخذهم أربابًا من دون الله، ويقررون بأن والولاء لا يكون إلا لله ولاء طاعة وعبودية وانقياد.

وقال تعالى في شأن المؤمنين من الجن: {يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) } [الجن: 2 - 3] .

ففي الآية دلالة على أعظم ما في دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو: توحيد الله تعالى، ونبذ الشرك والمشركين، وقد آمنت الجن أن القرآن كلام الله، بسماعه مرة واحدة، في حين لم ينتفع كفار قريش، بسماعه مرات، مع كون الرسول صلى الله عليه وسلم منهم يتلوه عليهم بلسانهم، فالآية بينت أن الجن نفوا عن أنفسهم الإشراك بالله تعالى، ونزهوه تعالى عن اتخاذ الصاحبة والولد، وبذلك أثبتوا وحدانية الله وامتناع وجود شريك له ثم أثبتوا له القوة والعظمة، ونزهوه عن الحاجة والضعف باتخاذ الصاحبة والولد، شأن العباد الذين يتعاونون على أمور الحياة بالزوجة للسكن والألفة، وبالولد للمؤازرة والتكاثر والأنس 37.

وقد جاء في الكتاب العزيز كثير من الآيات التي ينزه المؤمنون بها ربهم عن الشركاء والأنداد، وهذا بيانها:

قال تعالى: {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) } [الكهف: 38] .

وقال تعالي: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) } [لقمان: 13] .

وقال تعالى: {تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) } [غافر: 42] .

خامسًا: براءة الله ورسله من المشركين:

قال تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) } [التوبة: 1] .

وقال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) } [التوبة: 3] .

لما كان المشركون بالله المصرون على شركهم من أعدى أعداء الله ورسوله، تبرأ سبحانه منهم وأمر رسوله أيضا بالتبرؤ منهم، ومن عهودهم ومواثيقهم، وإن أكدوها وغلظوها، فهذه براءة وإسقاط ذمة، ورفع أمان من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لما كان بين المؤمنين والمشركين من عهود ومواثيق، فلا هدنة بعد اليوم، وصار الحكم إما السيف، أو الإسلام فإن تابوا ورجعوا عن الكفر والشرك إلى الايمان والتوحيد فهو خيرٌ لهم، وإن أعرضوا عن الإسلام والإيمان وأصروا على الشرك والطغيان، فليسوا بمعجزي الله ولا غالبين جنده.

وقد أثنى الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز على إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين لتبرئهم من المشركين من قومهم، وجعلهم قدوة حسنة ومثلًا يحتذى به في توحيدهم لله عز وجل.

قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) } [الممتحنة: 4] .

وقد أرشد الله تبارك وتعالى المؤمنين إلى التأسي بإبراهيم ومن آمن معه، وجعلهم قدوة لهم في سيرتهم العملية التي كانت من هداية الله تعالى لهم، وهي البراءة من قومهم معبوداتهم ما داموا عابدين لها، ولما كان وعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار له وهو المشرك ليس من هذا الهدى، بل كان مسألة شاذة لها سبب خاص استثناها تعالى من التأسي به، فقال: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} 38.

روى البخاري في الصحيح بسنده قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(أي عم، قل: لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله) ، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) ، {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) } [التوبة: 113] 39.

ففي الحديث بيان لنهي الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم من الاستغفار للمشركين مهما تكن قرابتهم.

أما استغفار إبراهيم لأبيه فكما يبين السياق القرآني في قوله تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) } [التوبة: 114] .

حيث دعا إبراهيم أباه للإيمان وترك الأوثان، فوعده أبوه بأن يسلم، فقال إبراهيم: لأستغفرن لك إن أسلمت، باعتبار أن هاء الضمير في {إِيَّاهُ} تعود على إبراهيم، وقيل: إن الهاء تعود إلى الأب على اعتبار أن إبراهيم وعد أباه أن يدعو له ربه ويستغفر له رجاء إسلامه، ويدل على المعنى الثاني قراءة الحسن (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدةٍ وعدها أباه) ، فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله بموته على الكفر تبرأ منه وكف عن الدعاء له والاستغفار 40.

وقد جاء في السياق القرآني العديد من الآيات الكريمة التي تبين براءة الله ورسوله ورسله أجمعين من المشركين، فبراءة الله ورسوله من المشركين تستوجب خذلانهم في الدنيا وهزيمتهم ومهانتهم، وعذابهم في الآخرة والانتقام منهم.

أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بعبادته وتنزيهه عن كل الشركاء.

قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) } [النساء: 36] .

كما أمرهم سبحانه وتعالى أن يجعلوا له في نفوسهم من التعظيم والتنزيه ما لا يجعلوا لسواه، فأبى أكثر الناس إلا كفورًا، فأشرك من أشرك وحاد من حاد، ونتناول في هذا المبحث بعضًا من المطالب التي بين القرآن الكريم فيها وقوع بعض الناس في أنواع من الشرك، وبيانها فيما يأتي:

أولًا: الشرك في الاعتقاد:

راعى القرآن الكريم الفطرة البشرية، واعترف بمكوناتها ونزعاتها ورغباتها، والحب أمر فطري مغروس في النفس البشرية ومجبولة عليه، كحب الولد والمال والنساء.

قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [آل عمران: 14] .

لكنه مع ذلك بين أن هناك من المحبة ما هو أعظم وأفضل، وهي محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهي ثابتة في الكتاب.

قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) } [البقرة: 165] 41.

وجاءت هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن وحدانية الله تعالى، وتفرده بخلق السموات والأرض، وتسيير كل ما فيها في نظام واحد، يدل على قدرته ووحدانيته 42.

فمن كان هذا شأنه فهو الذي يستحق من عباده أن ينزهوه عن كل الشركاء والأنداد، في كل جانب من جوانب حياتهم، فلا يقدموا على محبته محبةً، فهو محبوب لذاته، ومحبوب لجميل عطائه وكريم إنعامه، لذا نرى السياق القرآني يعجب ممن يتخذون من أوثانهم وسادتهم التي يشركونها مع الله في الطاعة نظراء لله، فيجعلون لهذه الآلهة في قلوبهم نصيبًا من المحبة، كحب المؤمنين لله، ولكن حقيقة الأمر أن حب المؤمنين لله أشد وأصدق 43.

وقد توعد الله من ساوى بين الخالق والمخلوق في المحبة بالعذاب الأليم يوم القيامة، كما قضى بفسق من قدم محبة شيء من زينة الدنيا ومتاعها من مال وأهل وعشيرة وتجارة على حب الله.

قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [التوبة: 24] .

والذي نخلص إليه: أن الذين يعدلون أو يساوون في محبتهم لله تبارك وتعالى أي مخلوق، فقد أشركوه مع الله عز وجل، وأعطوه ما لا يستحقه من المحبة والإجلال 44.

قال ابن فارس: «الخاء والواو والفاء أصل واحد يدل على الذعر والفزع، يقال: خفت الشيء خوفا وخيفة» 45.

وقال الأصفهاني: «حقيقة خوف الله امتثال أمره» 46.

والخوف أمر فطري جبلت عليه النفس البشرية كما الحب، وأقر القرآني الكريم وجوده.

قال تعالى: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) } [النمل: 10] .

فالخوف عند توافر دواعيه، من فزع وحدوث خوارق وخلافه، مباح.

والخوف إذا اقترن معه التعظيم والخضوع والمحبة لغير الله، أو اقترن معه الاعتقاد بالنفع أو الضر من غير الله، أصبح خوفًا شركيًا مذمومًا 47.

وذلك من مفهوم قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) } [التوبة: 18] .

وقد بين علماء التفسير أن المقصود من خشية الله في الآية هو عبادته وتعظيمه دون سواه 48.

وقد ذم الله وعاب هذ الخوف إذا صرف لغيره، وأمر عباده المؤمنين بخشيته وقصر هذا الخوف لذاته سبحانه وتعالى والخضوع لسلطانه، وبين ذلك في كتابه العزيز.

قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) } [آل عمران: 175] .

وقوله: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) } [النحل: 51] .

وأثنى الله على عباده الذين أظهروا خوفهم من الله، وتحملوا في سبيل ذلك مشاق وتبعات التكاليف.

قال تعالى: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) } [المائدة: 28] .

أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعبادته والتوكل عليه في كتابه العزيز، فقال: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) } [هود: 123] .

أي: «قم بعبادته -وهي جميع ما أمر الله به مما تقدر عليه- وتوكل على الله في ذلك» 49.

فجعل التوكل على الله وحده هو ما يعين على صحة القيام بالتكاليف.

كما أمر عباده المؤمنين بالتوكل عليه وجعله من تمام الإيمان، فقال: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) } [آل عمران: 122] .

أي: «إن الألوهية من موجبات التوكل عليه تعالى، واللام في المؤمنين للجنس، فيدخل فيه الطائفتان دخولا أوليًا، وفيه إشعار بأن وصف الإيمان من دواعي التوكل وموجباته» 50.

ونهى عز وجل عباده المؤمنين عن اتخاذ غيره وليًا، فقال: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) } [الإسراء: 2] .

أي: «أن لا تتخذوا شريكا تلجؤون إليه، وقد عرف إطلاق الوكيل على الله في لغة بني إسرائيل» 51.

فجعل عز وجل الالتجاء إلى غيره سبحانه وتعالى اعتقادًا شركًا به، لذا نهى بني إسرائيل عن ذلك، والنهي هنا يشمل المؤمنين جميعًا، لأن ذلك من أصول العقيدة التي هي أصل التوحيد الذي شرعه الله للناس أجمعين.

وقد جعل التوكل من شروط صحة الإيمان بالله، فقال: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) } [المائدة: 23] .

أي: «إن التوكل الحق لا يكون إلا من قلب مذعن مؤمن بالله مخلص له، مجيب لما يأمر وينهى، ولذلك قرن التوكل بقوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} » 52.

وقد جاء الحديث عن التوكل في القرآن في قرابة سبعين آية من آياته في أربع وعشرين سورة مكية ومدنية، وذلك لمكانة هذه العبادة القلبية العظيمة وأثرها في حياة الأمة المسلمة.

وقد جاءت هذه الآيات الكريمة لتبين أن التوكل على الله عز وجل هو السمة المميزة للمؤمنين الصادقين، فالله لا يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أو عباده المؤمنين بأمر إلا ما فيه من الخير والرشاد ما يصلح حالهم وما فيه تمام إيمانهم، ففي الآية الأولى قرن عز وجل بين العبادة والتوكل.

والذي نخلص إليه: أن التوكل الذي هو عمل قلبي يجعل الإنسان يعتقد أن الضر والنفع معقود بهذا الوكيل، وذلك لا يكون إلا لله.

جعل سبحانه وتعالى الرياء في العمل إشراكًا به في العبادة ومنافيًا للتوحيد، فقال: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) } [الكهف: 110] .

فقوله عز وجل: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} أي: من كان يرجو ثوابه وجزاءه الصالح، {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} ، أي: موافقًا لشرع الله، {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل عند الله، لا بد أن يكون خالصا لله، صوابًا، على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث أن رجلًا قال: (يا رسول الله، إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني. فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا،. حتى نزلت هذه الآية: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} 5354.

فقد جاء الرد من العليم الحكيم قرآنًا يتلى إلى يوم القامة، شافيًا لكل من يريد أن يعرف الرياء، فهو إشراك بالله عز وجل، فمن يرغب عن الشرك في العمل فعليه تجريد عمله من كل الأهواء، وإخلاص نيته عن كل الشركاء.

ولما كان الرياء نقيض الإخلاص، وقد عاب الله الرياء، فقد أمر المؤمنين بإخلاص العبودية له، وجعل أهل العلم إخلاص النية لله الأساس لكل عمل.

قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) } [البينة: 5] .

وفي معنى قوله عز وجل: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} أي: «موحدين لا يعبدون سواه حنفاء على دين إبراهيم» 55.

وقد حذر الله عز وجل عباده المؤمنين من الرياء، وجعله من أعمال المنافقين.

قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) } [النساء: 142] .

فهذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة، إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى، فما بالك بغيرها من سائر الأعمال، إنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها، {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} فهذه صفة ظواهرهم، ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: {يُرَاءُونَ النَّاسَ} أي: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله بل إنما يشهدون الناس تقية من الناس ومصانعة لهم 56.

وهذا هو معنى الإشراك بالله تعالى في الطاعة والنية.

وقد قرن الله تبارك وتعالى بين النفاق وعدم الإيمان بالله فقال: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) } [النساء: 38] .

التطير صفة أعداء الرسل في كل زمانٍ ومكانٍ، فهي لم تكن موجودةً قبل الإسلام فحسب؛ بل استمرت معهم بعد الإسلام إذ تطيروا من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته.

وهذا يفهم من قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) } [النساء: 78] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت