أولًا: المعنى اللغوي:
القاف والراء والياء أصل صحيح يدل على الشيء المجموع، ومن هذا المعنى تطلق كلمة قرءٍ على الحيض وعلى الطهر، فهي من الأضداد، يقال: قرأت المرأة حيضةً أو حيضتين.
والقُرْءُ انقضاء الحيض، على قول البعض، وقال بعضهم: ما بين الحيضتين، والقارئ: الوقت، تقول: أَقْرَأَتِ الرِّيحُ: إذا دخلت في وقتها.
واستقرأ الجمل الناقة: إذا تاركها؛ لينظر ألقحت أم لا، وقرأت الشيء قرآنًا: جمعته، وضممت بعضه على بعض، وقرأت الكتاب قراءةً وقرآنًا، ومنه سمي القرآن؛ لأنه يجمع السور فيضمها 1.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
حاصل ما تم دراسته من تعريفات مصطلح القرآن الكريم هو أنه: كلام الله تعالى القديم، المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام، وهو غير مخلوق؛ إذ أنه جزء من صفة الذات العلية، وهو معجزٌ ببيانه، متعبدٌ بتلاوته، منقولٌ إلينا بالتواتر، مقروءٌ في المصاحف، مبدوء بسورة الفاتحة ومنتهٍ بسورة الناس 2.
وهذا التعريف شرحه على النحو الآتي:
(كلام الله تعالى القديم) : خرج منه أي كلام غير كلام الله تعالى من قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو غير ذلك، وهو قديم؛ إذ إنه أصيل من عند الله تعالى لا يعتريه نقص ولا مشكلة.
(المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم) : خرج منه أية شبهة تقول بأنه أنزل جملة واحدة، أو أنه مخلوق؛ لأنه نزل من الله تعالى إلى قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
(بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام) : ووساطة سيدنا جبريل عليه السلام تعني أن الكلمات القرآنية نزلت بأمر الله تعالى على لسان سيدنا جبريل عليه السلام، كما علمه الله تعالى.
(وهو غير مخلوق؛ إذ أنه جزء من صفة الذات العلية) : بيان سبب أنه غير مخلوق، وهو أن الكلام القرآني جزء من صفة الخالق، وليس منفكًّا عنه، وبالتالي فإن ما كان جزءًا من الخالق ليس مخلوقًا.
(وهو معجز ببيانه، متحدىً به، متعبدٌ بتلاوته) : خرج منه الحديث القدسي، أو أي قولٍ لله تعالى غير القرآن؛ لأن القرآن -وحده- هو المعجز والمتحدى به، وبالذات في وجهه الأصيل وهو البيان، والقرآن -وحده- دون غيره يتعبد به في التلاوة.
(منقول إلينا بالتواتر) : إن القرآن -وحده- دون غيره، هو الذي لا يقبل منه أية كلمة منه إلا إذا سمعتها الأمة عبر تواتر أجيال السند؛ إذ لا يكفي خبر الآحاد في النقل، ولو بوجه من وجوه أحكامه.
(مقروء في المصاحف) : من هذه الفقرة يتبين أن هناك فرقًا بين القرآن الذي هو كلام الله تعالى، وبين المصحف الذي هو الأوراق المكتوب فيها كلام الله تعالى، أي: القرآن، وعلى هذا فإنه لا يجوز أن يجمع القرآن؛ لأنه واحد، وفي المقابل فإنه يجوز أن يجمع المصحف؛ لأنه أوراق بداخلها القرآن.
(مبدوءٌ بسورة الفاتحة، ومنتهٍ بسورة الناس) : وفي هذا إشارة إلى أن القرآن الكريم يتكون من (114) سورة، تبدأ من سورة الفاتحة، وتنتهي إلى سورة الناس، وترتيب السور القرآنية على الراجح توقيفي، أما ترتيب الآيات فإنه بالإجماع توقيفي.
ويظهر أن معنى الجمع والضم في اللغة يتناسب مع ما سمي به القرآن؛ لأنه يجمع السور فيضمها، وهذه السور هي كلام الله عز وجل، بالتالي فالمعنى الاصطلاحي خص بأحد المعاني اللغوية للقرآن.
وردت مادة (قرأ) في القرآن الكريم (88) مرة، يخص موضوع البحث منها (68) مرة 3.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الاسم ... 68 ... {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} [البقرة:185]
وجاء القرآن في الاستعمال القرآني بمعنى: الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم 4.
الكتاب
الكتاب لغةً:
الحكم، ومنه قوله: كتاب الله، أي: حكم الله، وكتاب الله: القرآن 5.
الكتاب اصطلاحًا:
«الحجة الثابتة من جهة الله تعالى» 6، وقد وردت في القرآن بمعنى التوراة واللوح المحفوظ، والقرآن.
الصلة بين الكتاب والقرآن:
الكتاب هو كلمة تشمل القرآن الكريم وغيره، أما القرآن فهو تلك المعجزة الخالدة، أما إذا عرف الكتاب بـ (الـ) التعريف، فإنها تكون معهودةً على القرآن الكريم.
الكلام:
الكلام لغةً:
اسم جنسٍ يقع على القليل والكثير من الحديث 7.
الكلام اصطلاحًا:
«إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك بنحو من أنحاء الإظهار» 8.
الصلة بين الكلام والقرآن:
الكلام الذي ورد في الاصطلاح لا ينطبق على القرآن؛ لأن القرآن ليس مخلوقًا مع أنه كلام؛ ولذلك فإن كلام الله تعالى ليس ككلام البشر، فهو جزء من صفة الذات العلية، كما أن القرآن الكريم هو محل التدبر والاتعاظ، ولا يكون هذا في كلام البشر.
الذكر:
الذكر لغة:
مصدر ذكر الشيء يذكره ذِكرًا وذَكرًا، وأصل الذكر في اللغة التنبيه على الشيء، ومن ذكرك شيئا فقد نبهك عليه، وإذا ذَكَّرته فقد نبهته عليه 9.
الذكر اصطلاحًا:
قال ابن علان: «أصل وضع الذكر هو ما تعبدنا الشارع بلفظه مما يتعلق بتعظيم الحق والثناء عليه» 10.
الصلة بين الذكر والقرآن:
القرآن الكريم جزء من الذكر، وهو أشمل من الذكر في جزئية الإعجاز، والذكر أشمل من القرآن في جزئية أن كل ما تعبدنا الشارع بلفظه مما يتعلق بتعظيم الحق والثناء عليه، فيدخل فيه ما ورد في السنة المطهرة من النصوص الصحيحة الثابتة.
اختصاص الله سبحانه وتعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بآية من آياته كاف في الدلالة على نبوته قائم مقام معجزات من سواه من الأنبياء، جعله الله هداية لخلقه إلى كل خير، وهذا ما سنتناوله بالبيان فيما يأتي:
أولًا: القرآن الآية الشاهدة بالنبوة:
لما ابتعث الله رسله عليهم السلام إلى الناس يدعونهم إلى الحق ويهدونهم إليه أيدهم بآيات تدل على صدقهم كعصا موسى التي تنقلب حية، أو ناقة صالح التي أخرجت من الصخر 11، غير أن هذه الآيات المصدقات كانت محدودة بالزمان والمكان، والسبب في ذلك أن رسالات هؤلاء الأنبياء كانت رسالات لقومهم خاصة، وأن الحجة تقوم عليهم بمعاينتها ثم بنقل خبرها إليهم نقلا لا يدع مجالا للشك فيها عمن عاينها، على قرب عهدهم بها. ثم إن هذه المعجزات تتناسب مع ما برع فيه كل قوم؛ لتكون الحجة أبين وأقوم.
قال الباقلاني: «جرت سنة الله في ابتعاث رسله إلى خلقه؛ لتبصيرهم بعظمته وجمعهم على عبادته، أن يؤيدهم بأمور حسية تخالف السنن الكونية، وتشذ عن النواميس الطبيعية، وتكون من قبيل ما استحكم في زمانهم، وغلب على خاصتهم، وعظم في نفوس عامتهم؛ لتكون معجزة الرسول المرسل إليهم مفحمة لأعجب الأمور في أنظارهم، ومبطلة لأقوى الأشياء في حسبانهم؛ ولئلا يجد المبطلون متعلقا يتشبثون به، ولا سبيلا يتخذونه إلى اختداع الضعفاء؛ فقد أيد الله -جل جلاله- موسى -عليه السلام- وكان عصره عصر سحر، بفلق البحر، وانقلاب العصا حية تسعى، وانبجاس الحجر الصلد بعيون الماء الرواء. وأيد عيسى -عليه السلام- وكان عهده عهد طب، بإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين، وإحياء الموتى بإذنه» 12.
ولما بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، جعله الدرة الأخيرة في عقد النبوة، واللبنة المتممة لبنيانها؛ فهو النبي الخاتم الذي لا نبي بعده: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40] .
ولذلك وجب حفظ كتاب نبوته من التبديل، وهو الرسول الذي تعم رسالته الناس جميعًا: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] .
ولذلك وجب أن تظل معجزته الدالة على صدقه قائمة بينهم يعاينونها ويشهدونها فتقوم عليهم الحجة بها. وهذا الأمر نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء نبيٌ إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) 13.
فكانت معجزته صلى الله عليه وسلم عقلية لا حسية، ومستمرة لا آنية، ولذلك يبقى مفعولها دائمًا وتبقى الاستجابة لها مستمرة، قال السيوطي: «هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزة العقلية الباقية؛ ليراها ذوو البصائر، كما أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما من الأنبياء نبيٌ إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) .
قيل: إن معناه أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه.
وقيل: المعنى أن المعجزات الواضحة الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة، فيكون من يتبعه لأجلها أكثر؛ لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرًّا» 14.
وتجدر الإشارة إلى أنه عليه -الصلاة والسلام- قد جرت على يديه معجزات وخوارق كثيرة، غير أن الآية الوحيدة التي جعلت شاهدًا على صدقه ودليلًا على نبوته هي القرآن الكريم، فإنه سبحانه «لما أرسل رسوله محمدًا، صلى الله عليه وسلم، إلى الناس أجمعين، وجعله خاتم النبيين أيده بمعجزات حسية كمعجزات من سبقه من المرسلين، وخصه بمعجزة عقلية خالدة، وهى إنزال القرآن الكريم، الذى لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يستطيعوا ولم يقاربوا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا» 15.
وقد وقع التحدي بهذا القرآن للخلق جميعًا، وما زال قائمًا إلى يوم القيامة، لا يجد الناس له معارضًا، ولو بالجزء الأيسر منه «سورة لا تجاوز ثلاث آيات قصيرات من مثل سورتي العصر والكوثر» .
ولقد نصت الآيات نصًّا صريحًا على أن القرآن الكريم كاف في الدلالة وحده على صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 50 - 51] .
فقوله: {أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} .. جواب لقولهم {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ} أي: أو لم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحديتهم بأن يأتوا بمثله، أو بسورة منه فعجزوا، ولوا أتيتهم بآيات موسى وعيسى لقالوا: سحر، ونحن لا نعرف السحر 16، وفي الآية إخبار: «بأن الكتاب آية من آياته كاف في الدلالة قائم مقام معجزات غيره وآيات من سواه من الأنبياء» 17.
ويلاحظ أن التحدي بالقرآن الكريم تدرج بصفة تنازلية على مستويات:
-فتحدوا أولًا أن يأتوا بمثله: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) [الطور: 34] . «وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء وأمهلهم طول السنين فلم يقدروا» 18.
-ثم تحدوا أن يأتوا بعشر سور من مثله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ? قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [هود: 13] .
-ثم تحدوا أن يأتوا بسورة من عند أُمِّيٍّ مثله: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى? عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: 23] .
-ثم تحدوا أن يأتوا بسورة مثله: (. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ? قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [يونس: 38] .
قال الخازن: «أي: قل لهم يا محمد إن كان الأمر كما تقولون: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} يعني بسورة شبيهة به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم، فأنتم عرب مثلي في الفصاحة والبلاغة.
فإن قلت: قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} وقال سبحانه وتعالى هنا: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} فما فائدة ذلك وما الفرق بينهما؟
قلت: لما كان محمد صلى الله عليه وسلم أميًّا لم يقرأ ولم يكتب وأتى بهذا القرآن العظيم كان معجزًا في نفسه، فقيل لهم فأتوا بسورة من مثله يعني: مع إنسان أُمِّيٍّ مثل محمد صلى الله عليه وسلم يساويه في عدم الكتابة والقراءة 19.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} أي: فأتوا بسورة تساوي سور القرآن في الفصاحة والبلاغة، وهو المراد بقوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} يعني: أن السورة في نفسها معجزة، فإن الخلق لو اجتمعوا على ذلك لم يقدروا عليه، وهو المراد من قوله: {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} يعني: وادعوا للاستعانة على ذلك من استطعتم من خلقه {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 20.
وهذا التدرج في التحدي مبني على أن الآيات نزلت بهذا الترتيب، قال في الإتقان: «لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إليهم وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء، وتحداهم على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السنين، فلم يقدروا كما قال تعالى: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} ثم تحداهم بعشر سور منه في قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ} ثم تحداهم بسورة في قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} الآية ثم كرر في قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} ، الآية، فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن فقال: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} . هذا وهم الفصحاء اللد، وقد كانوا أحرص شيء على إطفاء نوره وإخفاء أمره، فلو كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها؛ قطعًا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه، بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى، فتارة قالوا: (سحر) وتارة قالوا: (شعر) وتارة قالوا: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} ؛ كل ذلك من التحير والانقطاع، ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم، وسبي ذراريهم وحرمهم واستباحة أموالهم، وقد كانوا آنف شيء وأشده حمية، فلو علموا أن الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه؛ لأنه كان أهون عليهم» 21.
أما ابن عطية فعنده أن التحدي بالعشر مبني على التوسيع عليهم في كونها مفتريات؛ بمعنى المضاهاة في اللفظ من غير الالتفات إلى المعنى، وعليه فلا حاجة لكون التحدي بالعشر وقع قبل التحدي بالسورة.
قال: «ووقع التحدي في هذه الآية -آية سورة هود- {بِعَشْرِ} ؛ لأنه قيدها بالافتراء، فوسع عليهم في القدر؛ لتقوم الحجة غاية القيام، إذ قد عجزهم في غير هذه الآية {بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} دون تقييد، فهذه مماثلة تامة في غيوب القرآن ومعانيه الحجة، ونظمه ووعده ووعيده وعجزوا في هذه الآية، بل قيل لهم: عارضوا القدر منه بعشر أمثاله في التقدير والغرض واحد، واجعلوه مفترى لا يبقى لكم إلا نظمه، فهذه غاية التوسعة، وليس المعنى عارضوا عشر سور بعشر؛ لأن هذه إنما كانت تجيء معارضة سورة بسورة مفتراة، ولا تبالي عن تقديم نزول هذه على هذه، ويؤيد هذا النظر أن التكليف في آية البقرة إنما هو بسبب الريب، ولا يزيل الريب إلا العلم بأنهم لا يقدرون على المماثلة التامة، وفي هذه الآية إنما التكليف بسبب قولهم: {افْتَرَاهُ} فكلفوا نحو ما قالوا، ولا يطرد هذا في آية يونس. وقال بعض الناس: هذه مقدمة في النزول على تلك، ولا يصح أن يعجزوا في واحدة فيكلفوا عشرًا، والتكليفان سواء، ولا يصح أن تكون السورة الواحدة إلا مفتراة، وآية سورة يونس في تكليف سورة متركبة على قولهم: افتراه، وكذلك آية البقرة وإنما ريبهم بأن القرآن مفترى.
قال: وقائل هذا القول لم يلحظ الفرق بين التكليفين في كمال المماثلة مرة، ووقوفها على النظم مرة» 22.
والحاصل أن القرآن الكريم قد أعلن أن معجزته الشاهدة بصدقه قائمة فيه، وقال للمعارضين: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] .
وأعلن أن إعجازه للخلق جميعا سيظل قائمًا مستمرًّا: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] .
ولا تعرف حجة أبلغ من هذه، ولا يعرف كتاب تحدى الناس على مر الزمن معلنًا عجزهم عن مضاهاته، بل مضاهاة الجزء اليسير منه.
ومن أعظم دلائل عظمته استغناؤه بذاته في الدلالة على صدقه من غير حاجة إلى شهادة غيره، ورغم أن التواتر حجة عقلية قاطعة عند العقلاء، إلا أن القرآن الكريم غير محتاج إليها في إثبات صدقه، وأنه تنزيل من حكيم حميد.
ثانيًا: هدايات القرآن الكريم:
القرآن الكريم كتاب الله الهادي إلى كل خير، وقد وصفته آياته بأن {فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} .
قال الرازي: «الهدى عبارة عن الدلالة، وقال صاحب الكشاف: الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية، وقال آخرون: الهدى هو الاهتداء والعلم. والذي يدل على صحة القول الأول وفساد القول الثاني والثالث أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبرًا في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء؛ لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهتداء محال، لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] .
أثبت الهدى مع عدم الاهتداء؛ ولأنه يصح في لغة العرب أن يقال: هديته فلم يهتد، وذلك يدل على قولنا» 23.
وعليه فالهداية بيان طريق الهدى بقطع النظر عن سلوك المهدي له أم لا، وتضمن القرآن الكريم لهدى واتصافه به ثابت له بقطع النظر عن استجابة الناس لذلك أم لا. وقد وقعت الهداية في القرآن الكريم بأربعة معان:
«الأول: الهداية التى عم الله بها كل مكلف من العقل والفطنة والمعارف الضرورية، بل عم بها كل شيء حسب احتماله، كما قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} .
الثاني: الهداية التى جعلت للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} .
الثالث: التوفيق الذى يختص به من اهتدى، وهو المعني بقوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} ، وقوله: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} .
الرابع: الهداية في الآخرة إلى الجنة، وهو المعنى بقوله: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} .
وهذه الهدايات الأربع مترتبة، فإن من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية، بل لا يصح تكليفه. ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة» 24.