فهرس الكتاب

الصفحة 2316 من 2431

فلا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواته، من جبن عن القتال، وزهد في الشهادة (بَلْ) قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم (أَحْيَاءٌ) في دار كرامته.

ولفظ: (ں يُرْزَقُونَ) يقتضي علوَّ درجتهم، وقربهم من ربهم، (عِنْدَ رَبِّهِمْ) من أنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه إلا من أنعم به عليهم، ومع هذا (?فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص.

فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم النعيم والسرور، وجعلوا (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ) أي: يبشر بعضهم بعضًا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا، (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور، (?يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ) أي: يهنئ بعضهم بعضًا، بأعظم مهنأ به، وهو: نعمة ربهم، وفضله، وإحسانه.

(وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، ما لا يصل إليه سعيهم. وفي هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعلى مكان عند ربهم، وفيه تلاقي أرواح أهل الخير، وزيارة بعضهم بعضا، وتبشير بعضهم بعضًا» 34.

والتأليف بين القلوب مقصد عظيم من المقاصد التي جاء بها القرآن الكريم، قال ابن عاشور رحمه الله معددًا المقاصد التي جاء بها القرآن والتي منها: «سياسة الأمة، وهو بابٌ عظيمٌ في القرآن، القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها، كالإرشاد إلى تكوين الجامعة بقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى? شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ?ڑ) [آل عمران: 103] 35.

بين القرآن أسباب تثبيت النعم أو زوالها، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يلي:

أولًا: أسباب التثبيت والزيادة:

قرن الله عز وجل في كتابه النعم بالشكر في مواضع من كتابه منها:

قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [النحل:114] .

أي: فاشكروا نعمة الله ولا تكفروها، فيحل بكم ما حل بأهل القرية المضروبة مثلًا 36.

وقوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَ?كِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6] .

أي: لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة، والتسهيل والسماحة 37.

وقوله تعالى في ثنائه على سليمان عليه السلام: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى? وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) [النمل:19] .

أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي، من تعليمي منطق الطير والحيوان، وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك 38، فسأل ربه التوفيق للقيام بشكر نعمته الدينية والدنيوية عليه وعلى والديه 39.

وشكره بصرف النعم في طاعة مسديها وموليها، ومقابلته منته بالاعتراف والعجز عن الشكر والاجتهاد في الثناء بها على الله، والنعم على الوالدين نعم على أولادهم وذريتهم؛ لأنهم لابد أن ينالهم منها ومن أسبابها وآثارها، خصوصًا نعم الدين، فإن صلاح الوالدين بالعلم والعمل من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم 40.

وقوله تعالى في ثنائه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه: (حَتَّى? إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى? وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ? إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [الأحقاف: 15] .

قال علي رضي الله عنه: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أسلم أبواه جميعًا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره، فأوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده 41، فطلب العون من الله على زيادة الإحسان إليهما بأن يلهمه الشكر على نعمه عليه وعلى والديه.

وقوله تعالى في معرض امتنانه على لوط عليه السلام ومن آمن معه بإنجائهم من قومهم الكفار: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ?33?إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ ? نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ?34?نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ? كَذَ?لِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ?35?) [القمر: 33 - 35] .

وقوله تعالى في مدحه لإبراهيم عليه السلام: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ? اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?121?) [النحل: 121] .

أي: قائمًا بشكر نعم الله عليه.

ولفظ الأنعم في الآية جمع قلة، ونعم الله تعالى على إبراهيم عليه السلام كانت كثيرة، فلم قال: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ) ؟

قال الرازي رحمه الله: «المراد أنه كان شاكرًا لجميع نعم الله إن كانت قليلة فكيف الكثيرة؟» 42.

فالشاكر على القليل يشكر إذا أتاه الكثير من باب الأولى، فاشكروا الله اقتداء به ليزيدكم.

ودلالة الاقتران بين النعم والشكر أن الشكر حافظ للنعم، كما قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ? وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ?7?) [إبراهيم: 7] .

قال تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ? ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) [النحل: 53] .

أي: «ما يكن بكم في أبدانكم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة، وفي أموالكم من نماء، فالله المنعم عليكم بذلك لا غيره؛ لأن ذلك إليه وبيده، فإذا أصابكم في أبدانكم سقم ومرض، وعلة عارضة، وشدة من عيش، فإلى الله تصرخون بالدعاء وتستغيثون به؛ ليكشف ذلك عنكم» 43.

قال السعدي رحمه الله: «أي: تضجون بالدعاء والتضرع؛ لعلمكم أنه لا يدفع الضر والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده» 44.

أمر الله نبيه وورثته من بعده بالتحدث بنعم الله عليه، فالتحدث بالنعم شكر لها.

قال تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: 11] .

أي: «انشر ما أنعم الله عليك بالشكر والثناء، والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكرٌ» 45.

قال ابن القيم رحمه الله: «في هذا التحديث قولان:

أحدهما: أنه ذكر النعمة والإخبار بها. وقول العبد: أنعم الله علي بكذا وكذا. أي: اذكر نعم الله عليك في هذه السورة من الإيواء مع اليتم، والهدى بعد الضلال، والإغناء بعد العيلة.

والقول الثاني: أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية: هو الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمة. قال مجاهد رحمه الله: هي النبوة.

وقال الزجاج رحمه الله: أي: بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله 46. والصواب: أنه يعم النوعين؛ إذ كلٌّ منهما نعمة مأمور بشكرها، والتحدث بها، وإظهارها من شكرها» 47.

والتحدث بالنعمة له ضوابط:

••أن يكون التحدث للثقة من الإخوان: عن بعض السلف قال: «إن التحدث بالنعمة تكون للثقة من الإخوان ممن يثق به» 48.

••تحري الإخلاص: «إن التحدث بالعمل يكون بإخلاصٍ من النية عند أهل الثقة، فإنه ربما خرج إلى الرياء وإساءة الظن بصاحبه» 49.

••التحدث ليقتدي به غيره: قال الفخر الرازي رحمه الله: «إلا أن هذا إنما يحسن إذا لم يتضمن رياءً، وظن أن غيره يقتدي به» 50.

••الإقرار بالمنعم بها، ونفي الندِّ والشريك له.

قال العلماء: «شكر النعمة عبارةٌ عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم» 51.

فالتصرف بالنعمة بلا بطر، وبلا استعلاء على الخلق، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والدنس والفساد، مما يزكي النفس، ويدفعها للعمل الصالح، وللتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها.

قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ) [القصص: 17] .

أي: بما جعلت لي من الجاه والعز والنعمة (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا) أي: معينًا (لِلْمُجْرِمِينَ) أي: الكافرين بك، المخالفين لأمرك 52. فهو عهد مطلق ألا يقف في صف المجرمين ظهيرًا ومعينًا.

قال في التفسير المنير: «أراد بمظاهرة المجرمين: إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته، وتكثير سواده، حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون، وإما بمظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له قتله» 53.

وقال ابن عاشور رحمه الله: «أراد بالمجرمين من يتوسم منهم الإجرام، وأراد بهم الذين يستذلون الناس ويظلمونهم» 54.

ومن صور استخدام النعمة فيما وهبت له: إظهار آثارها المقصودة منها: كإظهار النصر للحق بنعمة الشجاعة، وإغاثة الملهوفين بنعمة الكرم، وتثقيف الأذهان بنعمة العلم 55.

فالشكر سلوك عملي، قال تعالى آمرًا داود بالشكر العملي: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ? وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: 13] .

وظاهر القرآن والسنة: أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان 56.

ثانيًا: أسباب زوال النعم:

وبدارسة أسباب دوام النعم وازدياها قد تكفي لمعرفة زوالها أو نقصانها؛ لأن فقدان أسباب الزيادة والدوام هي أسباب لذهابها ونقصانها، ولكن لمزيد التأكيد والإيضاح نذكر بما يلي:

قال تعالى في وصف كفار قريش: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) [إبراهيم: 28] .

روى البخاري بسنده، عن عطاءٍ، سمع ابن عباسٍ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا) ، قال: هم كفار أهل مكة 57.

قال ابن كثير رحمه الله: «وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، ونعمةً للناس، فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار» 58.

وقال تعالى منكرًا على من أشرك في عبادة المنعم غيره: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) [العنكبوت: 67] .

أي: يؤمنون «بالأصنام والأنداد، ويسترون نعم الله عليهم ويضيفونها إلى غيره» 59.

وفي هذا المعنى ورد في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة ممتنًا عليه: (ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟) 60.

وقال تعالى في نكران الكافرين شكر نعمة الله عليهم: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) [النحل: 83] .

أي: ينكرون شكرها، فإن النعمة تقتضي أن يشكر المنعم عليه بها من أنعم عليه، فلما عبدوا ما لا ينعم عليهم فكأنهم أنكروها 61.

وقال تعالى موبخًا المشركين الذين يجازون النعمة بالشرك، بدل الشكر للمنعم المتفضل الوهاب: (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [النحل: 71] .

أي: «أفبنعمة الله التي أنعمها على هؤلاء المشركين من الرزق الذي رزقهم في الدنيا يجحدون بإشراكهم غير الله من خلقه في سلطانه وملكه؟» 62.

أخبر الله تعالى في كتابه عن حالة الإنسان وطبيعته، أنه حين يمسه ضُرٌّ، من مرض أو شدة أو كرب يدعوه ملحًّا في الدعاء؛ لتفريج ما نزل به، فلما كشف الله ضره وأزال مشقته نسي وعاد بربه كافرًا، ولمعروفه منكرًا.

قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ? قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ? إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ?8?) [الزمر: 8] .

وقال تعالى: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى? عِلْمٍ) [الزمر: 49]

والآيتان «تصوران أنموذجًا مكررًا للإنسان، ما لم تهتد فطرته إلى الحق، وترجع إلى ربها الواحد، وتعرف الطريق إليه، فلا تضل عنه في السراء والضراء. إن الضرَّ يسقط عن الفطرة ركام الأهواء والشهوات، ويعريها من العوامل المصطنعة التي تحجب عنها الحق الكامن فيها وفي ضمير هذا الوجود. فعندئذ ترى الله وتعرفه وتتجه إليه وحده، حتى إذا مرت الشدة وجاء الرخاء، نسي هذا الإنسان ما قاله في الضراء، وانحرفت فطرته بتأثير الأهواء، وقال عن النعمة والرزق والفضل: (ٹ ٹ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى? عِلْمٍ) قالها قارون، وقالها كل مخدوع بعلم أو صنعة أو حيلة يعلل بها ما اتفق له من مال أو سلطان، غافلًا عن مصدر النعمة، وواهب العلم والقدرة، ومسبب الأسباب، ومقدر الأرزاق» 63.

أخبر تعالى في كتابه عن طبيعة الإنسان أنه جاهل ظالم، حيث إذا أذاقه الله منه رحمة كالصحة والرزق، والأولاد، ونحو ذلك، ثم نزعها منه، فإنه يستسلم لليأس، وينقاد للقنوط، فلا يرجو ثواب الله، ولا يخطر بباله أن الله سيردها أو مثلها، أو خيرًا منها عليه، وأنه إذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسته، أنه يفرح ويبطر ويفخر بنعم الله على عباد الله، ويتكبر على الخلق، ويحتقرهم ويزدريهم، ويستثنى من ذلك المؤمنون بالله.

قال تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ? إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ?10?إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَ?ئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ?11?) [هود: 10 - 11] .

وقال سبحانه على لسان موسى عليه السلام لفرعون الذي استعمل نعم الله عليه من المال والسلطان في الإساءة لبني اسرائيل حيث جعلهم عبيدًا وخدمًا، يصرفهم في أعماله ومشاقِّ رعيته، (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ?17?قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ?18?وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ?19?قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ?20?فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ?21?وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ?22?) [الشعراء: 17 - 22] .

أولًا: ثمرات شكر النعمة في الدنيا:

الشكر والمزيد مقترنان لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد.

قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ? وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: 7] .

أي: «من اشتغل بشكر نعم الله زاده الله من نعمه، والشكر عبارةٌ عن الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة» 64.

وفي معنى الشكر قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: «الشكر: تصور النعمة وإظهارها .. والشكر ثلاثة أضرب: شكر القلب وهو تصور النعمة، وشكر اللسان وهو الثناء على المنعم، وشكر سائر الجوارح وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها.

قال تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ? وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: 13] .

وذكر (اعْمَلُوا) ولم يقل: اشكروا؛ لينبه على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر بالقلب واللسان وسائر الجوارح» 65.

وقال ابن القيم رحمه الله: «ومعاني الشكر ثلاثة أشياء: معرفة النعمة، ثم قبول النعمة، ثم الثناء بها. أما معرفتها: فهو إحضارها في الذهن، ومشاهدتها وتمييزها. فمعرفتها: تحصيلها ذهنًا، كما حصلت له خارجًا؛ إذ كثيرٌ من الناس تحسن إليه وهو لا يدري، فلا يصح من هذا الشكر، ثم قبول النعمة. قبولها: هو تلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها، وأن وصولها إليه بغير استحقاقٍ منه، ولا بذل ثمنٍ، بل يرى نفسه فيها كالطفيلي، فإن هذا شاهدٌ بقبولها حقيقةً، ثم الثناء بها. والثناء على المنعم، المتعلقٌ بالنعمة نوعان: عامٌّ، وخاصٌّ. فالعام: وصفه بالجود والكرم، والبر والإحسان، وسعة العطاء، ونحو ذلك. والخاص: التحدث بنعمته، والإخبار بوصولها إليه من جهته. كما قال تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: 11] » 66.

وقال أبو حيان رحمه الله: «لم يبين في الآية محلَّ الزيادة، فاحتمل أن يكون في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما، وجاء التركيب على ما عهد في القرآن من أنه إذا ذكر الخير أسند إليه تعالى. وإذ ذكر العذاب بعده عدل عن نسبته إليه فقال: (لَأَزِيدَنَّكُمْ ?) ، فنسب الزيادة إليه، وقال: (إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) ، ولم يأت التركيب: لأعذبنكم» 67.

ووعد الله بالمزيد حقيقة تطمئن إليها قلوب المؤمنين؛ لأنها وعد من الله صادق، فلابد أن يتحقق على أية حال.

«إن شكر النعمة دليل على استقامة المقاييس في النفس البشرية، فالخير يشكر؛ لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي في الفطرة المستقيمة، هذه واحدة، والأخرى أن النفس التي تشكر الله على نعمته، تراقبه في التصرف بهذه النعمة بلا بطر، وبلا استعلاء على الخلق، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والدنس والفساد. وهذه وتلك مما يزكي النفس، ويدفعها للعمل الصالح، وللتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها ويرضي الناس عنها وعن صاحبها، فيكونون له عونًا ويصلح روابط المجتمع، فتنمو فيه الثروات في أمان، إلى آخر الأسباب الطبيعية الظاهرة لنا في الحياة، وإن كان وعد الله بذاته يكفي لاطمئنان المؤمن، أدرك الأسباب أو لم يدركها، فهو حق واقع؛ لأنه وعد الله» 68.

قال الراغب رحمه الله: «وإتمام نعمته هو أن نعم الله تعالى ضربان: أحدهما موهوب، والآخر مكتسب، فالموهوب: كجودة الحفظ والفهم وصحة البدن والجاه، وكل ذلك لا يستحق بحصوله الحمد، ولا بفواته الذم، والمكتسب كالعلم والعمل الصالح المتوصل بهما إلى الثواب وهو الإيمان، وبه يستحق المدح والذم» 69.

وقال ابن عاشور رحمه الله: «إتمام النعمة: هو خلوصها مما يخالطها من الحرج، والتعب» 70.

قرن سبحانه النعمة بالتمام في مواضع من كتابه، مع اختلاف الإتمام حسب سياق الآيات كما يلي:

••الخروج من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) [المائدة: 3] .

••اختيار أكمل الشرائع لكم: قال سبحانه: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [البقرة: 150] .

••ببيان شرائع الدين ومنه التيمم، قال سبحانه: (وَلَ?كِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6] .

••بخلق ما تحتاجون إليه، قال تعالى: (كَذَ?لِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) [النحل: 81] .

••بإظهار دينك ونصرك على أعدائك، قال: (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) [الفتح: 2] .

وأصل النعمة: «الهداية لدينه بإرسال رسوله، وإنزال كتابه، ثم بعد ذلك النعم المتممات لهذا الأصل، لا تعد كثرة، ولا تحصر، منذ بعث الله رسوله إلى أن قرب رحيله من الدنيا، وقد أعطاه الله من الأحوال والنعم، وأعطى أمته، ما أتم به نعمته عليه وعليهم» 71.

وأعلى هذه النعم وأجلها الثبات على الإيمان والموت عليه، ثم دخول جنات النعيم.

قال سيد قطب رحمه الله: «ويقف المؤمن أمام إتمام نعمة الله على المؤمنين، بإكمال هذا الدين وهي النعمة التامة الضخمة الهائلة، النعمة التي تمثل مولد الإنسان في الحقيقة، كما تمثل نشأته واكتماله. فالإنسان لا وجود له قبل أن يعرف إلهه كما يعرفه هذا الدين له، وقبل أن يعرف الوجود الذي يعيش فيه كما يعرفه له هذا الدين، وقبل أن يعرف نفسه ودوره في هذا الوجود وكرامته على ربه، كما يعرف ذلك كله من دينه الذي رضيه له ربه» 72.

ومن النعم المتممة لنعمة الدين شعيرة التيمم.

قال تعالى: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6] .

أي: «لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة، والرأفة والرحمة، والتسهيل، والسماحة» 73.

قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله: «وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) بالجمع بين طهارة الأرواح وتزكيتها، وطهارة الأجساد وصحتها، فإنما الإنسان روحٌ وجسدٌ، لا تكمل إنسانيته إلا بكمالهما معًا، فالصلاة تطهر الروح، وتزكي النفس؛ لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتربي في المصلي ملكة مراقبة الله تعالى وخشيته لدى الإساءة، وحبه والرجاء فيه عند الإحسان، وتذكره دائمًا بكماله المطلق، فتوجه همته دائمًا إلى طلب الكمال. والطهارة التي جعلها الله تعالى شرطًا للدخول في الصلاة ومقدمةً لها، تطهر البدن وتنشطه؛ فيسهل بذلك العمل على العامل من عبادةٍ وغير عبادةٍ، فما أعظم نعمة الله تعالى على الناس بهذا الدين القويم، وما أجدر من هداه الله إليه بدوام الشكر له عليه!» 74.

ثانيًا: ثمرات شكر النعمة في الآخرة:

••الجزاء العظيم والثواب الكبير.

أعد الله سبحانه للشاكرين لنعمه جزاء عظيمًا، وثوابًا كبيرًا في الآخرة، فعندما يقوم الإنسان بحقوق النعمة من الإقرار والاعتراف بالنعمة، ومن شكر المنعم جل شأنه فإنه يضع نفسه حينذاك في المكان الذي يرضى فيه عنه ربه ومولاه، وينتظر فيه حسن الجزاء والمكافأة، وقد ورد في القرآن الكريم آيتان متتاليتان أن الله سبحانه يجزي الشاكرين على شكرهم.

قال تعالى: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ?143?وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ? أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى? أَعْقَابِكُمْ ? وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى? عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ? وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ?144?وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ? وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ? وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ?145?) [آل عمران: 143 - 145] .

والحديث في هاتين الآيتين عن شكر نعمة الله في الدين والهداية، وذلك باتباع شرع الله تبارك وتعالى، وإيثار الآخرة على الدنيا. والملاحظ أن الله سبحانه لم يذكر ما هو جزاؤه في الآخرة، ويغني عن ذلك وعد الله بالجزاء، فإنه جزاء وعد به أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.

والآية الثانية وإن نزلت في الجهاد، لكن حكمها عام في جميع الأعمال الحسنة، حيث قيل: إن الوعد بالجزاء الحسن المراد به المجاهدون من الشهداء وغيرهم، وقيل: جنس الشاكرين، وهم داخلون فيه دخولًا أوليًّا، وتصدير الجملة بالسين، وإبهام الجزاء للتأكيد، وللدلالة على فخامة الجزاء وعظمه 75.

وهذا الذي تضمنته الآيتان الكريمتان من الوعد الحسن للشاكرين بما يستحقون من الثواب، وإن كان المراد بهما الطائعين لله من المهاجرين والأنصار كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، إلا أن المراد كل الشاكرين، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب 76.

••رفع العذاب والنجاة.

قال تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ? وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) [النساء: 147] .

قال قتادة رحمه الله: «إن الله جل ثناؤه لا يعذب شاكرًا ولا مؤمنًا» 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت