فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 2431

الشفاعة

أولًا: المعنى اللغوي:

يقول ابن فارس رحمه الله: «الشين والفاء والعين أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين، والشفع خلاف الوتر» 1.

وهي مشتقة من الشفع الذي هو خلاف الوتر 2، يقال: شفع الشيء: ضم مثله إليه فجعل الوتر شفعًا 3.

وقال الزبيدي رحمه الله: «الشفاعة وهي: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، وشفع إليه: في معنى طلب إليه، وقال الراغب: الشفع: ضم الشيء إلى مثله، والشفاعة: الانضمام إلى آخر ناصرا له، وسائلا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة في القيامة، وقال غيره: الشفاعة: التجاوز عن الذنوب والجرائم، وقال ابن القطاع: الشفاعة: المطالبة بوسيلة أو ذمام، والشفعة، بضمتين: لغة في الشفعة في الدار والأرض» 4.

فأصل كلمة الشفاعة تدل على ضم الشيء إلى مثله، وهي مشتقة من الشفع الذي هو ضد الوتر. قال القرطبي: «فالشفاعة إذًا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك» 5.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال ابن الأثير رحمه الله: «هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم» 6، والمشفع الذي يقبل الشفاعة، والمشفع الذي تقبل شفاعته 7.

ويقول ابن عاشور رحمه الله: «الشفاعة: الوساطة في إيصال خيرٍ أو دفع شرٍ، سواءٌ كانت بطلبٍ من المنتفع أم لا» 8.

وقال القرطبي رحمه الله: «فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، وإيصال المنفعة إلى المشفوع له» 9.

فالشفاعة إذا لا تختص بدرء المفاسد فقط، وإنما هي شاملة لدرء المفاسد وجلب المصالح، في الدنيا في الأمور المشروعة، أو أمور الآخرة.

والعلامة ابن عثيمين رحمه الله يعرفها بقوله: الشفاعة في الاصطلاح: هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة 10.

جلب منفعة مثل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة بدخولها، ودفع مضرة مثل لمن استحق النار أن لا يدخلها 11.

ويمكن القول بأن الشفاعة اصطلاحًا هي التجاوز عن الذنوب والجرائم بين طرفين من أجل إيصال الخير، ودفع الشر إظهارًا لمنزلة الشفيع عند المشفع، والله أعلم.

وردت مادة (شفع) في القرآن الكريم (31) مرة 12.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 5 ... {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:255]

المصدر ... 13 ... {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ:23]

اسم الفاعل ... 2 ... {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) } [الشعراء:100]

الصفة المشبهة ... 10 ... {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) } [السجدة:4]

اسم ... 1 ... {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) } [الفجر:3]

الأصل في الشفع: ضم شيء إلى آخر، ومنه الشفاعة؛ لأن فيها انضمام واحدٍ إلى آخر ناصرًا له ومسائلًا عنه 13.

الوساطة:

الوساطة لغة:

مأخوذة من وسط الشيء، أي: ما بين طرفيه، فالوسيط: المتوسط بين المتخاصمين أو المتعاملين، وجمعه وسطاء 14.

يظهر لنا جليًا تعريف الشفاعة أنها بمعنى الوساطة، لكنها تكون بمعنى الشفاعة في الدنيا، وتكون بمعنى قول الله تبارك وتعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) } [النساء: 85] .

الوسيط قد يتوسط بأمر محمود فيه إحقاق حق، أو غير ذلك مما هو مشروع، فيكون بمعنى الشفاعة الحسنة، ويثاب على فعله، وقد يتوسط في أمر محرم، فهذا الفعل محرم، ويكون بمعنى الشفاعة السيئة.

الوساطة اصطلاحًا:

التوسط بين شخصين لقضاء حاجة، أو دفع مضرة.

الصلة بين الوساطة والشفاعة:

الشفاعة فيها يتوسط الشافع بين المستشفِع والمستشفَع، قال ابن عاشور رحمه الله: «والشفاعة: السعي والوساطة في حصول نفعٍ أو دفع ضرٍ، سواءٌ كانت الوساطة بطلبٍ من المنتفع بها أم كانت بمجرد سعي المتوسط، ويقال لطالب الشفاعة: مُسْتَشْفِعٌ، وهي مشتقةٌ من الشَفْع؛ لأن الطالب أو التائب يأتي وحده، فإذا لم يجد قبولًا ذهب فأتى بمن يتوسل به، فصار ذلك الثاني شافعًا للأول، أي: مصيره شفعًا» 15.

الوسيلة:

الوسيلة لغة:

الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسيل، و الوسائل، والتوسيل و التوسل واحد، يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة بالتشديد، و توسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه بعمل 16.

الوسيلة اصطلاحًا:

عرفها ابن كثير بقوله: والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود 17.

الصلة بين التوسل والشفاعة:

الشفاعة في حقيقتها وسيلة يتوصل بها المستشفِع إلى رضا المستشفَع، فالشفاعة صورة من صور التوسل.

الاستغاثة:

الاستغاثة لغة:

مصدر استغاث، وهو مأخوذ من الغوث بمعنى الإغاثة والنصرة عند الشدة 18.

الاستعاثة اصطلاحًا:

طلب الغوث في الشدائد والأزمات 19.

الصلة بين الاستغاثة والشفاعة:

الشفاعة والإغاثة يشتركان في أن كليهما معونة للطالب.

وردت الشفاعة في القرآن الكريم في آيات كثيرة بعضها تنص على إثباتها وأخرى بنفيها، فالشفاعة التي أثبتها الله تبارك وتعالى لأهل الإسلام من أهل التوحيد، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم سؤلًا في غاية الأهمية: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فأجاب عليه الصلاة والسلام: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو من نفسه) 20.

فأصل وقوع الشفاعة هو تحقيق التوحيد، ورضى الرب تبارك وتعالى عن الشافع والمشفوع له والمشفوع فيه.

قال الله تبارك وتعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .

وقال تعالى: {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3] .

قال ابن القيم رحمه الله: «والشفاعة التي أثبتها الله ورسوله هي الشفاعة الصادرة عن إذنه لمن وحده، والتي نفاها الله هي الشفاعة الشركية، التي في قلوب المشركين، المتخذين من دون الله شفعاء، فيعاملون بنقيض قصدهم من شفعائهم، ويفوز بها الموحدون» 21.

ويقول أبو جعفر الطبري رحمه الله: «من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم، إلا أن يخليه، ويأذن له بالشفاعة لهم، وإنما قال ذلك تعالى ذكره؛ لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى! فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السموات وما في الأرض مع السموات والأرض ملكا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي» 22.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع؛ لم يكن مستقلا بالشفاعة بل يكون مطيعا له، أي: تابعا له في الشفاعة، وتكون شفاعته مقبولة، ويكون الأمر كله للآمر المسئول، وقد ثبت بنص القرآن في غير آية: أن أحدًا لا يشفع عنده إلا بإذنه، كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .

وقال: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] .

وقال: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] .

وأمثال ذلك» 23.

فأهل السنة والجماعة يثبتون الشفاعة بشروطها، وهي: إذن الله تبارك وتعالى للشافع أن يشفع، ورضا الله تبارك وتعالى عن المشفوع له أن يشفع فيه، ثم إن الله تبارك وتعالى لا يرضى أن يشفع إلا لأهل التوحيد والسنة.

فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا) 24.

فدل هذا الحديث العظيم على إثبات الشفاعة لأهل التوحيد، وإن كان من أصحاب الذنوب، ولو كان من أهل الكبائر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة: إثبات الشفاعة لأهل الكبائر والقول بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وأيضا: فالأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة: فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم، وفيهم المؤمن والكافر، وهذا فيه نوع شفاعة للكفار» 25.

بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع لعمه أبا طالب، فأخرج إلى ضحضاح من نار، كما ثبت في الصحيح أنه قال: (نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) 26.

وخالف أهل الحق والسنة طائفة من أهل البدع في إثبات الشفاعة، كالمعتزلة والخوارج والرافضة، واستندوا في نفيهم الشفاعة على بعض الآيات، فهموها على غير مرادها، وهي التي تنفي الشفاعة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 48] .

وبقوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] .

وبقوله: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) } [المدثر: 48] .

وجواب أهل السنة أن هذا يراد به شيئان:

أحدهما: أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى في نعتهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) } إلى قوله: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) } [المدثر: 42 - 48] .

فهؤلاء نفي عنهم نفع شفاعة الشافعين؛ لأنهم كانوا كفارًا.

والثاني: أنه يراد بذلك نفي الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدع.

فأنكر الله هذه الشفاعة، فقال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .

وقال: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) } [النجم: 26] .

وقال عن الملائكة: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) } [الأنبياء: 26 - 28] .

وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] .

وقال تعالى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) } [الأنعام: 51]

فهذه الشفاعة التي أثبتها المشركون للملائكة والأنبياء والصالحين حتى صوروا تماثيلهم، وقالوا: استشفاعنا بتماثيلهم استشفاع بهم، وكذلك قصدوا قبورهم وقالوا: نحن نستشفع بهم بعد مماتهم ليشفعوا لنا إلى الله، وصوروا تماثيلهم، فعبدوهم كذلك، وهذه الشفاعة أبطلها الله ورسوله وذم المشركين عليها وكفرهم بها» 27.

وقال البيضاوي رحمه الله في قوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] : «وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار» 28.

ويمكن الرد على نفاة الشفاعة الخوارج والمعتزلة بإيجاز بالآتي:

أولًا: الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة المتواترة.

ثانيًا: إجماع سلف الأمة على إثبات الشفاعة، وتلقي أخبار الشفاعة بالقبول والإذعان، كما سيأتي في كلام القرطبي رحمه الله لاحقًا.

ثالثًا: أن أهل العلم جمعوا بين الآيات الواردة بإثبات الشفاعة والآيات الواردة بنفي الشفاعة بأن الآيات الواردة بنفي الشفاعة، والشفيع المراد بالشفاعة للكفار 29.

والشفاعة المنفية هي التي تطلب من الأصنام والأنداد والأموات الذين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًا.

قال القرطبي رحمه الله: «مذهب أهل الحق أن الشفاعة حق، وأنكرها المعتزلة وخلدوا المؤمنين من المذنبين الذين دخلوا النار في العذاب، والأخبار متظاهرة بأن من كان من العصاة المذنبين الموحدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين .... فعلمنا بهذه الجملة أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين، وقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} النفس الكافرة لا كل نفس» 30.

ثم إن ظاهر قوله تبارك وتعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] .

وقوله: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 123] العموم، أي: أن كل نفس يوم القيامة لا تنفعها شفاعة الشافعين، ولكن بالنظر إلى سياق الآيات يتبين أن المراد بالأنفس التي لا تنفعها الشفاعة هي الكافرة، التي أشركت وكفرت بخالقها تبارك وتعالى، والدليل على أن المراد من هذه الآية الكفار ما سبقها من آيات، والتي تبين أن المخاطب بها هم اليهود، قوله تبارك وتعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40] .

قال أبو جرير الطبري رحمه الله: «إن الله عز وجل خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها؛ لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل، وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه، وسيشفع لنا عنده آباؤنا، فأخبرهم الله جل وعز أن نفسا لا تجزي عن نفس شيئا في القيامة، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها حتى يستوفى لكل ذي حق منها حقه،، عن عثمان بن عفان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة) 31.

كما قال الله عز وجل: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء: 47] الآية، فآيسهم الله جل ذكره مما كانوا أطمعوا فيه أنفسهم من النجاة من عذاب الله مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق وخلافهم أمر الله في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عنده بشفاعة آبائهم وغيرهم من الناس كلهم، وأخبرهم أنه غير نافعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم والإنابة من ضلالهم، وجعل ما سن فيهم من ذلك إماما لكل من كان على مثل منهاجهم، لئلا يطمع ذو إلحاد في رحمة الله، وأن قوله: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله عز وجل» 32.

ومن الآيات ما كان المخاطب بها المؤمنون والنفي فيها عامًا؛ كقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) } [البقرة: 254] .

إلا أن هذا العموم مخصوص بأدلة صحيحة صريحة في العصاة أصحاب الكبائر، منها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) 33.

ويمكن أن يقال: إن الشفاعة المنفية هي الشفاعة التي لا يأذن الله فيها، أما التي يأذن الله بها، فهذه ليست منفية بل مثبتة.

أما قوله سبحانه: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87) } [مريم: 87] .

ففيها دليل على إثبات الشفاعة، وأنها ليست منفية بإطلاق، بل هي مشروطة بالإيمان، قال الإمام ابن جرير رحمه الله: «لا يملك هؤلاء الكافرون بربهم يا محمد، يوم يحشر الله المتقين إليه وفدًا الشفاعة، حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض عند الله، فيشفع بعضهم لبعض {إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ} في الدنيا {عَهْدًا} بالإيمان به، وتصديق رسوله، والإقرار بما جاء به، والعمل بما أمر به» 34.

ومن الآيات ما تثبت الشفاعة وتشترط شرطين هما: إذن الله تبارك وتعالى عن الشافع، والمشفوع فيه، كما تقدم في الكلام السابق.

وأخبر الله تبارك وتعالى أن الكفار الذين يعبدون الأوثان والأحجار ويأملون أن يشفعوا لكم، بأن ما يعبدون لا يملكون الشفاعة أصلًا، فقال سبحانه: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) } [الزخرف: 86] .

والذي شهد بالحق هم أهل التوحيد.

وحكى الله تبارك وتعالى قول المشركين وهم في النار خالدون، كيف يتحسرون ويتندمون على ما فرطوا، فلا إيمان ينجيهم، ولا عمل يخلصهم، ولا شافع يشفع لهم، ولا صديق ينقذهم، فتقطعت بهم السبل، وأحاط بهم اليأس، فقال: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) } [الشعراء: 100 - 101] .

فالشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وما كان ظاهره النفي فإنه محمول على نفي الشفاعة للكفار والمشركين، وكذلك التي لا تتحقق فيها شروط الشفاعة، وهي رضى الله للشافع بالشفاعة ورضى الله عن المشفوع له.

الشفاعة في الدنيا على نوعين:

أولًا: شفاعة مباحة:

هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، فمثلًا: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الموقف أن يقضى بينهم، هذه شفاعة بدفع مضرة، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها بجلب منفعة 35.

فهي باختصار: الشفاعة عند الآخرين لتخليص الحقوق أو دفع المظالم ودرئها، أو نحو ذلك من الحاجات المباحة.

وقد ورد في الشرع الحنيف ما يبين إباحة مثل هذا العمل وجوازه؛ كقوله تبارك وتعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) } [النساء: 85] .

قال ابن كثير رحمه الله: «وقوله: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} أي: من سعى في أمر، فترتب عليه خير، كان له نصيب من ذلك {وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} أي: يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اشفعوا، تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء) 36.

وقال مجاهد بن جبر: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض.

وقال الحسن البصري: قال الله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ} ولم يقل: من يشفع» 37.

وروي عن مجاهد في قوله: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً} قال: «شفاعة بعض الناس لبعض» 38.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الشفاعة الحسنة هي الإصلاح بين الناس، والشفاعة السيئة هي المشي بالنميمة بين الناس» 39.

وبين الإمام ابن القيم رحمه الله أن كل من أعان غيره على أمر بقول أو فعل فقد صار شفيعًا له، فقال: «وكل من أعان غيره على أمر بقوله، أو فعله فقد صار شفيعًا له، والشفاعة للمشفوع له هذا أصلها، فإن الشافع يشفع صاحب الحاجة فيصير له شفعًا في قضائها لعجزه عن الاستقلال بها، فدخل في حكم هذه الآية كل متعاونين على خير أو شر بقول أو عمل» 40.

وتستحب الشفاعة عند ولاة الأمور وغيرهم من أصحاب الحقوق المتوفرة فيهم الشروط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت