فهرس الكتاب

الصفحة 1358 من 2431

الغضب

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «الغين، والضاد، والباء، أصل صحيح يدل على شدة وقوة. يقال: إن الغضبة: الصخرة الصلبة. قالوا: ومنه اشتق الغضب، لأنه اشتداد السخط» 1.

وعرف ابن منظور الغضب: بأنه «نقيض الرضا» 2.

يقال: رجل غضوب: شديد الغضب. والغضوب: الحية الخبيثة. والغضوب: الناقة العبوس. والمغضوب: الذي ركبه الجدري، فإذا غطى الجدري جلد المجدور، قيل: أصبح جلده غضبة واحدة. والغضابي: الكدر في معاشرته، مأخوذ من الغضاب، وهو: القذى في العينين 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي

اختلفت عبارات العلماء في تعريف الغضب، لكنها جميعًا تدور حول فكرة واحدة ومعنى واحد، وهي تتقارب كثيرًا مع معنى هذه اللفظة في معاجم اللغة.

فقد عرفه الغزالي بأنه: «غليان دم القلب بطلب الانتقام» 4.

وعرفه الثعالبي بأنه: «غليان القلب بسبب ما يؤلم» 5.

وقال الجرجاني: «الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب ليحصل عنه التشفي للصدر» 6.

وقد عرف الطبري رحمه الله غضب الله بأنه: «إحلال عقوبته بمن غضب عليه، إما في دنياه وإما في آخرته» 7.

وردت مادة (غضب) في القرآن الكريم (24) مرة 8.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 18 ... يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الممتحنة:13]

المصدر ... 14 ... {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) } [البقرة:90]

اسم الفاعل ... 1 ... {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء:87]

اسم المفعول ... 1 ... {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } [الفاتحة:7]

الصفة المشبهة ... 2 ... {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه:86]

وجاء الغضب في القرآن الكريم بمعناه اللغوي الدال على ثوران دم القلب وإرادة الانتقام، وإذا أضيف إلى الخالق سبحانه فهو صفة له لائقة بذاته سبحانه، ومن لوازمها الانتقام والعقاب 9.

السخط:

السخط لغة:

الكراهية للشيء، وعدم الرضا به 10.

السخط اصطلاحًا:

الغضب الشديد المقتضي للعقوبة 11.

الصلة بين السخط والغضب:

الغضب يكون من الصغير على الكبير ومن الكبير على الصغير، والسخط لا يكون إلا من الكبير على الصغير 12.

الانتقام:

الانتقام لغة:

أصل هذه المادة يدل على إنكار شيءٍ وعيبه، يقال: لم أرض منه حتى نقمت وانتقمت، إذا كافأه عقوبةً بما صنع. والنقمة العقوبة، وانتقم الله منه أي: عاقبه 13.

الانتقام اصطلاحًا:

هو إنزال العقوبة مصحوبًا بكراهية تصل إلى حد السخط 14.

والمنتقم «هو المبالغ في العقوبة لمن يشاء. وهو مفتعل من نقم ينقم إذا بلغت به الكراهة حد السخط» 15.

الصلة بين الانتقام والغضب:

الانتقام له صلة بالغضب؛ لأن الغضبان يتوق إلى الانتقام ممن يغضب منه غالبًا.

الغيظ:

الغيظ لغةً:

الغيظ: الغضب، وقيل: هو أشد من الغضب، وقيل: هو سورته وأوله 16.

الغيظ اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، قال الأصفهاني: الغيظ: أشد الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه 17.

الصلة بين الغيظ والغضب:

قال ابن دريد: «الغيظ فوق الغضب؛ وقد فصل قومٌ من أهل اللغة بين الغيظ والغضب فقالوا: الغيظ أشد من الغضب؛ وقال قوم: الغيظ سورة الغضب وأوله» 18.

وقال أبو هلال العسكري في التفريق بين الغيظ والغضب: «الإنسان يجوز أن يغتاظ من نفسه ولا يجوز أن يغضب عليها، وذلك أن الغضب إرادة الضرر للمغضوب عليه ولا يجوز أن يريد الانسان الضرر لنفسه، والغيظ يقرب من باب الغم» 19.

أولًا: غضب الله سبحانه وتعالى:

الغضب صفة من صفات الفعل الثابتة لله عز وجل على الوجه اللائق به 20.

يقول الشنقيطي: «اعلم أن الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، تظهر آثارها في المغضوب عليهم. نعوذ بالله من غضبه جل وعلا. ونحن معاشر المسلمين نمرها كما جاءت؛ فنصدق ربنا في كل ما وصف به نفسه، ولا نكذب بشيء من ذلك مع تنزيهنا التام له جل وعلا عن مشابهة المخلوقين سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا» 21.

وهذه الصفة ثابتة لله عز وجل بالكتاب والسنة.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [المجادلة: 14] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [الممتحنة: 13] .

وثبت في حديث الشفاعة الطويل عندما يفزع الناس إلى الأنبياء، يطلبون منهم الشفاعة، فكل نبي يأتونه يقول لهم: (إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله) 22.

وما رواه ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: (اشتد غضب الله على من قتله النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل الله اشتد غضب الله على قومٍ دموا وجه نبي الله صلى الله عليه وسلم) 23.

وذكر شيخ المفسرين أقوال العلماء في إسناد الغضب إلى الله تعالى، فقال: «واختلف في صفة الغضب من الله جل ذكره. فقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من خلقه، إحلال عقوبته بمن غضب عليه، إما في دنياه وإما في آخرته، كما وصف به نفسه جل ذكره في كتابه فقال: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف: 55] .

وكما قال: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} [المائدة: 60] .

وقال بعضهم: غضب الله على من غضب عليه من عباده، ذمٌ منه لهم ولأفعالهم، وشتمٌ لهم منه بالقول. وقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم كالذي يعرف من معاني الغضب، غير أنه وإن كان كذلك من جهة الإثبات، فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم. لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي هي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها» 24.

ومعظم الآيات القرآنية التي تحدثت عن الغضب أسندت الغضب إلى الله عز وجل كما بينا سابقًا، كما في قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112] .

قال الآلوسي: «وباؤا بغضب من الله؛ أي نزلوا وتمكنوا بما حل بهم من البلاء والنقم في الدنيا، أو بما تحقق لهم من العذاب في العقبى، أو بما كتب عليهم من المكاره فيهما، أو رجعوا بغضب أي: صار عليهم، ولذا لم يحتج إلى اعتبار المرجوع إليه أو صاروا أحقاء به أو استحقوا العذاب بسببه وهو بعيد. وأصل البواء بالفتح والضم، مساواة الأجزاء ثم استعمل في كل مساواة فيقال: هو باء فلان أي كفؤه، ومنه بؤ لشسع نعل كليب وفي وصف الغضب بكونه من الله تعالى تعظيم لشأنه بعد تعظيم وتفخيم بعد تفخيم» 25.

ثانيًا: غضب الإنسان:

«الغضب من شيم بني آدم، فلا يذم، ولا يمدح إلا من جهة آثاره ومقاصده» 26.

ومعنى ذلك: أن الغضب ظاهرة انفعالية وعاطفة شعورية طبيعية لدى الإنسان، وهو صحي إذا تم توجيهه بالطريقة الصحيحة، ولم يحصل فيه خروج عن ضوابط الشرع والعقل. ولكن عند فقدان السيطرة والقدرة على التحكم، يصبح الغضب مدمرًا ومؤديًا إلى مشاكل جمة في العلاقات الإنسانية.

قال ابن منظور: «قال ابن عرفة: الغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم ومنه محمود ومذموم، فالمذموم ما كان في غير الحق، والمحمود ما كان في جانب الدين والحق، وأما غضب الله فهو إنكاره على من عصاه فيعاقبه» 27.

ومن هنا فإن الغضب المتعلق بالإنسان ينقسم إلى قسمين 28:

الأول: الغضب المذموم.

وهو الغضب الدنيوي، الذي يكون في غير الحق. وإنما يكون لهوى النفوس، يتجاوز فيه العبد بقوله، فيشتم ويقذف، ويجرح الآخرين بكلمات مؤذية، ويتجاوز فيه بفعله، فيضرب ويتلف أموال الآخرين وأملاكهم.

وإذا أطلق الغضب فإنما يطلق على هذا النوع في الأغلب الأعم، لهذا حذر منه الإسلام أيما تحذير، واعتبره أساس كل مصيبة وبليه، وسببًا لجلب الدمار والخراب، والقتل والأعمال العدوانية.

فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: (إن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني: قال:(لا تغضب) ، فردد مرارًا قال: (لا تغضب) 29.

وروى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما (أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يباعدني من غضب الله عز وجل؟ قال:(لا تغضب) 30.

وقد أشارت الآيات القرآنية إلى هذا النوع من الغضب، في سياق الحديث عن صفات المؤمنين، الذين يتصفون بالعفو والمسامحة، ولا يجعلهم الغضب يظلمون الآخرين ويتجاوزون في العقوبة.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37] .

«يعني: إذا غضبوا على أحد يتجاوزون ويكظمون الغيظ» 31.

ففي هذه الآية يمدح الله عز وجل عباده المؤمنين الذين «من شيمتهم المغفرة عند الغضب؛ أي: إمساك أنفسهم عن الاندفاع مع داعية الغضب فلا يغول الغضب أحلامهم» 32.

وقريب من هذا المعنى ما جاء في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .

الثاني: الغضب المحمود.

وهو الذي يكون لله، ومن أجل الله، وإذا انتهكت محارم الله. ويكون للحق إذا اعتدي على الإنسان بدون وجه حق على ماله، أو نفسه، أو عرضه، أو ولده. فهذا الغضب يكون مستساغًا شرعًا، وقد يكون واجبًا، لكن يجب أن يتصرف أثناء غضبه هذا بحدود دينه، وبما يوافق الحق والعدالة.

قال ابن حبان: «والخلق مجبولون على الغضب والحلم معا فمن غضب وحلم في نفس الغضب فإن ذلك ليس بمذموم ما لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل» 33.

ويقول صاحب الظلال: «الغضب انفعال بشري ينبع من فطرته. وهو ليس شرا كله. فالغضب لله ولدينه وللحق والعدل غضب مطلوب وفيه الخير. ومن ثم لا يحرم الغضب في ذاته ولا يجعله خطيئة. بل يعترف بوجوده في الفطرة والطبيعة، فيعفي الإنسان من الحيرة والتمزق بين فطرته وأمر دينه. ولكنه في الوقت ذاته يقوده إلى أن يغلب غضبه، وأن يغفر ويعفو، ويحسب له هذا صفة مثلى من صفات الإيمان المحببة. هذا مع أنه عرف عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه لم يغضب لنفسه قط، إنما كان يغضب لله، فإذا غضب لله لم يقم لغضبه شيء. ولكن هذه درجة تلك النفس المحمدية العظيمة لا يكلف الله نفوس المؤمنين إياها. وإن كان يحببهم فيها. إنما يكتفي منهم بالمغفرة عند الغضب، والعفو عند القدرة، والاستعلاء على شعور الانتقام، ما دام الأمر في حدود الدائرة الشخصية المتعلقة بالأفراد» 34.

وغضب الأنبياء عليهم السلام من هذا القسم المحمود، فقد كانوا لا ينتقمون لحظوظ أنفسهم، وإنما يغضبون حين تنتهك محارم الله، وهذا ما تدل عليه الآيات القرآنية التي أسندت الغضب لموسى ويونس عليهما السلام. وفيما يلي بيان ذلك:

1.غضب موسى عليه السلام.

ذكر القرآن الكريم انفعال موسى عليه السلام وغضبه الناتج عن عبادة قومه للعجل في موضعين اثنين:

قال تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 150] .

وقال تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي} [طه: 86] .

ففي هذين الموضعين بين الحق سبحانه وتعالى أن السبب الذي أدى إلى انفعال الغضب عند موسى عليه السلام، هو اتخاذ قومه عجلًا يعبدونه ويعكفون عليه، وهذا الغضب من القسم المحمود الذي يؤجر عليه فاعله، ولا يلام عليه، وليس مخطئًا فيه «فغضب موسى عليه السلام إنما هو لله، وغيرة على دين الله، ورفضًا للباطل والمنكر، والكفر والضلال، وهو مأجور على هذا الغضب» 35.

2.غضب يونس عليه السلام.

ذكر القرآن الكريم غضب يونس عليه السلام في سورة الأنبياء في قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .

فقد غضب يونس عليه السلام من قومه، فحين دعاهم إلى الله تعالى وحذرهم من غضبه وعقابه، أبوا الاستجابة لدعوته، وأصروا على كفرهم وعنادهم، وتمردهم وطغيانهم، فتوعدهم بالعذاب، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم 36.

وقوله تعالى: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} اختلف أهل التفسير فيها على أقوال ثلاثة هي:

القول الأول: مغاضبًا بمعنى: غضبان، وهو من المفاعلة التي لا تقتضي اشتراكًا، نحو قولك: عاقبت اللص، وسافرت، وشارفت الأمر. وكأنه استعمل هنا للمبالغة. وغضبه كان على قومه «لشدة شكيمتهم وتمادي إصرارهم مع طول دعوته إياهم» 37. وهذا الذي رجحه ابن الجوزي 38، والآلوسي 39.

القول الثاني: مغاضبًا بمعنى: مغاضبًا لقومه، أغضبهم بمفارقته وتخوفهم حلول العذاب، وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه، فأوعدهم بالعذاب. وهي من المفاعلة التي تقتضي اشتراكًا. وهذا الذي رجحه الزمخشري 40، والقاسمي 41. ومن المعاصرين الشعراوي 42، والدكتور فضل عباس 43.

القول الثالث: مغاضبًا بمعنى: مغاضبًا لربه، أي: مغاضبًا من أجل ربه. كما تقول غضبت لك، أي: من أجلك. والمؤمن يغضب لله عز وجل إذا عصي. وهذا قول ابن مسعود من الصحابة، وقول الحسن وابن جبير من التابعين، وهو القول الذي رجحه الطبري 44، والقرطبي 45.

ويمكن الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة على النحو التالي: إن يونس عليه السلام غضب من عدم استجابة قومه لدعوة الله. فكان غضبه لله، ومن أجل الله، وحصل بينه وبين قومه مغاضبة بسبب توعده لهم بالعذاب، وخرج من عند قومه وهو غضبان. ففسر كل فريق كلمة مغاضبا من خلال غضب يونس عليه السلام في مراحله الثلاث. عند مناظرة قومه، وعند خروجه من عندهم، وعند عدم أخذه الإذن من الله في الخروج.

وهذا الموضع بين أن غضب يونس عليه السلام كان لله، وكرهًا وبغضًا لعبادة الأصنام التي أصر عليها قومه. كما بين خطأ يونس عليه السلام في سرعة خروجه من عند قومه دون إذن من ربه. ولذا طلب المغفرة من ربه قائلا: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} . وهذا الخروج السريع ليونس عليه السلام عجل من توبة قومه، ورجوعهم إلى الله سبحانه. فما إن خرج يونس عليه السلام مغضبًا من عند قومه، وتحققوا أن العذاب واقع بهم لا محالة، «خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم، وأنعامهم، ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها. ثم تضرعوا إلى الله عز وجل وجأروا إليه» 46.

بالنظر في الآيات القرآنية التي أسندت الغضب إلى الله تعالى، فإنه يتبين أن أسباب غضب الله عز وجل، هي: الكفر والنفاق، وارتكاب كبائر الذنوب. وهذا ما سنقف عليه في النقاط الآتية:

أولًا: الكفر والنفاق:

بينت الآيات القرآنية التي تحدثت عن غضب الله عز وجل، أن أهم أسباب هذا الغضب هو الكفر بالله تعالى وبآياته، وبالنظر في الآيات القرآنية التي تحدثت عن هذا السبب، نجدها جميعًا تتعلق باليهود. وجاء ذلك في مواضع ثلاثة:

قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61] .

تبين هذه الآية أن غضب الله تعالى الذي حل باليهود، كان بسبب عصيانهم وكفرهم بآيات الله. يقول القاسمي: « {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} أي: رجعوا به أو صاروا أحقاء به. من قولهم: باء فلان بفلان، أي: صار حقيقًا أن يقتل بمقابلته. والبوء بالغضب العظيم بسبب أنهم كانوا يكفرون بآيات الله الباهرة التي ظهرت على يدي عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ويقتلون النبيين بغير الحق كزكريا ويحيى عليهما السلام. وقتل الأنبياء في بني إسرائيل كان ظاهرًا» 47.

وقال تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة: 90] .

قوله: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} أي: أن غضب الله تعالى عليهم كان بسبب كفرهم بالأنبياء السابقين أولًا، ثم بسبب كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم 48.

يقول سيد قطب: «لكأن هذا الكفر هو الثمن المقابل لأنفسهم! والإنسان يعادل نفسه بثمن ما، يكثر أو يقل. أما أن يعادلها بالكفر فتلك أبأس الصفقات وأخسرها ولكن هذا هو الواقع. وإن بدا تمثيلًا وتصويرًا. لقد خسروا أنفسهم في الدنيا فلم ينضموا إلى الموكب الكريم العزيز، ولقد خسروا أنفسهم في الآخرة بما ينتظرهم من العذاب المهين. وبماذا خرجوا في النهاية؟ خرجوا بالكفر، هو وحده الذي كسبوه وأخذوه! وكان الذي حملهم على هذا كله هو حسدهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يختاره الله للرسالة التي انتظروها فيهم، وحقدهم لأن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. وكان هذا بغيًا منهم وظلمًا فعادوا من هذا الظلم بغضب على غضب وهناك ينتظرهم عذاب مهين، جزاء الاستكبار والحسد والبغي الذميم» 49.

وقال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112] .

وهذه الآية تؤكد أيضًا أن وقوع غضب الله تعالى على اليهود، إنما كان بسبب كفرهم وعصيانهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت