فهرس الكتاب

الصفحة 2192 من 2431

وما يفعله المكذبون من وصف الوحي بالسحر المبين هو من «باب قلب الحقائق الذي لا يروج إلا على ضعفاء العقول، وإلا فبين الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبين السحر من المنافاة والمخالفة ما هو أعظم مما بين السماء والأرض، وكيف يقاس الحق -الذي علا وارتفع ارتفاعًا على الأفلاك وفاق بضوئه ونوره نور الشمس، وقامت الأدلة الأفقية والنفسية عليه، وأقرت به وأذعنت أولو البصائر والعقول الرزينة- بالباطل الذي هو السحر الذي لا يصدر إلا من ضال ظالم خبيث النفس خبيث العمل؟! فهو مناسب له وموافق لحاله وهل هذا إلا من البهرجة؟» 37.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹٹ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الصف:6] .

لما بعث الله تعالى النبي محمدًا 38 صلى الله عليه وسلم، وأيده بالبينات التي من أعظمها الوحي -القرآن- قال أهل الشرك (? ? ?) فاتهموا الوحي بالسحر البين الذي لا خفاء فيه، وهم حينما اتهموه بذلك يعلمون أنهم كاذبون، لكنه العناد والاستكبار، وإلا فلا تشابه ولا تقارب بين الوحي الذي هو غاية ومنتهى الحق، وبين السحر الذي هو غاية ومنتهى الباطل.

قال تعالى: (ٹ ? ? ? ? ? ?) [المدثر:24] .

ما زالت التهمة للوحي بأنه سحر مستمرة، ولا يزال الكفار يتواصون بها، فبعد أن يبهرهم الحق المبين، ويدحض باطلهم الوحي الكريم، لا يجدون أمامهم سوى اتهام الوحي بأنه سحر، وهذا السحر تعلمه من غيره 39.

وهذه التهمة لم تأت إلا بعد اجتماعات ومداولات استنفد فيها المشركون كل التهم والافتراءات ضد الرسول، وما أتى به من الوحي المبين.

وعجيب حالهم، كيف يصفون ما هو حق مبين، بما هو باطل مبين؟!

إذن فيما تقدم من الآيات بيّنت أن الكفار قد اتهموا الوحي بأنه من قبيل السحر، وكان لهم من وراء هذه التهمة أهداف وغايات من أهمها هدفان اثنان:

الهدف الأول: ليبرروا لأنفسهم الكفر والتكذيب.

الهدف الثاني: لينفروا الناس ويبعدوهم عن اتباع الوحي.

ثانيًا: وصف الرسل بالسّحر:

كثيرًا ما اتهم الكفار الرسل بالسحر، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

قال فرعون عن موسى في موطن من المواطن: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشعراء:34 - 35] .

وهو بهذا الاتهام يريد التنفير من اتباع موسى عليه السلام؛ ولذلك أخبر فرعون قومه بأن هدف موسى هو إخراجهم من أرضهم وديارهم، وبما أن الإخراج من الديار صعب على النفس باعتبار الحب الفطري المغروس في النفوس للوطن والبلاد، فقد استغل فرعون هذا الأمر، وصور لقومه موسى بأنه ساحر، وسحره خطير جدًا يصل تأثيره إلى حد الإخراج من الديار، فمن أراد البقاء في دياره ووطنه فيجب عليه أن يقاطع هذا الساحر ويعاديه، وهذه التهمة بالسحر كما ألصقت -زورًا وبهتانًا- بموسى عليه السلام ألصقت أيضًا -زورًا وبهتانًا- بهارون عليه السلام.

قال تعالى حاكيًا عن الكفار: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [طه:63] .

وفي موطن آخر نجد أن الطغاة قد أجمعوا على اتهام موسى بأنه ساحر؛ حينما لم يقدروا على مواجهة ما جاء به من الحق والدين، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [غافر:23 - 24] .

أي: أنه ساحر فيما أظهر من المعجزات، وكاذب في دعواه بأنه نبي مرسل إليهم من الله 40.

قال تعالى عن كفار قريش حينما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم مبلغًا ومبشرًا ونذيرًا: (پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ?) [يونس:2] .

هذه الآية وردت فيها قراءتان: القراءة الأولى: بإثبات الألف، فيكون الموصوف بالسحر هو الرسول، والقراءة الثانية: بحذف الألف فيكون الموصوف بالسحر هو الوحي أو الشرع الذي بعث به الرسول 41.

وحجتهم في هذه القراءة «أن السحر يدل على الساحر، لأن الفعل لا يكون إلا من فاعل، والساحر قد يوجد ولا يوجد معه السحر» 42.

وفي كلا الأمرين المقصود واحد وهو إثبات تهمة السحر؛ ليتم بعد ذلك التنفير والتشهير، والصد عن سبيل الله تعالى.

المهم أن كفار قريش تعجبوا من هذا الرسول البشري، وظنوا جهلًا أنه لا يمكن أن يكون الرسول إلى البشر إلا ملكًا، ونسوا أو تناسوا أن الله تعالى ما بعث قبل محمد صلى الله عليه وسلم إلا رجالًا من البشر، هذا التعجب الاستنكاري قادهم إلى اتهام النبي المرسل بأنه ساحر، بل وصفوا سحره بأنه بين واضح، وهذا من جهلهم وسفههم، وإلا فهم يعرفون السحرة ونفثهم وعقدهم وتمتماتهم، وليس هذا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، بل هذا النبي الكريم قد جاء لمحاربة السحر والسحرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر ... ) 43، فكيف يتناقض مع نفسه؟!

فيحارب السحر في الوقت الذي هو فيه يشتغل به، سبحانك هذا بهتان عظيم.

وهاهم أيضًا مرة أخرى يتهمونه بالسحر في قوله تعالى: (ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [ص:4] .

فاتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر، وما فعلوا ذلك إلا من أجل التنفير عنه، والصد عن اتباع ما جاء به من الحق والدين، وكذلك هي سنة الكافرين مع رسلهم.

بل ما بعث الله تعالى رسولًا إلا واتهمه قومه بالسحر، ومصداق ذلك قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ?) [الذاريات:52] .

وهم بهذا الاتهام يهدفون إلى هدم الرسالة، والطعن في الرسل لتنفير الناس عنهم؛ لأن كلًا من اتهامهم بالسحر أو الجنون يكفي لتشويههم وتشويه ما جاءوا به من الحق والدين، ونجد تاريخ الكفر ممتدًا إلى عصرنا الحديث، فنرى الحملات الإعلامية المتواصلة ضد أتباع الرسل من العلماء والدعاة، واتهامهم بشتى التهم، بهدف إبعاد الجماهير عنهم، حتى لا تتفطن الأمة لما يراد بها ويخطط لها من قبل الكافرين والمنافقين.

ثالثًا: وصف المعجزات والحجج بالسّحر:

إن موسى عليه السلام كان من أكثر الأنبياء تعرضًا للاتهام بالسحر، وما جاءهم بآية من آيات الله تعالى الدالة على صدق نبوته ورسالته، إلا وسارعوا لاتهامه واتهام ما جاء به بأنه سحر.

ولعل من أسباب ذلك، أن مهنة السحر كانت رائجة في عصرهم.

قال تعالى وهو يذكر بعض الآيات والمعجزات التي أيده الله بها لدعوة قومه إلى الله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النمل:12 - 13] .

فكذبوا الرسول، وجحدوا الآيات، وجعلوا ما أقامه الله تعالى دليلًا لهدايتهم، من قبيل السحر والشعوذة، وزعموا أن هذه الآيات سحر بين وواضح لا يخفى على أحد، فاستحقوا بذلك العذاب، وباءوا بالخسران في الدنيا والآخرة.

وكذلك نجد الأمر في القوم الذين بعث الله إليهم عيسى عليه السلام، فقد أمده الله تعالى بمعجزات وآيات كثيرة، لا لشيء إلا لتقام عليهم الحجة، ويتبين لهم طريق الهداية واضحًا جليًّا، فقال تعالى: (? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ) [المائدة:110] .

فوصف القوم الكافرون المعجزات والآيات البينات الواضحات بالسحر، كما في قراءة من حذف الألف في قوله: (ہ ہ) ، ووصفوا الرسول بالساحر على قراءة من أثبت الألف في قوله: (ہ ہ) ، وكلها قراءات صحيحة 44.

كذلك فإن أهل الشرك والوثنية قد وصفوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الآيات والمعجزات بالسحر، رغم يقينهم بأنه ليس بساحر ولا كاهن، ولكنه الحقد والحسد والكبر المغروس في القلوب الضالة.

فنجد كفار قريش في موقف من المواقف يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم معجزة يرونها بأم أعينهم؛ ليستدلوا من خلالها على صدق نبوته ورسالته، وأنه مؤيد من الله تعالى بالمعجزات والبراهين، فطلبوا منه أن يشق لهم القمر في ليلة البدر، وزعموا أنهم سوف يؤمنون ويصدقون بما جاء به.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حريص على هداية قومه؛ فقد توجه إلى ربه تعالى طالبًا منه أن يؤيده بهذه الآية العظيمة؛ حتى لا تبقى لأحد حجة على الله تعالى، فاستجاب الله تعالى لنبيه، وشق له القمر شقين، لكن شيئًا مما وعده به الكفار لم يحدث، بل قابلوا ذلك بالعناد والاستكبار، وفسروا هذه الآية والمعجزة العظيمة بأنها من قبيل السحر، فكانوا بهذا من المعاندين، وبالعذاب من الموعودين 45.

قال تعالى حاكيًا عن نبأ انشقاق القمر: (ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [القمر:1 - 2] .

وزعموا أن هذه الآية العظيمة من قبيل السحر الذاهب الذي لا يثبت، أو من قبيل السحر الشديد القوي الدائم الذي أصبح لا يتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف السحرة الذين قد يقدرون على شيء أو شيئين فقط 46.

إذن هؤلاء ثلاثة من الأنبياء والرسل من أولي العزم، أيدهم الله بالآيات والمعجزات، فما كان أمام القوم الكافرين إلا التهرب من اتباع الحق بحجة أنه من قبيل السحر، مع تمييزهم بين ما هو سحر وما ليس بسحر، ولكنه العناد والاستكبار.

السحر قضية من القضايا التي تحدث عنها القرآن كثيرًا، وزاد بيانها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، كما أننا نجد العلماء والفقهاء قد أفردوا لها في كتبهم فصولًا وأبوابًا، وتحدثوا عنها بتفصيلات وتفريعات، وما ذلك إلا دليل واضح على أن هذه المسألة من المسائل الشرعية التي يتعلق بها كثير من الأحكام.

وفي هذا المبحث سأتكلم على كون السحر علمًا، وعلى حكمه من خلال مسألتين:

أولًا: إثبات أن السحر علم من العلوم:

لا ينكر أن السحر علم من العلوم الموجودة قديمًا من حيث الأصل، ومع تقدم الزمان حدثت لهذا العلم تطورات من حيث الوسائل فقط، أما من حيث الأصل فهو باق على ما هو عليه، وهذا الثبات في الأصل والتجديد في الوسائل، هو ما جعل هذا العلم يحفظ ويصان من الضياع والاندثار.

وإذا وقفنا مع آية سورة البقرة التي تحدثت عن السحر؛ فإننا سنخرج بيقين بأن السحر علم، وهذه هي المسألة الأولى.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ?) [البقرة:102] .

ففي هذا الآية الكريمة عدة مواطن أثبتت أن السحر علم، هذه المواطن هي:

قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ) [البقرة:102] .

قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:102] .

قوله تعالى: (? ? ? ? چ چ چ چ) [البقرة:102]

قوله تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ) [البقرة:102] .

وقال تعالى في موطنين آخرين: (? ? ں ں ?) [طه:71] .

إذن من خلال ما سبق تبين لنا جليًا أن السحر علم من العلوم، الذي له مصادره ومراجعه ورجالاته.

ثانيًا: بيان حكم هذا النوع من العلوم:

هذه المسالة هي الأهم في هذا المبحث، وهي بيان حكم هذا النوع من العلوم، وفي الآيات السابقة البيان الشافي والكافي لحكم هذا العلم.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:102] .

فالآية هذه مصرحة بأن السحر كفر.

والمعنى: أي أنك أيها الشخص إذا تعلمت هذا النوع من العلم فسوف يسلب منك دينك الحق وتكون من جملة الكافرين، ومادام أن هذا العلم يتسبب في كفر متعلمه، فما حكم هذا العلم إذن؟

الجواب في غاية الوضوح، إنه علم محرم، بل هو في درجة الكبائر من المحرمات، ولا يتعاطاه من في قلبه ذرة من إيمان.

قال النبي صلى الله عليه وسلم (اجتنبوا السبع الموبقات) 47 وعد منهن السحر.

والله تعالى قد دافع عن نبيه سليمان عليه السلام حينما اتهم بأنه كان ساحرًا، وكان يسيّر من تحت يده بالسحر، فقال تعالى: (پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:102] .

فنفى الله عن نبيه السحر؛ لأن السحر كفر ينزه عنه أنبياء الله ورسله.

قال ابن حجر: «وفي إيراد المصنف هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر لقوله فيها: (پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:102] فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفّر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر» 48.

وقال الثعلبي عند قوله تعالى: « (? ? ? ? ? پ پپ پ ? ?) [البقرة:102] بالسحر فانّ السحر كفر» 49.

والآيات والأحاديث الكثيرة التي تنفر من السحر وتحذر من الذهاب إلى السحرة أو تصديقهم، تعطينا بمجموعها حكم السحر وأنه كفر وشرك بالله العظيم.

فخلاصة هذا المبحث أن السحر علم من العلوم الكفرية التي نهى الله ورسوله عنها نهي تحريم، ورتبوا على ذلك العقاب في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

بما أنني أثبت فيما سبق بأن للسحر حقيقةً وتأثيرًا، فسأبين في هذا المبحث الطرق والوسائل لإبطال ذلك الأثر، وإزالة ذلك الضرر بإذن الله تعالى، وذلك من خلال النقاط الآتية:

من خلال تتبع الآيات التي تتحدث عن السحر نجد أن الله تعالى يذكر فيها أن السحر باطل، وأن الساحر مهما بلغ من السحر فليس مفلحًا وعمله ليس موفّقًا، كذلك فالسحر من الفساد في الأرض، والله لا يحب الفساد ولا المفسدين، وما كان كذلك فهو باطل، والسحر أيضًا من أسلحة الطغاة، ومعلوم أن الطغاة وكيدهم إلى تباب وبوار.

ولو تأملنا في هذه النصوص لتبينت لنا هذه الحقيقة جلية واضحة:

قال تعالى: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يونس:81] .

فيخبر موسى الطاغية فرعون ومن معه من السحرة بأن سحرهم باطل؛ لأنه من عمل المفسدين الذين لا يحبهم الله (? ? ? ?) [المائدة:64] .

ولا يتم عملهم، ولا يجعل لهم التمكين والغلبة في الأرض على عباده الموحدين، فأذهب الله سحرهم بما أيد به نبيه موسى عليه السلام من الآيات 50.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يونس:77] .

قال الطبري رحمه الله: «قوله: (? ? ?) ، يقول: ولا ينجح الساحرون ولا يبقون» 51.

وما دام أن الساحر لا ينجح فسحره أيضًا لا ينجح وهو -وإن حدث له تأثير بمشيئة الله- إلى زوال وبطلان، فالفلاح معلق بكل ما يحبه الله ويرضاه، وليس من قبيل ذلك السحر.

وفرعون حينما استخدم الكيد ضد موسى عليه السلام، كان من أعظم الكيد السحر الذي أراد أن يصادم به الحقيقة التي جاء بها موسى عليه السلام، وقد أخبر الله تعالى في القرآن الكريم بأن كيد فرعون في تباب، قال تعالى: (ہ ھ ھ ھ ھ ے) [غافر:37] .

«قال ابن عباس ومجاهد: يعني إلا في خسار» 52، فكتب الله الخسارة والبطلان على كل الكيد الذي جاء به فرعون وجنده وأعوانه من السحرة.

لقد ورد في القرآن الكريم عدة آيات تبين كيف يبطل السحر، وفيما يلي عرض لبعض تلك الآيات:

قال تعالى: (? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ژ) [طه:69] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشعراء:45]

ففي هاتين الآيتين الكريمتين يبين الله تعالى أن المعجزات والآيات التي أيد بها رسله من أعظم ما يبطل السحر؛ لأن السحر عبارة عن كيد البشر وكذبهم، ممزوجًا بمكر وكيد شياطين الجن، ولا ثبات له أمام آيات الله العظيمة.

وقد يقول قائل: كان ذلك مع معجزات الأنبياء وتحديدًا مع موسى، فكيف نبطل السحر الآن؟

والجواب: أننا نبطله بإذن الله تعالى بمعجزة نبينا الخالدة وهي القرآن الكريم، عن طريق ما يعرف في الشرع بالرقية الشرعية، التي ترتكز أساسًا على القرآن الكريم، وقد جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك، إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه فضحك وقال: (وما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي بسهم) 53.

فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الفاتحة -التي هي من القرآن وهو معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الخالدة- رقية، والرقية نافعة من ذوات السموم ومن المس والسحر والعين.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن سورة البقرة: (اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة) . قال معاوية: بلغني أن البطلة: السحرة 54.

فالقرآن الكريم معجزة باقية، يبطل الله به سحر الساحرين وكيدهم، كما أبطل الله تعالى سحر سحرة فرعون بالعصى معجزة موسى عليه السلام.

ومما يبطل به السحر بإذن الله تعالى: التوكل على الله وعدم الخوف من كيد الساحرين.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [طه:68] .

فالخوف باب من أبواب تسلط السحرة على الناس؛ لذلك قال تعالى: (? ? ? ? ? ?) [الأعراف:116] .

فالسحرة يستعينون بالخوف الذي في نفوس البشر للتأثير والسيطرة عليهم، ولكي نبطل على السحرة سحرهم لا بد أن نكون على ثقة تامة بالله تعالى، متمسكين به وحده، ولا نخاف أحدًا سواه، ولا يتأتى لنا الأمان إلا بالتوحيد وصفاء العقيدة.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?) [الأنعام:82] .

كذلك مما يبطل به السحر اليقين بأن الله مبطل كيد الساحرين.

قال تعالى: (? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ?) [يونس:81] .

قال موسى ذلك متيقنًا بقدرة ربه تعالى، فاليقين الجازم بقدرة الله تعالى على إبطال السحر، من أعظم ما يبطل به السحر.

ولا شك أن هناك طرقًا لإبطال السحر، والتحصن منه، وردت في السنة وفي آثار السلف منها:

1.تمر العجوة.

فقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه بابًا سماه: (باب الدواء بالعجوة للسحر) 55. ثم ساق تحته الحديث التالي: عن عامر بن سعد، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم، ولا سحر) وقال غيره: (سبع تمرات) 56.

2.حل عقد السحر حين العثور عليه.

عن زيد بن أرقم، قال: (سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك عقد لك عقدًا، فأرسل إليه رسول الله عليا ًرضي الله عنه، فاستخرجها فجاء بها فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال، فما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط) 57.

إن الضرر والفساد المترتب على فعل السحر لا يكاد ينكره إلا مكابر، فكم فتك بالمجتمعات، وفكك من أسر، وفرق من شمل بعد الاجتماع، وكم أفسد من عقول، وأمرض من أبدان.

والله تعالى لا يحب الفساد في الأرض، ولا يحب المفسدين، وقد وضع الله أحكامًا صارمة للقضاء على فساد السحرة، نجد تلك الأحكام مبثوثة في القرآن والسنة.

وفي هذا المبحث سأتحدث عن جزاء السحرة كما ورد في القرآن الكريم.

أولًا: جزاء السحرة في الدنيا:

نفى الله عنهم الفلاح، وأثبت لهم اسم الفساد، ووصفهم بالمفترين، وهذا من أقبح الجزاء وأشنعه، وهم مستحقون له جزاء ما تعاطوه من سحر وكفر بالله تعالى.

قال تعالى: (? ? ?) [طه:69] .

وقال تعالى: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يونس:81] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [طه:61] .

وفي هذه الآية أيضًا توعدهم الله تعالى بالهلاك والاستئصال في قوله: (?) أي يهلككم أو يستأصلكم 58.

وأخبر الله تعالى أيضًا أنه سيبطل عمل الساحرين، وأنه سيجعلهم ينقلبون بالهزيمة والخسارة.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف:118 - 119] .

كما أن جزاء الساحر في الدنيا القتل، وهو مذهب الجمهور 59.

قال ابن قدامة: «وحد الساحر القتل، روي ذلك عن عمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجندب بن عبد الله، وجندب بن كعب وقيس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول أبي حنيفة ومالك ... عن بجالة قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس، إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر، فقتلنا ثلاث سواحر في يوم، وهذا اشتهر فلم ينكر، فكان إجماعًا، وقتلت حفصة جارية لها سحرتها، وقتل جندب بن كعب ساحرًا كان يسحر بين يدي الوليد بن عقبة» 60.

ثانيًا: جزاء الساحر في الآخرة:

أما عقوبة الساحر في الآخرة فهي مترتبة على عقوبته والحكم عليه في الدنيا.

فإن حكمنا عليه في الدنيا بالكفر والردة، فعقوبته يوم القيامة النار خالدًا فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت