فهرس الكتاب

الصفحة 793 من 2431

والمراد بهم فقراء المسلمين من الخاصة والعامة المستحقون للزكاة، وهؤلاء يقابلهم أصحاب الجدة (أي: الغني) ، ومن ليس محصرًا في سبيل الله، ومن لم يكتم فقرًا وضعفًا، وهذا الصنف يقابل أصحاب الجدة، ويدخل فيهم المتعفف وغيره، والمحصر وغيره 110.

وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [النور: 32] .

وفي قوله تعالى: (? ہ ہ ہ ہ ھھ ھ ھ ے ے) [فاطر: 15] .

والمراد هنا الفقر العام لأهل الأرض كلهم غنيهم وفقيرهم، مؤمنهم وكافرهم، وهؤلاء لا مقابل لهم، بل الله وحده الغنى وكل ما سواه فقير إليه 111.

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [محمد: 38] .

والمعنى هنا مثل سابقه.

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحشر: 8] .

وورد لفظ الفقر في المواضع الآتية:

في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:268] [البقرة: 268] .

والمعنى أن الشيطان يعدكم في الإنفاق الفقر، ويأمركم بالبخل ومنع التصدق، فالمراد بالفحشاء هنا كما ذكره كثير من المفسرين: البخل وعدم التصدق 112. (? ? ? ? ?) [البقرة: 268] . فإنه منع الزكاة 113.

جاء في لسان العرب في مادة (سكن) : المسكين الذي لا شيء له، وقيل: الذي لا شيء له يكفي عياله قال أبو إسحاق: المسكين الذي أسكنه الفقر، أي: قلّل حركته وهذا بعيد؛ لأن مسكينًا في معنى فاعل، وقوله: الذي أسكنه الفقر يخرجه إلى معنى مفعول، والاسم منه المسكنة، قال الليث: المسكنة مصدر فعل المسكين وإذا اشتقوا منه فعلًا قالوا: تمسكن الرجل، أي: صار مسكينًا، ويقال: أسكنه الله وأسكن جوفه أي: جعله مسكينًا، وقد يكون بمعنى الذّلّة والضعف يقال تسكّن الرجل وتمسكن 114.

واختلف في تعريف المسكين على أقوال، منها:

••أن المسكين هو الذي به زمانة لا يسأل ولا يعطى له، كما قال الله تعالى: (? ? ? ?) [البلد: 16] . أي لاصقًا بالتراب من الجوع والعرى 115.

••أنه الذي يسأل الناس، كما قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ٹ ٹ) [الإنسان: 8] . وقد جاء يسأل 116.

••أن المسكين هو من ليس لديه شيء بالكلية 117.

••أنه الذي يقدر على ما يقع موقعًا من كفايته إلا إنه لا يكفيه 118.

••أنه الذي يجد معظم الكفاية أو نصفها، من كسب أو غيره 119.

قلت: ومما تقدم يمكن استخلاص تعريف أو وصف للمسكين بأنه: من ليس لديه ما يكفيه بسبب عجز، بدني أو قلة في الكسب، مع تعففه عن سؤال الناس.

الفرق بين الفقير والمسكين:

للعلماء في التفرقة بين الفقير والمسكين أو التشابه بينهما أقوال أوجزها في ثلاثة:

القول الأول: أن الفقير أحسن حالًا من المسكين، قال ابن السكيت: سألت أعرابيًا: أفقير أنت؟ فقال: لا والله بل مسكينٌ.

القول الثاني: أنّ المسكين أحسن حالًا من الفقير؛ لأن الله تعالى قال: (گ گ گ ? ? ? ?) وكانت تساوي جملة، وقال في حقّ الفقراء: (? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?) .

القول الثالث: أنهما صنف واحد، وهو الذي لا شيء له فجعلهما سواء 120.

لفظ المسكنة ومشتقاته في القرآن الكريم:

ورد لفظ المسكنة في القرآن الكريم في موضعين:

في قوله تعالى في شأن بني إسرائيل: (? ? ? ? ? ? ? ) [البقرة: 61] .

وفي قوله تعالى: (? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [آل عمران: 112] .

والمسكنة التي ضربها الله تعالى على بني إسرائيل فسّرت بتفسيرات عدة.

ففسّرها بعض العلماء بالفقر والمهانة بسبب إساءتهم في حق الله، وما اقترفوه في حق الأنبياء والرسل 121.

وفسّرها بعض آخر بأن المراد بها فقر النفوس حتى ولو كان صاحبها غنيّا 122.

وفسّرها آخرون بأنها العبودية، فبعد أن كانوا في عزة وتمكين تعرّضوا للعبودية والذلة، والتشريد في البلاد، وضياع الأموال والثروات، والمراد بضرب المسكنة عليهم تقديرها لهم، وهذا إخبار بمغيّب؛ لأن اليهود المخبر عنهم قد أصابهم الفقر حين أخذت منازلهم في خيبر، والنّضير، وقينقاع، وقريظة، ثمّ بإجلائهم بعد ذلك في زمن عمر رضي الله عنه 123.

وورد لفظ «المسكين» مفردًا منكّرًا في ثلاثة مواضع:

في قوله تعالى في كفارة الظهار: (? ? ? ہ ہ ہہ) [المجادلة: 4] .

وقوله تعالى في شأن التصدق بالطعام: (? ? ? ? ? ٹ ٹ) الإنسان: 8].

وقوله تعالى في شأن الإطعام: (? ? ? ?) [البلد: 16] .

والمراد به مسكينًا ذا لصوق بالأرض؛ لحاجته وشدة فقره، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ويقال أيضًا: ترب بمعنى افتقر، وأترب، أي: استغنى، كأنّ الهمزة للسّلب 124.

وورد لفظ المسكين مفردًا معرفًا في موضعين:

في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 26] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ں ں? ? ? ? ? ? ہہ ہ ہ ھ) [الروم: 38] .

وورد لفظ «مساكين» منكرًا بالجمع في ثلاثة مواضع:

في قوله تعالى في كفارة اليمين: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [المائدة: 89] .

وقوله تعالى في جزاء الصيد: (? ? ? ?) [المائدة: 95] .

والمسكين في كل ما سبق ذكره هو المسكين الوارد في مصارف الزكاة المستحق لها.

وقوله تعالى: (گ گ گ ? ? ? ?) [الكهف: 79] .

وبسبب لفظ المساكين الوارد هنا اختلف العلماء في تعريف المسكين والفرق بينه وبين الفقير على نحو ما تقدم، وخلاصة ما في ذلك على أوجه:

أولها: أنهم سموا مساكين باعتبار الغاصب الذي كان يريد غصب سفينتهم، فهم مساكين بسبب ذلك حتى ولو كانوا أغنياء، كما يقال في جماعة تتعرض للظلم: مساكين لا حيلة لهم 125.

ثانيًا: أنهم سموا مساكين لزمانتهم؛ فإن السفينة كانت مملوكة لعشرة، منهم خمسة زمنى 126.

ثالثًا: أن مسكنتهم بسبب ضعفهم البدني أو ضعف كسبهم منها 127.

هذا ... وليس بالضرورة أن تكون السفينة مملوكة لهم، بل ذهب بعض المفسرين إلى أنهم كانوا يعملون أجراء عليها 128.

وورد لفظ «المساكين» بالجمع والتعريف في تسعة مواضع:

في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 83] .

وقوله تعالى في خصال البر: (? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [البقرة: 177] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [البقرة: 215] .

وقوله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 8] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ?) [النساء: 36] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ?) [الأنفال: 41] .

وقوله تعالى في مصارف الزكاة: (? ? ? ?) [التوبة: 60] .

وقوله تعالى: (? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ) [النور:22] .

وقوله تعالى: (ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ) [الحشر: 7] .

ويلاحظ في ثمانية مواضع من التسعة السابقة أن المسكين مرتبط بذي القربى واليتامى وأبناء السبيل.

هذا وبنظرة إجمالية لما تقدم ذكره من مواضع لفظ المسكنة ومشتقاته في القرآن الكريم نجد أن حقيقة المسكين تدور على معانٍ عدة بعضها مشترك مع الفقير وبعضها مختلف، وأن المسكين ليس بالضرورة مستحق لهذا الوصف بسبب المال، بل قد يستحقه بسبب الضعف البدني والمرض ونحو ذلك، أو بسبب ما يلحقه من مذلة ومهانة تزري من قدره أمام الناس، حتى ولو كان في كل هذه الحالات غنيًا.

العاملون على الزكاة، هم الساعون في تحصيل الزكاة وجمعها من أربابها، ويدخل فيهم الحاشر والكاتب والمفرق، وهناك خلاف في دخول الحارس والخازن ونحوهما 129.

ويأخذ عامل الزكاة نصيبه منها على قدر عمالته، ويشترط فيه الإسلام والأمانة والتكليف، وإن كان العامل فقيرًا أخذ من الزكاة نظرا لفقره بلا خلاف.

ولكن وقع خلاف في مسائل:

الأولى: هل يأخذ العامل الغني من الزكاة أم لا؟.

الثانية: هل يجوز استعمال أحد بني هاشم على الزكاة أم لا؟.

الثالثة: في حالة جواز استعمال أحد بني هاشم على الزكاة، هل يأخذ من الزكاة أم لا؟ 130.

وهذه المسائل بسط الفقهاء فيها الكلام في مواضعها من كتاب الزكاة، مما لا يتسع المقام لذكره، ونشير هنا إلى مسألة معاصرة تتعلق بعامل الزكاة على النحو الآتي:

العاملون في مؤسسات الزكاة المعاصرة:

إذا نظرنا اليوم إلى العاملين في مؤسسات الزكاة نجدهم أصنافًا شتى؛ حيث لم يعد الأمر مقصورًا على شخص، أو عدة أشخاص يقومون بالجمع والتوزيع، بل يشمل مؤسسات وجمعيات متعددة، وهي تشتمل على عشرات الموظفين ذوي الرتب المختلفة.

ومهنة العامل تحتاج إلى مؤنة وعمل شاق، وجهد متواصل، ومتابعة دؤوبة، ووقت طويل، فهي تشبه وظيفة المحاسب في الشركات والمؤسسات الذي يقوم بالمتابعة، والتسجيل والقيد وبيان الوارد، والصادر، وصرف المرتبات، والتأكد من شخصية مستحقيها، ولا فرق بينهما سوى أن المحاسب يصرف الأجور لكل المسجلين عنده بصرف النظر عن وضعهم الاجتماعي من حيث الفقر والغني، بينما العامل يقوم بجمع للزكاة بإذن الإمام أو نائبه، والتوزيع على المستحقين لها من الأصناف الثمانية المحددة في آية الصدقة.

ومن ثمّ كان من العدل جعل نصيب لهذا العامل من الزكاة مادام متفرغًا لهذا العمل الجليل، وليس هذا مقصورًا على العاملين على الصدقات فقط، بل كل من أوقف نفسه لعمل من فروض الكفايات التي يجوز النيابة فيها فله أجرة مثله.

وعليه فلم يختلف أحد أنّ عامل الزكاة إذا كان فقيرًا أنه يأخذ منها، أما إذا كان غنيًا، ففي المسألة خلاف فقهي معروف.

وفي تقديرنا أنه يمكن أخذ العاملين في مؤسسات الزكاة نصيبًا من الزكاة في حالتين:

الأولى: إذا كانوا فقراء لا تكفيهم رواتبهم التي يتقاضونها من هذه المؤسسات.

الثانية: إذا كانوا متفرغين للقيام بأعمال جمع الزكاة وتوزيعها، بحيث توكل إليهم تلك المهمة، ولا يمارسون وظيفة أخرى غيرها.

المؤلفة قلوبهم اختلف في تعريفهم على أقوال هي:

القول الأول: أنهم كفار ظهر ميلهم للإسلام، فيعطوا من الزكاة ترغيبًا في الإسلام، قاله مالك وغيره 131.

القول الثاني: أنهم قوم أسلموا ونيتهم ضعيفة، فيعطوا؛ ليتمكن الإسلام في قلبهم، وحكمهم باق 132.

القول الثالث: أنهم أشراف يترقب بإعطائهم إسلام نظائرهم، أو هم قوم من وجوه العرب، يقدمون عليه، فينفق عليهم منها ما داموا حتى يسلموا أو يرجعوا 133.

قال القرافي: «هم عظماء من ملوك الكفار أسلموا فيعطون ليتألفوا أتباعهم؛ لأن الجهاد يكون تارة بالنسيان وتارة بالبيان، وتارة بالإحسان، يفعل مع كل صنف ما يليق به» 134.

وروي عن ابن عباس أنهم قوم كانوا يأتون رسول الله قد أسلموا وكان يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة فأصابوا منها خيرًا قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه وتركوه 135.

خلاصة أنواع المؤلفة قلوبهم:

••نوع يرجى إسلامه أو إسلام قومه أو عشيرته كصفوان بن أمية، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه مائة من الإبل فقال صفوان: والله لقد أعطاني النبي صلى الله عليه وسلم وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي) 136.

••نوع يرجى بإعطائه كفّ شره، وشر غيره عن المسلمين، ومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: إن قومًا كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فإن أعطاهم من الصدقات مدحوا الإسلام، وقالوا: هذا دين حسن، وإن منعهم ذموا وعابوا الإسلام والمسلمين 137.

••نوع دخلوا في الإسلام حديثًا، فيعطون لتثبيت قلوبهم على الإسلام، كما أعطى صلى الله عليه وسلم يوم حنين جماعة من صناديد الطلقاء وأشرافهم مائة من الإبل 138، وقال صلى الله عليه وسلم ( ... إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه؛ مخافة أن يكبّه الله على وجهه في النار) 139، وأيضًا لما يتعرض له هؤلاء من التضييق عليهم في معاشهم وأرزاقهم من ذويهم، وكثيرًا ما يحاربون من أهل دينهم وعشيرتهم، فهؤلاء أولى بالعطاء تشجيعًا لهم، وتثبيتًا لهم على الإسلام 140.

••نوع من سادات المسلمين أقوياء الإيمان، لا يحتاجون في أنفسهم للتأليف، ولكن لهم نظراء من الكفار، فإن أعطى هؤلاء السادة المسلمون رجي إسلام نظرائهم، ويستدل لهذا بإعطاء أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- الزبرقان بن بدر، وعدي بن حاتم الطائي مع حسن إسلامهم 141.

••نوع من السادة والزعماء ضعاف الإيمان، فهؤلاء يعطون لتقوية إيمانهم وتثبيتهم على الإسلام، ومن هؤلاء النوع كبار كفار قريش الذين أسلموا في فتح مكة، واشتركوا مع المسلمين في غزوة حنين، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم هوازن وثقيف مما كان سببًا في تقوية إسلامهم 142.

هل سهم المؤلفة قلوبهم باقٍ أم سقط؟

اختلف الفقهاء هل سقط سهمهم بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم أم أنه باق حتى يومنا هذا؟ على قولين:

القول الأول: أن سهمهم قد سقط بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم واعتزاز الإسلام، ولا حاجة في تأليفهم. وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعي في أحد قوليه، وهو مروي عن الشعبي.

القول الثاني: أن سهمهم باق ولم يسقط. قاله الزهري، والشافعي في قول، والحنابلة، والحسن البصري 143.

والذي تطمئن إليه النفس في العصر الحاضر أن سهم هؤلاء باق، حيث وجدت احتياجات عصرية تدخل تحت هذا الصنف بيانها بإيجاز على النحو الآتي:

أولًا: مساعدة الهيئات والجمعيات التي تهتم بالمسلمين الجدد: من المعروف أن الذين يدخلون في الإسلام حديثًا يلاقون تضييقًا من عشيرتهم وذويهم، ومحاربتهم بكل الوسائل لإجبارهم على ترك الإسلام، والرجوع إلى دينهم الأصلي، هؤلاء المسلمون الجدد في أمس الحاجة إلى من يقف بجانبهم، ويأخذ بأيديهم؛ ليثبتوا على الإسلام، ولا يستجيبوا للضغوطات التي تمارس عليهم، لا سيما في البلاد الواقعة في جنوب شرق آسيا كماليزيا، وأندونيسا، وتايلاند، حيث تحتدم الحرب بين الإرساليات التبشيرية بكل ما تملكه من إمكانيات جبارة، والجمعيات الخيرية الإسلامية التي ينقصها الدعم الكافي من جانب الحكومات الإسلامية، والتي تهتم بهؤلاء المسلمين الجدد.

وقد جاء في قرار الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة: «إيجاد المؤسسات العلمية والاجتماعية لرعاية من دخل في دين الله، وتثبيت قلبه على الإسلام، وكل ما يمكنه من إيجاد المناخ المناسب معنويًا وماديًا لحياته الجديدة» 144.

ثانيًا: مساعدة رؤساء الدول الفقيرة غير الإسلامية: يجوز دفع سهم المؤلفة قلوبهم لرؤساء الدول الفقيرة؛ لأن إسلامهم يؤدي لإسلام كثير من رعاياهم بما لهم من نفوذ، والدلائل التاريخية تؤكد صدق هذا، فالإسلام قد دخل في بعض الدول عن طريق إسلام ملوكها ورؤسائها وأهل النفوذ فيها، مثل: ماليزيا وإندونيسا وغيرهما، وجاء في قرار الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة: «تأليف من يرجى إسلامه، وبخاصة أهل الرأي والنفوذ، ممن يظن أن له دورًا كبيرًا في تحقيق ما فيه صلاح المسلمين» 145.

ثالثًا: الصرف في مواجهة الحملات الدعائية التي تعمل على تشويه الإسلام: ذهب بعض المعاصرين إلى جواز صرف سهم المؤلفة قلوبهم في رد طغيان الدول المسيحية الطامحة في هدم الإسلام والمسلمين عن طريق ذمم بعض الكتاب المسلمين للنيل من الإسلام 146.

الرقاب، هم الصنف الخامس من المستحقين للزكاة، وللعلماء في المقصود بهذا الصنف أقوال:

القول الأول: أن المراد به شراء العبيد وإعتاقهم من مال الزكاة، وهذا رأي كثير من العلماء والمفسرين 147.

القول الثاني: أنه ليس المراد به العبد الكامل، بل المراد المكاتب يعطى من مال الزكاة ليستكمل حريته 148.

هذا وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه والزهري القولان: حيث قالا: سهم الرقاب نصفان، نصف لكل مكاتب ممن يدعي الإسلام، والنصف الباقي يشترى به رقاب ممن صلى وصام وقدم إسلامه من ذكر أو أنثى يعتقون لله 149.

القول الثالث: أن المراد به فكاك الأسرى، وهو مذهب أبي حنيفة وبعض المالكية 150.

من لطائف التفسير في الآية:

من بلاغة القرآن في الآية الكريمة أن الله تعالى ذكر الأصناف الأربعة الأولى بحرف الجر (اللام) ، وبعد ذلك عدل عن حرف اللام إلى حرف (في) ، وقد استنبط المفسرون من ذلك نكتًا وفوائد بلاغية منها:

أولًا: ما قاله ابن عادل الدمشقي: «إن الأصناف الأربعة يدفع إليهم نصيبهم. وأما الباقون فيصرف نصيبهم في المصالح المتعلقة بهم لا إليهم» 151.

ثانيًا: ما قاله الزمخشري: «فإن قلت: لم عدل عن اللاّم إلى «في» في الأربعة الأخيرة؟ قلت: للإيذان بأنّهم أرسخ في استحقاق التصدّق عليهم ممّن سبق ذكره؛ لأنّ «في» للوعاء، فنبّه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، وجعله مظنّة لها ومصبًّا» 152.

ثالثًا: ما قاله القرافي: «اجتمع فيه (أي: في الرقاب) العرف الشرعي واللغة، أما العرف فلأنه تعالى أطلق الرقبة في الظهار والقتل، ولم يرد بها إلا الرقيق الكامل الرق والذات، وأما اللغة فإن الرقبة تصدق لغة على الأحرار والعبيد ومن كمل ومن نقص، فالمشهور تقديم العرف الشرعي، وهو المشهور في أصول الفقه بأنه ناسخ للغة، ومن لاحظ اللغة لكونها الحقيقة وغيرها مجاز أجاز المكاتب والمدبر والمعيب والأسير، وإن كان الولاء له دون المسلمين، فلأن مقصود الزكاة شكر النعمة وسدّ الخلة؛ وهذا حاصل» 153.

صنف الرقاب ومواضعه في القرآن الكريم:

اهتم الإسلام اهتمامًا كبيرًا بتحرير العبد من رقّ العبودية، سواء كانت عبودية كاملة، أو ناقصة كالمكاتب ونحوه؛ ولهذا وردت آيات كثيرة تحض على فك الرقاب في الكفّارات وغيرها، وهذا ما نورده إجمالا على النحو الآتي:

في كفارة القتل الخطأ، قال الله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 92] .

وفي كفارة اليمين، قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [المائدة: 89] .

وفي كفارة الظهار، قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑک ک ک کگ گ گ گ ?) [المجادلة: 3] .

وفي التصدق والعطاء، قال الله تعالى: (? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 177] .

وفي التصدق والعطاء أيضًا قال الله تعالى: (ھ ھ) [البلد: 13] .

وهذه المواطن السابق ذكرها تبيّن مدى حرص الإسلام على هذا الصنف من أصناف الاحتياجات.

الغرم في اللغة معناه لزوم ما يشق على النفس، والغارم هو: الذي عليه دين يعجز عن سداده، ويشمل أصنافًا شتى استنادًا لما روي عن السلف.

فقد روي عن مجاهد في قوله: (ھ) قال: «ثلاثةٌ من الغارمين: رجلٌ ذهب السّيل بماله، ورجلٌ أصابه حريقٌ فذهب بماله، ورجلٌ له عيالٌ وليس له مالٌ، فهو يدّان وينفق على عياله» 154.

وروي عن مقاتل في قوله: (ھ) قال: «هو الذي يسأل في دم أو جائحة تصيبه» 155.

ونحوه قاله الشافعي رحمه الله: «من تحمّل غرامة في إصلاح ذات البين وإطفاء الثائرة بين القبيلتين» .

ويشترط فيه أن يكون مسلمًا، استدان في غير سرف ولا فساد أو معصية، ولا يستطيع قضاء دينه 156.

قال ابن عادل الدمشقي: «الدّين إن حصل بسبب معصيةٍ لا يدخل في الآية؛ لأنّ المقصود من صرف المال إليه الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة، وإن حصل لا بسبب معصية فهو قسمان: دينٌ حصل بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة، ودين بسبب حمالات وإصلاح ذات بين، فيدخل في الآية» 157.

روى مسلم عن أبي سعيدٍ الخدريّ قال: (أصيب رجلٌ في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ثمارٍ ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:(تصدّقوا عليه) . فتصدّق النّاس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لغرمائه: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلاّ ذلك) 158.

وذكر الماوردى أن الغارمين صنفان، صنف منهم استدانوا في مصالح أنفسهم فيدفع إليهم مع الفقر دون الغنى ما يقضون به ديونهم، وصنف منهم استدانوا في مصالح المسلمين فيدفع إليهم مع الفقر والغنى قدر ديونهم من غير فضل 159.

وفي الآية لمحة بيانية رائعة، وهي أن الله تعالى قال: (ھ) فكأنه قال: (الصدقات في الغارمين) ولم يقل: «للغارمين» ، وعليه فالغارم لا يشترط تمليكه ويجوز الوفاء عنه، وهذا ما اختاره وأفتى به الإمام ابن تيمية 160.

هذا وللفقهاء تفصيل في مسائل تتعلق بالغارمين مبسوطة في مواضعها، لا يتسع المقام لذكرها، مثل: هل يرجع المدين ما أخذه من الزكاة إذا استغنى بعد ذلك؟ وهل يسدد منها دين الميت أم لا؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت