فهرس الكتاب

الصفحة 1953 من 2431

ثانيًا: طلب الرياسة أو الإكراه عليها:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن طلب الإمارة والرياسة للنفس، لما لها من تبعات ومساءلات في الدنيا والآخرة، فعبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعِنت عليها) 53.

وعن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله: ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها) 54.

وطلب الرئاسة والإمارة مما يختلف حكمه، بحسب نية صاحبه وغايته، فقد يحمد وقد يذم، والله يعلم المفسد من المصلح، وهذا لا يعني أن يزهد المصلحون في الرياسة والسياسة ويتركوها للمفسدين، ولقد بين ذلك ربنا سبحانه وتعالى في السياق القرآني في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، حينما طلب سيدنا يوسف عليه السلام من ملك مصر أن يوليه وزارة الاقتصاد، لما علم في نفسه الأمانة والدراية.

يقول تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) } [يوسف: 55] .

1.الإكراه على الرياسة من قبل المفوض.

لربما تتحقق في مسلم ضوابط ومواصفات تؤهله لتولي رياسة أمر من أمور المسلمين في أي موقع كان، ويكره عليها من قبل أولي الأمر أو أهل الشورى والحل والعقد، وهذا المسلم الذي يمتلك شروط الكفاءة التي تؤهله لخدمة المسلمين في موقع رياسته واجبٌ عليه خدمة الناس؛ لأن تولية أهل الصلاح والاختصاص لأمور المسلمين فيه صلاح للدين والدنيا، وهذا مما تراعيه الشريعة الغراء.

يقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 165] .

فالله سبحانه وتعالى وحتى يتحقق التوازن والتكامل في الحياة جعل بين الناس اختلاف تنوع، فمن يجيد شيئًا لا تجده عند آخر، وهكذا دورة الحياة تكتمل، يقول الإمام السعدي في تفسيره للآية الكريمة: «يخلف بعضكم بعضًا، واستخلفكم الله في الأرض، وسخر لكم جميع ما فيها، وابتلاكم، لينظر كيف تعملون» 55.

فالإنسان خليفة الله في الأرض لعمارتها وتعبيد الإنسان لله تعالى، والمسلم المصلح أحق الناس بهذه الرياسة والخلافة، وأن يكره أهل الصلاح والاختصاص على رياسة أمور المسلمين، فهذا مما فيه الخير للجميع.

2.إكراه الناس للاستيلاء الدائم على الرياسة والإمارة.

حذر النبي صلى الله عليه وسلم أيما تحذير من طلب الإمارة والرياسة لهوى في النفس أو غرض شخصي، وأنذر من عواقبها الوخيمة، وبين أنها خزيٌ وندامة في الدنيا والآخرة، وهذا لمن طلبها لنفسه أو صدر نفسه لهذا الأمر، فكيف بمن أكره الناس وأجبرهم على تولي مقاليد أمورهم وهم له كارهون، وأكره الناس على انتخابه، أو الرضا به في موقع الرياسة والإمارة، أو حتى طلب تفويض منهم، وجاء بقوة السلاح والنار.

ولقد بين القرآن الكريم هذا الأمر في حالتين:

الحالة الأولى: الظاهرة الفرعونية في إكراه الناس للحفاظ على الرياسة.

أخبر الله عز وجل عن سحرة فرعون أنهم قالوا: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 73] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت