والملاحظ من الآيتين الكريمتين أن الله تعالى قد شدد على ضرورة الإحسان إلى الوالدين في جميع أحوالهما وبالذات حين يضعفهما الكبر في السن.
وهذا يتطلب من الابن أن يشعر بأنه مدانٌ لوالديه بالكثير؛ فهما اللذان اعتنيا به حين كان صغيرًا لا يقوى على القيام بشيء من احتياجاته، هذا فضلًا عن أنهما كانا السبب في وجوده.
ومن الملاحظ أيضًا في الآية الأولى أن الله تعالى قد أمر بالإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بإفراده بالعبادة، وهذا يدل على مدى أهمية الإحسان إلى الوالدين.
كما يلاحظ في الآية الثانية أن الإحسان إلى الوالدين لا يقتصر على فترة وجودهما في الحياة، وإنما يبقى مستمرًا إلى ما بعد وفاتهما.
وهذا ما فهمه الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يلقى أعرابيًا فيسلم عليه، وينزل عن حماره ليحمل عليه الأعرابي، ويهديه عمامته، فيقول له حينها عبد الله بن دينار رحمه الله تعالى: أصلحك الله إنهم الأعراب ويرضون باليسير، فيرد عليه ابن عمر رضي الله عنهما قائلًا: إن هذا كان ودًا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه) 76.
ويقول الإمام القشيري: «أمر -أي الله تعالى- بالإحسان إلى الوالدين ومراعاة حقهما، والوقوف عند إشارتهما، والقيام بخدمتهما، وملازمة ما كان يعود إلى رضاهما، وحسن عشرتهما، ورعاية حرمتهما، وألا يبدى شواهد الكسل عند أوامرهما، وأن يبذل المكنة فيما يعود إلى حفظ قلوبهما ... هذا في حال حياتهما، فأما بعد وفاتهما فبصدق الدعاء لهما، وأداء الصدقة عنهما، وحفظ وصيتهما على الوجه الذي فعلاه، والإحسان إلى من كان من أهل ودهما ومعارفهما» 77.
وبالتالي فإن بر الوالدين يعد من أعظم أبواب البر والخير التي يجب على الأبناء أن يتزاحموا ويتسابقوا لولوج الجنة من خلالها.
وأما الأمر الثاني الذي يشكر العبد ربه من خلاله على نعمة الرعاية فهو الإحسان إلى الأقارب.
وفيه يقول الله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء: 26] .
وتشمل حقوق ذوي القربى زيارتهم، وحسن التعامل معهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتقديم العون لهم، والإنفاق عليهم حال فقرهم، وغير ذلك من أوجه برهم.
وقد جعلهم الله تعالى في الدرجة الثانية بعد الوالدين نظرًا لكون الوالدين أعظم فضلًا على العبد من باقي أقاربه.
ثانيًا: البر بالمسلمين:
أكرم الله تعالى عباد المؤمنين برباط الأخوة الإيمانية المتين الذي ألف به بين القلوب المتنافرة.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 62 - 63] .
وقال رسول الله: صلى الله عليه وسلم (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك أصابعه) 78.
وتتطلب هذه النصوص الشرعية من المسلمين حسن رعاية بعضهم لبعض، وممن خصهم الله تعالى بالذكر للحث على رعايتهم الأصناف الآتية:
1.اليتامى.
قال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} [البقرة: 177] .
واليتيم هو من فقد أباه وهو صغير 79، وقد خصه الله تعالى بالذكر وجعل النفقة عليه من أوجه البر؛ نظرًا لأنه قد فقد من يعيله ويتولى النفقة عليه بالعادة، وتركه للفقر أمر فيه مفسدة عظيمة.
2.الفقراء.
قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] .
والفقير هو من لا مال له 80، وبالتالي فهو في أمس الحاجة إلى يعينه على لوازم الحياة.
3.المساكين.
قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] .
والمسكين هو من لا يملك ما يكفيه ومن يعيله من المال 81.
وقد جعل الله تعالى هذا الصنف من مصارف الزكاة؛ حتى يتمكن من الحصول على ما يسد به حاجته، ويكفيه ذل المسألة.
4.السائلين.
قال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ} [البقرة: 177] .
والسائل هو الذي يطلب العون والمساعدة من الآخرين 82.
وقد خصهم الله تعالى بالذكر والحث على مساعدتهم؛ لأن سؤالهم ناجم عن فقرهم، وعدم قدرتهم على الكسب، وفي معونتهم سد لحاجاتهم.
5.الجار.
قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] .
وتوصي الآية الكريمة بالإحسان إلى الجيران عمومًا سواء أكانوا أقارب وأرحام، أو كانوا أجانب، وسواء أكانوا ملاصقين في سكناهم أو بعدت أماكن سكناهم، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الجار نظرًا لتعدد الحقوق التي تكون للجار على جاره، فمثلًا إن كان الجار مسلمًا ومن ذوي الأرحام كانت له حقوق الإسلام والجيرة والقرابة، وإن لم يكن من الأقارب كانت له حقوق الإسلام والجوار، وإن لم يكن مسلمًا كانت له حقوق الجوار فقط 83.
وقد أكد المصطفى صلى الله عليه وسلم على ضرورة الإحسان إلى الجار في أحاديث متعددة، منها:
قوله صلى الله عليه وسلم (ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه) 84.
وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها عندما سألته عن المقدم بالهدية من الجيران قائلةً: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: (إلى أقربهما منك بابًا) 85.
وهذا يدل على أن الجار الأقرب هو الأولى بالهدية من الأبعد؛ لأنه ينظر إلى يدخله الجار إلى بيته من المتاع بخلاف الأبعد 86.
6.ابن السبيل.
قال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [البقرة: 177] .
وابن السبيل هو المنقطع عن أهله وماله في سفر 87، وقد جعل الله تعالى إعانة ابن السبيل أحد أوجه البر لما في الانفاق عليه بغية إيصاله إلى بلده وماله من التيسير على المعسر الذي انقطع عن ماله في غير بلده.
7.في الرقاب.
قال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177] .
والمراد بمن في الرقاب هم العبيد 88.
وقد حث الله تعالى على فكاكهم في غير موضع من القرآن الكريم؛ لما في فكاكهم وتخليصهم من الرق والعبودية من الحفظ لكرامتهم، والإعلاء لشأنهم.
ثالثًا: البر مع الأعداء:
لم يقتصر فضل البر على المسلمين فحسب، وإنما تعدى الأمر المسلمين ليصل إلى غيرهم من غير المسلمين، وما ذلك إلا تعبيرًا عن سماحة الإسلام وأهله.
وفي هذا الشأن يقول الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8 - 9] .
وتبين الآية الكريمة أن البر إلى غير المسلمين جائز شريطة أن يكونوا مسالمين وأن يلتزموا بعهودهم ومواثيقهم التي أبرموها مع المسلمين.
قال تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7] .
أما المحاربين فلا تجوز مودتهم؛ لأنهم ناصبوا المسلمين العداء، وبذلوا كل جهد للقضاء على الإسلام والمسلمين، فهؤلاء ليس لهم عند المسلمين إلا القتال حتى يغلبوا وينتهي شرهم، ولا يعني ذلك جواز تجاوز الحد المأذون به شرعًا في معاقبة الأعداء، أو معاقبة غير المعتدين 89؛ فإن العدل مع الأعداء من البر الذي دعا إليه الإسلام.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] .
والبر إلى المسالمين من غير المسلمين يكون في التعامل معهم في مختلف المجالات بالرفق واللين، وعدم هضم حقوقهم أو الانتقاص من شأنهم، وذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ، فأنا حجيجه يوم القيامة) 90.
ولا يشمل البر إلى المسالمين من غير المسلمين موالاتهم في معتقداتهم الفاسدة، فالغرض من برهم هو دعوتهم إلى الهدى والإيمان وليس التأثر بمعتقداتهم الباطلة.
قال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) } [الكافرون: 1 - 6] .
1.مما لا شك فيه أن للبر آثار جليلة تعود بالنفع على الأبرار في الدنيا والآخرة، كيف لا يكون ذلك والله تعالى هو الذي أمر بالبر وحث عليه المؤمنين، ولمعرفة تلك الآثار لابد للنظر في نصوص القرآن الكريم، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: آثار البر في الدنيا:
1.محبة الله تعالى.
وقد أكد الله تعالى محبته للقائمين بأعمال البر التي حثت الشريعة الإسلامية في غير موضع من كتاب الله تعالى.
قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .
والآية الكريمة تبين أن الإنفاق في سبيل الله تعالى في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الآخرين، والإحسان في الأمور كلها تستدعي محبة الله تعالى، ومما لا شك فيه أن الأمور التي ذكرتها الآية الكريمة من أعمال البر.
وقال تعالى في موضع آخر: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] .
والآية الكريمة تحث على الصبر والتحمل في سبيل إعلاء شأن الإسلام، وعدم الفتور والضعف والاستكانة مهما أصابهم من قتل وجراح وغير ذلك في سبيل الله تعالى 91.
ومعلوم أن الصبر من أعظم الأخلاقيات التي حث عليها الإسلام.
2.الطمأنينة وانشراح الصدر.
قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 125 - 127] .
يبين الله تعالى في هذه الآيات الكريمة أن الذي يهديه الله تعالى للإسلام يشرح صدره بأن يقذف في قلبه نورًا يميز من خلاله الحق فيقتنع به ويهتدي إليه، وتطمئن نفسه إلى المسلك الذي يسير فيه 92.
قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] .
والمقصود بالظلمات في الآية الكريمة هو ظلمات الكفر، والنور هو نور الإيمان 93.
وهذا النور الذي يجده المؤمن في حياته هو سبب الراحة النفسية التي يعيشها، كما أن الطمأنة الإلهية للمؤمنين الأبرار هي مفتاح السعادة بالنسبة لهم.
وقد جاءت هذه الطمأنة في الحديث القدسي الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته) 94.
يبين هذا الحديث الشريف أن الاجتهاد في أعمال البر أمر يٍوجب محبة الله تعالى، كما أن الله تعالى يكرم الأبرار بلذة وراحة أثناء قيامهم بأعمال البر.
وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) 95.
ولا يقتصر انشراح صدر المؤمن البار واطمئنانه خلال فترة حياته فحسب، بل إن الملائكة الكرام تتنزل عليه عند قبض روحه لطمأنته وتبشيره 96.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30] .
3.الحياة الطيبة.
قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
والملاحظ أن الآية الكريمة عبارة عن جملة شرطية، ومعلوم أن أسلوب الشرط يعمد إلى الربط بين أمرين فلا يتحقق الأمر الثاني إلا إذا تحقق الأمر الأول، وبالتالي فإن تحقق حصول الحياة الطيبة للعبد في الدنيا أمر مرهون باستقرار الإيمان في قلبه، ومداومته على العمل الصالح، ويقول الله تعالى في موضع آخر: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] .
وتبين هذه الآية الكريمة أن اتباع الهدى شرط لعدم الضلال والشقاء.
ثانيًا: آثار البر في الآخرة:
وضع الله تعالى شرطًا للنجاة من عذابه الأليم في الآخرة، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
وتوضح الآية الكريمة أن الشرط هو المداومة على العمل الصالح، وعدم الاشراك بالله تعالى مطلقًا، وقد أكد الله تعالى في غير موضع من القرآن الكريم على حسن مآل الأبرار المحسنين، كما حدد آثار البر والعمل الصالح على الأبرار في الآخرة، والتي منها ما يأتي:
1.الأمان من الخوف والحزن.
قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62 - 64] .
تبين الآيات الكريمة أن أولياء الله تعالى من المؤمنين الأبرار لا خوف عليهم مما سيكون يوم القيامة من أهوال مخيفة، ولا هم يحزنون على ما أسلفوا، لأنهم لم يقدموا إلا صالحًا 97.
يقول شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: ألا إن أنصار الله لا خوف عليهم في الآخرة من عقاب الله، لأن الله رضي عنهم فآمنهم من عقابه، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا» 98.
2.النجاة من النار والفوز بالجنة ونعيمها.
قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 22 - 28] .
تبين الآيات الكريمة حسن ما أعده الله تعالى لعباده الأبرار من النعيم والثواب في جنانه التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وقد قال الله تعالى عما في هذه الجنان: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ} [يس: 57] .
وقال تعالى أيضًا: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت:30 - 31] .
فهذه الآيات تحتوي على البشارات الواضحة بدخول المؤمنين الصالحين الأبرار جنان ربهم جل وعلا، وحصولهم فيها على ما يشاؤون من النعم والمتع، كما جاءت آيات أخرى تبين الطريقة التي من خلالها ادخال المؤمنين إلى جنان ربهم جل وعلا، منها قوله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [مريم: 85] .
وتعني كلمة وفدًا أي: ركبانًا 99.
وهذا مما يدل على تكريم الله تعالى لهم لما قدموه من العمل الصالح في الدنيا.
ومن الآيات أيضًا التي تبين حسن استقبال المؤمنين البررة عند دخولهم الجنة قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] .
وتبين الآية الكريمة أن خزنة الجنة من الملائكة يستقبلون الأبرار من المؤمنين الأتقياء أحسن الاستقبال عند دخولهم الجنة، وحين يرى المؤمنون حسن استقبالهم وما أعده الله تعالى لهم من الأجر الكبير يقولون: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر: 74] .
موضوعات ذات صلة:
الإحسان، التطوع، الخير، العطاء
1 انظر: جمهرة اللغة، أبو بكر الأزدي 1/ 67، مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 179،181، المحكم، ابن سيده 10/ 240،243، مشارق الأنوار، السبتي 1/ 84.
2 انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 2/ 425، مفاتيح الغيب، الرازي 8/ 289، لباب التأويل، الخازن 1/ 268.
3 البحر المحيط 2/ 170.
4 فتح القدير 1/ 199.
5 تفسير المراغي 2/ 54.
6 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص 117.
7 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 129،130.
8 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 6/ 131.
9 جامع العلوم والحكم، ابن رجب ص 138
10 انظر: تاج العروس، الزبيدي 11/ 238.
11 روح البيان، إسماعيل حقي 7/ 348.
12 انظر: الفروق اللغوية، العسكري 1/ 170.
13 انظر: لسان العرب، ابن منظور 13/ 117.
14 التفسير المنير 14/ 212.
15 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 60.
16 التعريفات ص 9.
17 انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 5/ 2648.