والشرط المبيح للتيمّم في كل ما تقدّم، هو: فقد الماء، أو تعذّر استعماله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} والمقصود انعدام الماء، بعد طلبه والسعي في الحصول عليه، أو كان عنده، ولكن يتعذّر عليه استعماله لمرض أو خطر يهدّده، كوجود حيوان مفترس عند مصدر الماء، أو غيرها من الموانع، فعندها ينتقل من الوضوء أو الغسل إلى التيمّم 133.
وصفته كما قال عز وجل: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} وفسّرته السنة النبوية.
فعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما أنه قال: أجنبت فلم أصب الماء، فتمعّكت 134 في الصعيد وصلّيت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (إنما كان يكفيك هكذا) ، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفّيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفّيه 135.
ثم ختم الله تعالى الكلام حول الوضوء والغسل والتيمم بقوله: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] .
فليس المقصود من هذه التشريعات هو العنت والحرج على عباد الله تعالى، ولكن هي نعمة من الله تبارك وتعالى؛ ليطهّر بها الأرواح والنفوس، فتلتزم بأوامره وشرعه، وتحافظ على طهارة ظاهرها؛ فتكتمل فيها صورة الطهارة حسًّا ومعنى، فهذه الطهارة الحسية هي مقدّمات للوقوف بين يدي الله جل وعلا في الصلاة، حيث تسمو فيها الروح، وهي تعرج إلى بارئها، فكان لزامًا على هذا العبد وهو في موقفه العظيم بين يدي خالقه أن يكون طاهر الأعضاء والجوارح، احترامًا وتقديرًا وتقديسًا لوقوفه بين يدي مولاه.
«وقد شرع الإسلام الوضوء والغسل للمؤمن ليكون مظهرًا دالًّا على طهارة الظاهر، كما دعا إلى اجتناب المعاصي والآثام ليكون عنوانًا على طهارة الباطن، فالوضوء والغسل إنما يقصد منهما النظافة وهي «طهارة حسية» تعوّد الإنسان على حياة الطهر في النفس والخلق والدين ... ، إن الإسلام دين الطهارة وطهارة الظاهر فرع، وطهارة الباطن أصل، وطهارة الظاهر شرط لصحة الصلاة، كما أن طهارة الباطن شرط لدخول الجنة {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89] .
وهما جميعًا سبب لمحبة الله {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] » 136.
وبهذا يتأكّد لنا معنى الرباط الوشيج بين الطهارة المادية والحسية، ويتأكّد لنا أن الأصل في الطهارة هو طهارة النفس، ومن ثم تكون طهارة الظاهر ثمرة لتلك الشجرة الطيبة.
التقوى: خشية الله تعالى، وهي ثمرة العبادات التي شرعها الله تعالى.
قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] .
ولذلك قال سبحانه وهو يذكر شرائع الحج والهدي: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37] .
ومن الأمثلة على أن التقوى هي الهدف من وراء العبادات، ما ذكره الرازي رحمه الله وهو يتحدث عن سورة النساء، فيقول: «اعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف؛ وذلك لأنه تعالى أمر الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام، والرأفة بهم، وإيصال حقوقهم إليهم، وحفظ أموالهم عليهم؛ وبهذا المعنى ختمت السورة ... ، وذكر في أثناء هذه السورة أنواعًا أخر من التكاليف، وهي الأمر بالطهارة والصلاة وقتال المشركين؛ ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس لثقلها على الطباع لاجرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه التكاليف الشاقة، وهي تقوى الرب الذي خلقنا، والإله الذي أوجدنا» 137.
ومن النماذج العملية التي ذكرها الله تعالى في القرآن قصة يوسف عليه السلام الذي نشأ على الإخلاص لربّه، وتربى على خشيته تعالى، فبنى في نفسه قاعدة صلبة حفظته بحفظه لربه من الوقوع في نتن الفاحشة وخبثها.
قال سبحانه: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] .
يوسف عليه السلام أمام هذه المحنة العظيمة أحاطت به الدواعي الكثيرة التي تغري الشاب الغريب، الممتلئ قوة واندفاعًا، وهو في حضرة امرأة العزيز، وقد تهيّأت له بالجمال، وغلّقت الأبواب، بابًا وراء باب، ودعته لنفسها بلسان الحال قبل المقال، ولكنه قال بكل ثقة: {مَعَاذَ اللَّهِ} .
يقول السعدي رحمه الله: «والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل تقوى الله، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا يفلح من تعاطاه، وكذلك ما منّ الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه، يقتضي منه امتثال الأوامر، واجتناب الزواجر» 138.
ولذا جعل الله تبارك وتعالى التقوى شعار الطاهرين، الذين يحبّهم ويرضى عنهم، ويتقبّل منهم أعمالهم.
قال سبحانه: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] .
«ولما كان من شأن الأساس أن تطلب له صلابة الأرض لدوامه جعلت التقوى في القصد الذي بني له أحد المسجدين، فشبّهت التقوى بما يرتكز عليه الأساس» 139.
فإذا ما تحقّقت التقوى في قلب المؤمن، كان عمله صالحًا متقبلًا، وعاش طاهرًا نقيًّا، فالتقوى تحثه على التزام طاعة ربه، وخشيته جلا وعلا، وترك ما يكدر صفو إيمانه، من التلطخ برجس المعاصي ونتنها، فيعيش ملتزمًا بصراط الله المستقيم {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] .
ومن العبادات التي افترضها الله تعالى علينا: الزكاة، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103] .
ولا يقتصر أثر الزكاة على تطهير المال ونمائه فحسب، بل لها أثر عظيم في تربية النفس وتزكيتها، وتطهيرها من الذنوب والشّح؛ فنفس الغني تطهر من البخل، ونفس الفقير تطهر من الحسد، وتكسبه القناعة والرضا 140، ولذلك حثّ الله تبارك وتعالى عباده على تأدية الزكاة، والتطوّع بالصدقات، وقد أثنى سبحانه وتعالى على {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [الليل:18] .
فيحرص المؤمن على إخراج ماله في سبيله سبحانه، رجاء أن يطهّره الله بذلك من أمراض القلوب وأدرانها، وأن ينقيّه مما كان منه من الخطأ أو التقصير.
وأمر الله سبحانه بتقديم الصدقات عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم ومخاطبته، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المجادلة: 12] .
يقول الشيخ محمد علي الصابوني: «أمر تعالى عباده المؤمنين إذا أرادوا مناجاته عليه الصلاة والسلام لأمرٍ من الأمور أن يتصدّقوا قبل هذه المناجاة تعظيمًا لشأن الرسول صلى الله عليه وسلم ونفعًا للفقراء، وتمييزًا بين المؤمن المخلص، والمنافق المراوغ؛ فإن ذلك أزكى للنفوس، وأطهر للقلوب، وأكرم عند الله تعالى، فإذا لم يتيسر للمؤمن الصدقة فلا بأس عليه ولا حرج» 141.
ومن حكمة الله تعالى في ندبه للصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم: تطهير قلوب المؤمنين، وتزكية نفوسهم «لما فيه من تعويدها على عدم الاكتراث بالمال، وإضعاف علاقة حبّه المدنّس لها، وفيه إشارة إلى أن في ذلك إعداد النفس لمزيد الاستفاضة من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند المناجاة» 142.
فالصدقة هنا تطهّر القلب من الأدناس «التي من جملتها ترك احترام الرسول صلى الله عليه وسلم والأدب معه بكثرة المناجاة التي لا ثمرة تحتها، فإنه إذا أمر بالصدقة بين يدي مناجاته صلى الله عليه وسلم صار هذا ميزانًا لمن كان حريصًا على الخير والعلم، فلا يبالي بالصدقة، ومن لم يكن له حرص ولا رغبة في الخير، وإنما مقصوده مجرد كثرة الكلام، فينكف بذلك عن الذي يشق على الرسول» 143 صلى الله عليه وسلم.
وفي المقابل حرّم الله جلّ وعزّ الربا لشدة خطره وضرره على المجتمع، وكونه سببًا رئيسًا في تلويث القلوب بالأحقاد والحسد والغل، يقول الشيخ محمد علي الصابوني: «الصدقة عطاء وسماحة، وطهارة وزكاة، وتعاون وتكافل ... ، والربا شحّ وقذارة ودنس وجشع وأثرة وأنانية ... ، فلا عجب إذًا أن يعده الإسلام أعظم المنكرات والجرائم الاجتماعية والدينية، وأن يعلن على المرابين الحرب {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279] .
وذلك للأضرار الفادحة والمساوئ التي تترتب عليه» 144.
من أعظم ما يطهّر النفس: اتباع أوامر الله تعالى، والتزام شرعه، والمسارعة في الأعمال الصالحة؛ لأنها «أهم وسائل التزكية العملية التي يعيش المسلم حياته معها، وبقدر ما يكثر منها يكون مزكّيًا لنفسه، بشرط أن يأتي بها على وجهها الذي شرعه الله، ويخلص فيها لله» 145.
وأول أمر ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] .
وهذا نداء عام لجميع الناس، فهو للمؤمنين باستدامة العبادة، وللكافرين بأن يعبدوا الله وحده لا شريك له، والعبادة هنا تعني: توحيده تعالى، والتزام شرائع دينه 146.
وأعظم شرائع الدين بعد الشهادتين: الصلاة، وقد حثّ الله تبارك وتعالى عليها في مواضع عدّة، وأوصانا بها حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما ذلك إلا لعظم منزلتها وقدرها، وهذه الصلاة لها روحٌ، كما أن للجسد روحًا يموت بدونها، وروح الصلاة الخشوع، وهي التي ميّز الله بها المؤمنين، وأثنى عليهم بها، فقال سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 - 2] .
ومن حقّق الخشوع في الصلاة جنا ثمرتها، وتحقق له ما أراد الله منها بقوله: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] .
يقول الإمام الطبري رحمه الله: «تنهى من كان فيها، فتحول بينه وبين إتيان الفواحش؛ لأن شغله بها يقطعه عن الشغل بالمنكر؛ ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: من لم يطع صلاته لم يزدد من الله إلا بعدًا؛ وذلك أن طاعته لها إقامته إياها بحدودها، وفي طاعته لها مزدجر عن الفحشاء والمنكر» 147.
ومن العبادات التي تطهّر النفس: الصوم، وهو عبادة جليلة، فيه تربّية النفس على العفو والتسامح، وقد بيّن الله تعالى الحكمة من افتراضه صوم شهر رمضان، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
ومن شرائع الله: الحج، وهو عبادة عظيمة، من أدّاها كما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، رجع منها وقد طهّر من ذنوبه وخطاياه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه) 148.
والحج يربّي النفس على التواضع والمساواة والعفو، ويطهر النّفس من أمراضها.
قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197] .
والرفث هو الفحش والقول القبيح، وقيل: هو جماع المرأة ومقدماته، والفسوق: المعاصي 149، ولاشك أنّ الابتعاد عن هذه الأمور من أعظم ما يتطهر به القلب.
وفي سورة البقرة بعد أن ذكر الله تعالى جملة من أحكام الطلاق والعدّة قال: {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} [البقرة: 232] .
يقول حجازي رحمه الله: «ذلك أزكى لكم وأطهر من دنس الوقوع في المحرم، وهو أزكى نظام وأطهره» 150.
وفي سورة الأحزاب ذكر الله تعالى آية الحجاب، وبيّن فيها أدب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، وفرض فيها الحجاب على أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وبيّن لنا الحكمة في ذلك، فقال: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53] .
وهكذا في سائر العبادات، إذا ما التزم المسلم بها، وأخلص لربّه تعالى فيها، فإنها تؤتي أكلها في تطهير النفس والقلب، وبهذا يتبين لنا مدى أهمية التزام شرع الله تعالى في تطهير النفس وصفائها.
أولًا: محبة الله:
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}
المتطهر يحبه الله تعالى، ومن أحبّه الله عاش في ظلال رحمته، يقول حجازي رحمه الله: «أما محبة الله لهم فهذا شيء هو أعلم به إلا أنا نعرف من الحديث أن الله يحب من عباده الصالحين الموفّقين إلى الخير» 151.
وذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه) 152.
ولهذه المحبة أثرها البالغ في نفس المؤمن؛ لأنه ما وصل إلى هذه المنزلة إلا بعد أن ترقّى في تطهير روحه، فسما بها في طاعة ربه، وتنزّه عمّا يلوث قلبه ونفسه وجسده ومحيطه من النجاسات الحسية والمعنوية، فعرفه الناس بتقواه وصدقه، فكتب له الله تعالى حبّهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحبّه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبّوه. فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض) 153.
فمحبّة الله تعالى -كما بيّن الحديث الشريف- تجلب محبة الخلق، والإنسان متى ما كان محبوبًا عند الله تعالى وعند الناس كان في سعادة وهناء، فمحبة الله تعالى تعني له حفظ الله سبحانه له وتوفيقه إيّاه، ومحبة الخلق تعني له حسن العشرة معهم.
ثانيًا: صحة العبادة:
من أعظم أركان الدّين، وأرفعها منزلة وقدرًا: الصلاة.
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] .
وقد أجمع العلماء على وجوب الطهارة لها 154، «والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفًا على الطهارة، فلا يدخل المصلي عليه حتى يتطهر؛ وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفًا على الطيب والطهارة، فلا يدخلها إلا طيّب طاهر، فهما طهارتان: طهارة البدن، وطهارة القلب» 155.
فالطهارة شرط للصلاة وغيرها من العبادات كالطّواف ومسّ المصحف الشريف، وهذا يجعل للطهارة منزلة عظيمة في الإسلام؛ إذ إنها شرط لأول أركان الدين بعد الشهادتين، والمسلم يصلي في اليوم والليلة خمس صلوات مكتوبات فضلًا عن الرواتب والمستحبات؛ وذلك يجعله على طهارة مستمرة، وهذه الطهارة لأداء الصلاة لا يقتصر أثرها في رفع الحدث وإزالة الخبث فحسب، بل ترتقي لتكون سببًا بإذن الله تعالى في محو الذنوب، وتكفير الخطايا. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء) ، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: (فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا) 156.
يبيّن لنا الحديث مدى أهمية الصلاة، وأثرها في طهارة الباطن والظّاهر، فالوضوء للصلاة سبب في النّقاء من الأدران، وهي: الأوساخ 157.
والصلاة تلو الصلاة سبب في النّقاء ممّا يتلوّث به الإنسان من أدران الخطايا.
ثالثًا: شكر النعمة ودوامها عليه:
من أعظم نعم الله تعالى على عباده: نعمة المال، وهو من ضروريات الحياة، ومن حصلت له هذه النعمة فعليه أن يشكر الله جل وعلا عليها؛ حتى تزيد وتدوم.
قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] .
ومن الأمور التي أوجبها الله تعالى علينا في المال: الزكاة، كما ندبنا الشّرع الحنيف إلى الصدقة، وهذه من أوجه الإنفاق التي لها أكبر الأثر في حصول البركة، وتزكية النفس.
قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103] .
الخطاب موجّه لأشرف الخلق محمد عليه السلام: «خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم من دنس البخل، وشحّ النفس، ولؤم الطبع، وقسوة القلب، وتزكيهم بها حتى تنمو نفوسهم على حب الخير، وتزرع في قلوبهم شجر العطف على الفقير والضعيف والمحتاج، بهذا تنمو النفس وترتفع» 158.
ومن أهم مقاصد الدّين: السمو بالنفس، والارتقاء بالإنسان في مراتب الإيمان، وهذا لا يكون مع نفس متعلّقة بحطام الدنيا الزائل، وديننا الحنيف يحثنا على الكسب الطّيب، إلا أنه حذّرنا أشد الحذر من أن تدخل شهوة المال شغاف قلوبنا، بل جعله وسيلة لتيسير أمور الحياة، وحتى يعيش المؤمن هذه المعاني شرع الله تعالى الصدقة والزكاة، فالزكاة: طهارة ونماء، والصدقة: دليل على صدق الإيمان، وتوافق الظاهر مع الباطن 159.
وانظر وتأمّل في الآية الموالية للآية المتقدّمة، قال سبحانه: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104] .
«التوبة تغسل الذنب وتمحوه، وتجدّد العهد وتقويه، ولذلك جاءت بعد الأمر بأخذ الصدقة لبيان السبب في الجملة» 160.
فمجرد إخراج المال دون قلب مخلص، ولا نية صادقة لا يرقى إلى تزكية النفس والسمو بها، بل لابد معه من توبة نصوح، وإيمان وخضوع لله رب العالمين، حينها تكون الصدقة معراجًا للنفس للسمو بها في آفاق الطهارة القلبية والروحية.