فهرس الكتاب

الصفحة 1900 من 2431

كفى قلم الكتاب عزًّا ورفعة

مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم

وفي القسم بما يسطر الكاتبون بالقلم إشارة إلى أن هذه الأداة المكرمة ينبغي ألا يكتب بها إلا ما كان من الحق والخير، وإلا ما كان دعوة إلى هدى وتوجيهًا إلى خير.

إنه أداة تسجيل العلوم والمعارف وحفظها، وهو ينقل عن الإنسان نتاج تفكيره، وثمرات عقله، ويقيم له بهذا ذكرًا خالدًا في الحياة، بقدر ما يحمل القلم عنه من خير، وما ينشر من نفع، فكان لهذا جديرًا بأن يصان من أن يخط باطلًا، أو يسجل لغوًا 134.

قال ابن عاشور: وأكد ذلك بالقسم بما هو من مظاهر حكمة الله تعالى في تعليم الإنسان الكتابة، فتضمن تشريف حروف الهجاء والكتابة والعلم؛ لتهيئة الأمة لخلع دثار الأمية عنهم، وإقبالهم على الكتابة والعلم؛ لتكون الكتابة والعلم سببًا لحفظ القرآن، ومن فوائد هذا القسم أن هذا القرآن كتاب الإسلام، وأنه سيكون مكتوبًا مقروءًا بين المسلمين؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بكتابة ما يوحى به إليه، وتعريف القلم تعريف الجنس، فالقسم بالقلم لشرفه بأنه يكتب به القرآن، وكتبت به الكتب المقدسة، وتكتب به كتب التربية ومكارم الأخلاق والعلوم، وكل ذلك مما له حظ شرف عند الله تعالى 135.

ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (ں ں وَالطُّورِ ?1?ہوَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ?2?فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ?3?) [الطور:1 - 3] .

فأقسم الله تعالى ها هنا فقال: (وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ) والمسطور: المكتوب 136.

و (?فِي رَقٍّ) متعلق بمسطور، أي: مكتوب في رق، والرق: الجلد الرقيق، يكتب فيه، وقال الراغب: الرق ما يكتب فيه، شبه الكاغد 137. فهو أعم من كونه جلدًا وغيره (مَنْشُورٍ) أي: مبسوط، مهيأ للقراءة 138.

والمراد بالمسطور أيضًا أنه: متقن الكتابة بسطور مصفوفة، في حروف مرتبة، جامعة لكلمات متفقة 139.

وفي وصف الكتاب بأنه مسطور أيضًا إشارة إلى أنه مكتوب كتابة في أسطر على نحو ما يكتب الكاتبون.

وفي وصفه بأنه في رق منشور إشارة أخرى إلى أنه خفيف الحمل، سهل التداول، وأنه منشور، أي: مفتوح للقارئين، غير مطوي عنهم.

وفي هذا كله تنويه بالكتابة، ورفع لقدرها، وأنها باب واسع من أبواب العلم، وطريق فسيح من طرق المعرفة.

وليس هذا بالأمر المستغرب من رسالة افتتحت بهذا الأمر من رب العالمين إلى النبي الأمي في قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ?1?خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ?2?اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ?3?الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ?4?عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ?5?) [العلق 1 - 5] .

ثم تلا هذا الأمر قَسَمٌ بالكتابة، وأدواتها من حروف وأقلام، فقال تعالى: (ن ? وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) [القلم:1] .

فالكتابة نعمة من نعم الله العظمى على الإنسان، تكمل بها نعمة الكلمة التي وضعها سبحانه وتعالى في فم الإنسان، فلا عجب إذن أن يقسم الله سبحانه وتعالى بالكتاب من حيث هو جنس عام لكل ما يكتب، وأن ينظمه في نسق واحد، مع هذه المعالم المباركة التي أقامها الله سبحانه هدى ورحمة للناس، كالطور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور 140.

ومما يستفاد أيضًا من تسميته رقًّا: أنه مرقق، وقد غلب الاستعمال على هذا الذي هو من جلود الحيوان 141.

ومما يفيده وصف الكتاب بالمسطور أيضًا: أنه متسق الكتابة، منتظم الحروف، مرتب المعاني، فالمراد بالكتاب المكتوب، وبالمسطور: الذي سطرت حروفه وكلماته تسطيرًا جميلًا حسنًا، والأظهر أن المقصود به القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى قد أقسم به كثيرًا.

فوصف الكتاب بثلاث صفات:

والمقصود: أن من أساليب القرآن في الحث على الكتابة: أنه أقسم بأداتها، وهي القلم، وما يكتبه ويسطره من كتابات، فقال: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) } [القلم:1] .

فالآية لفتت إلى سر القلم من حيث هو أداة الكتابة التي يدون بها العلم ويحفظ، وينتقل على امتداد الزمان والمكان، وتتابع الأجيال، ولا يتسع المقام لكل ما عده المفسرون من شرف القلم، وفوائد الكتابة، على أن يظل للبيان القرآني دلالته في لفت النبي الأمي والعرب الأميين إلى جلال القلم، آية من آيات الخالق الذي خلق الإنسان من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم، بما تعني من اختصاص الإنسان دون سائر الكائنات بالقلم، وكسب العلم، وهذا من الخصائص الإنسانية التي يضيف إليها الوحي من بعد ذلك ما يجلوها ويزيدها بيانًا؛ إذ يجعل العلم مناط تكريم آدم الإنسان الأول، وحقه في الخلافة في الأرض، ويسوق الآيات، ويضرب الأمثال للذين يعلمون، ويقصر خشيته تعالى على العلماء 144.

ثانيًا: الأمر بالكتابة:

ومن أساليب القرآن في الحث على الكتابة الأمر بها، وقد سبق الكلام على قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة:282] .

ففي قوله: {فَاكْتُبُوهُ} وقوله: {وَلْيَكْتُبْ} أمران اثنان بالكتابة، وفي ذلك حث على تعلم الكتابة؛ إذ لا يتم امتثال الأمر بالكتابة إلا بتعلمها.

فشرعت الكتابة لحفظ ما يقع بين المتعاقدين إلى حلول الأجل؛ لأن النسيان يقع كثيرًا في المدة التي بين العقد، وحلول الأجل، وقد تطرأ عوارض من موت أو غيره، فشرع الله الكتابة لحفظ المال، وضبط الواقع، كما أنها شرعت لحفظ العلم وتقييده، ونقل العلوم من جيل إلى جيل.

وقد ذكر السعدي رحمه الله من فوائد آية الدين: أن فيها مشروعية كون الإنسان يتعلم الأمور التي يتوثق بها المتداينون كل واحد من صاحبه؛ لأن المقصود من ذلك التوثق والعدل، وما لا يتم المشروع إلا به فهو مشروع.

وفيها: أن تعلم الكتابة مشروع، بل هو فرض كفاية؛ لأن الله أمر بكتابة الديون وغيرها، ولا يحصل ذلك إلا بالتعلم 145.

وظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة؛ لأن الأمر من الله يدل على الوجوب؛ ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283] الآية؛ لأن الرهن لا يجب إجماعًا، وهو بدل من الكتابة عند تعذرها في الآية، فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجبًا، وصرح بعدم الوجوب بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة:283] الآية.

فالتحقيق أن الأمر في قوله: {فَاكْتُبُوهُ} للندب والإرشاد؛ لأن لرب الدَّيْن أن يهبه ويتركه إجماعًا، فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على جهة الحيطة للناس 146.

ورجح ابن عاشور أن الأمر بالكتابة هنا للوجوب، فقال: والقصد من الأمر بالكتابة التوثق للحقوق، وقطع أسباب الخصومات، وتنظيم معاملات الأمة، وإمكان الاطلاع على العقود الفاسدة، والأرجح أن الأمر للوجوب، فإنه الأصل في الأمر، وقد تأكد بهذه المؤكدات.

وأن قوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} الآية، رخصة خاصة بحالة الائتمان بين المتعاقدين، فإن حالة الائتمان حالة سالمة من تطرق التناكر والخصام؛ لأن الله تعالى أراد من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى، فأوجب عليهم التوثق في مقامات المشاحنة؛ لئلا يتساهلوا ابتداء، ثم يُفْضوا إلى المنازعة في العاقبة، ويظهر لي أن في الوجوب نفيًا للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب؛ حتى لا يَعُدَّ المدين ذلك من سوء الظن به، فإن في القوانين معذرة للمتعاملين.

وقال ابن عطية: الصحيح عدم الوجوب؛ لأن للمرء أن يهب هذا الحق ويتركه بإجماع، فكيف يجب عليه أن يكتبه، وإنما هو ندب للاحتياط 147.

قال ابن عاشور: وهذا كلام قد يروج في بادئ الرأي؛ ولكنه مردود بأن مقام التوثق غير مقام التبرع، ومقصد الشريعة تنبيه أصحاب الحقوق حتى لا يتساهلوا، ثم يندموا، وليس المقصود إبطال ائتمان بعضهم بعضًا، كما أن من مقاصدها دفع موجدة الغريم من توثق دائنه إذا علم أنه بأمر من الله، ومن مقاصدها قطع أسباب الخصام 148.

والمقصود: أن في هذا الأمر الإلهي بالكتابة دعوة إلى تعلمها، سواء كان أمرًا على الوجوب، أو على الندب، فالقدر المشترك بينهما طلب حصول الفعل، وهو الكتابة، وفي هذا حثٌ عليها، وطلبٌ لها.

ثالثًا: الثناء على أهل الكتابة:

ومن أساليب القرآن في الحث على الكتابة، الثناء على أهلها، فقد وصف الله تعالى الملائكة بأنهم كاتبون، فقال: {كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) } [الانفطار:11] .

والمراد بكونهم كاتبين، أي: أنهم قائمون على كتابة أعمال العباد، بأمر الله لهم.

ومما تجدر الإشارة إليه أن في وصف الحفظة هنا بهذه الصفات من كونهم حافظين، كرامًا، كاتبين، يعلمون، دليلًا على أنه اجتمع لهم كل صفات التأهيل، من حفظٍ، وعلو منزلةٍ، وعلم بما يكتبون؛ وكأنه توجيه لما ينبغي لولاة الأمور مراعاته في استكتاب الكُتَّاب والأمناء؛ ولذا قالوا: على القاضي أن يتخير كاتبًا أمينًا، حسن الخط، فاهمًا، ومن هذا الوصف يعلم أنه لا يختلط عليهم عمل يعمل، وكونهم حفظة لا يضيعون شيئًا، ولو كان مثقال ذرة 149.

وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور؛ ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه، ويجازي به الملائكة الكرام الحفظة الكتبة، وفيه إنذار وتهويل، وتشوير للعصاة 150، ولطف للمؤمنين، وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال: ما أشدها من آية على الغافلين 151.

فالكرم صفتهم النفسية الجامعة للكمال في المعاملة، وما يصدر عنهم من الأعمال، وأما صفة الكتابة فمراد بها ضبط ما وكلوا بحفظه ضبطًا لا يتعرض للنسيان، ولا للإجحاف ولا للزيادة.

وأما صفة العلم بما يفعله الناس فهو الإحاطة بما يصدر عن الناس من أعمال، وما يخطر ببالهم من تفكير، مما يراد به عمل خير أو شر، وهو الهم.

واعلم أنه ينتزع من هذه الآية أن هذه الصفات الأربع هي عماد الصفات المشروطة في كل من يقوم بعمل للأمة في الإسلام من الولاة وغيرهم، فإنهم حافظون لمصالح ما استحفظوا عليه، وأول الحفظ الأمانة، وعدم التفريط.

فلا بد فيهم من الكرم، وهو زكاء الفطرة، أي: طهارة النفس، ومن الضبط فيما يجري على يديه، بحيث لا تضيع المصالح العامة ولا الخاصة، بأن يكون ما يصدره مكتوبًا، أو كالمكتوب مضبوطًا لا يستطاع تغييره، ويمكن لكل من يقوم بذلك العمل بعد القائم به، أو في مغيبه أن يعرف ماذا أجري فيه من الإعمال، وهذا أصل عظيم في وضع الملفات للنوازل والتراتيب، ومنه نشأت دواوين القضاة، ودفاتر الشهود، والخطاب على الرسوم، وإخراج نسخ الأحكام والأحباس وعقود النكاح.

ومن إحاطة العلم بما يتعلق بالأحوال التي تسند إلى المؤتمن عليها، بحيث لا يستطيع أحد من المخالطين لوظيفة أن يموه عليه شيئًا، أو أن يلبس عليه حقيقة؛ بحيث ينتفي عنه الغلط والخطأ في تمييز الأمور بأقصى ما يمكن 152.

ومن الترغيب بالكتابة مدح الكتاب المكتوب، وانظر إلى قول الله تعالى على لسان بلقيس: {قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) } [النمل:29] .

فسليمان عليه السلام كتب كتابًا: من عبد الله سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي، وأتوني مسلمين.

قال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قص الله في كتابه -يعني أنه كان كتابًا مختصرًا- وقال قتادة: وكذلك كل الأنبياء كانت تكتب جملًا، لا يطيلون، ولا يكثرون، فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، فقال للهدهد: {اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ} [النمل:28] .

قال عطاء والضحاك: سمته كريمًا لأنه كان مختومًا، وقال قتادة ومقاتل: {كِتَابٌ كَرِيمٌ} أي: حسن، وهو اختيار الزجاج، وقال: حسن ما فيه، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: {كَرِيمٌ} أي: شريف لشرف صاحبه، وقيل: سمته كريمًا؛ لأنه كان مصدرًا ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم بينت ممن الكتاب، فقالت: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} 153.

وقيل: كريم مضمونه، وقيل: كريم حيث أتى به طير 154. أو لأنه من عند ملك كريم 155.

والمقصود: وصفته بالكرم؛ لكرم مضمونه وشرفه، أو لكرم مرسله، وعلو منزلته، وعلمت ذلك بالسماع، أو بكون كتابه مختومًا باسمه على عادة الملوك والعظماء، أو بكون رسوله به الطير، أو لبداءته باسم الله عز وجل، أو لغرابة شأنه ووصوله إليها على منهاج غير معتاد، وقيل: إن ذلك لظنها إياه بسبب أن الملقي له طير أنه كتاب سماوي، وليس ذلك بشيء 156. انتهى من روح المعاني مختصرًا.

أما: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟ فالجواب: أنها لما وجدت الكتاب على وسادتها، ولم يكن لأحد إليها طريق، ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان، وحين فتحت الكتاب رأت التسمية؛ ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} فقرأت عنوانه أولًا، ثم أخبرت بما في الكتاب، أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها، حصل الشتم لسليمان لا لله تعالى 157.

والمقصود: أنها مدحت كتاب سليمان عليه السلام بالكرم والشرف، وفي هذا ترغيب بالكتابة، وبخاصة إذا كانت ذا مضمون شريف، وهدف نبيل كهذا الكتاب الذي كان الهدف منه الدعوة إلى الله، ونشر دينه، وإعلاء كلمته.

ومما يؤكد هذا المعنى أيضًا قول الله تعالى عن عيسى عليه السلام: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [المائدة:110] .

فقوله: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ} أي: الإنجيل الذي أنزلته عليك بعد أن علمتك الكتابة والقراءة، تتلو عليهم، وقيل: إنه علمه كتب الأولين النازلة على الأنبياء قبله؛ لأن فيها التوراة، مع أن التوراة ستأتي بعد؛ ولهذا فالأحسن الإيراد بالكتاب هنا الكتابة بالقلم 158.

ففي هذا امتنان من الله تعالى على عيسى عليه السلام بتعليمه الكتابة، وفي هذا ترغيب بها، ودعوة إليها.

رابعًا: النهي عن الامتناع عن الكتابة:

ومن أساليب القرآن في الحث على الكتابة، النهي عن الامتناع عنها لمن احتيج إلى كتابته، وكان قادرًا عالمًا بالكتابة، قال تعالى: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} [البقرة:282] .

وفي هذا نهي عن الامتناع عن الكتابة، وترغيب فيها.

و {كَاتِبٌ} نكرة في سياق النهي فتعم 159. ثم النهي عن الامتناع عن الكتابة لكل كاتب إنما هو على سبيل الإرشاد والأولى؛ تحصيلًا لحاجة المسلم، وشكرًا لما علمه الله من كتابة الوثائق، فهو كقوله: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77] .

وقيل: إنه على سبيل الإيجاب؛ ولكنه نسخ بقوله: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} [البقرة:282] .

وقيل: إنه فرض كفاية، فإن لم يجد إلا كاتبًا واحدًا وجبت الكتابة عليه، وإن وجد أشخاصًا فالواجب كتابة أحدهم، وقيل: متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله، يعني أنه بتقدير: أن يكتب، فالواجب أن يكتب كما علمه الله، وأن لا يخل بشرط من الشروط، كيلا يضيع مال المسلم بإهماله -وقد سبق الإشارة إلى هذه الأوجه-.

والحاصل: أن من أساليب القرآن في الحث على الكتابة، والترغيب فيها، النهي لمن يعرف الكتابة أن يمتنع عن كتابة الدين أو غيره من مصالح المسلمين إذا دعي إلى كتابته، فقد أنعم الله عليه بأن علمه ما لم يكن يعلم، فلينفق من هذا الرزق الذي رزقه الله إياه في سبيل الخير، فذلك من زكاة هذه النعمة.

وفي قوله تعالى: {فَلْيَكْتُبْ} أمر آخر بالكتابة، يتوجه إلى من يحسنها، ويؤكد الواجب المدعو إليه في تلك الحال، فإن تخلى عنه كان ذلك منه عصيانًا عن عمد، وتحديًا صريحًا لأمر الله الذي بلغه في أبلغ بيان وآكده، بالأمر به، ثم بالنهي عن مخالفته، ثم بالأمر به مرة أخرى.

موضوعات ذات صلة:

الأمية، الدَين، العلم، القدر، القرآن، القراءة

1 مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 158.

2 أنيس الفقهاء، القونوي ص 61.

3 مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 158.

4 أنيس الفقهاء، القونوي ص 61.

5 أنيس الفقهاء، القونوي ص 61.

6 لسان العرب، ابن منظور 1/ 700.

7 دستور العلماء، الأحمد نكري 3/ 83 - 84.

8 الكليات ص 767.

9 معجم لغة الفقهاء، قلعجي ص 377.

10 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن، عبد الله جلغوم، ص 1004 - 1010.

11 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 392، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 514.

12 أنيس الفقهاء، القونوي ص 24.

13 مختار الصحاح، الرازي ص 249.

14 أساس البلاغة، الزمخشري 2/ 63.

15 مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 72 - 73.

16 المصباح المنير، الفيومي 1/ 276.

17 تاج العروس، الزبيدي 12/ 24.

وانظر: تفسير عبد الرزاق 3/ 329.

18 التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 14/ 543.

19 جمهرة اللغة، ابن دريد 1/ 105.

20 أساس البلاغة، الزمخشري 1/ 256.

21 التعريفات، الجرجاني ص 99.

22 دستور العلماء، الأحمد نكري 2/ 58.

23 القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 665.

24 انظر: صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة، علوي السقاف ص 289.

25 فتح الباري، ابن حجر 6/ 291.

26 صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة، علوي السقاف ص 289.

27 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى، عليهما السلام 4/ 2042، رقم 2652.

28 جامع البيان، الطبري 14/ 290.

29 غرائب القرآن، النيسابوري 3/ 482.

30 لباب التأويل، الخازن 2/ 370.

31 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، 4/ 667، رقم 2516، وأحمد في مسنده، 4/ 409، رقم 2669.

وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، 3/ 1459، رقم 5302.

32 جامع البيان، الطبري 23/ 195.

33 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في القدر، 4/ 225، رقم 4700.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 405، رقم 2018.

34 تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الحجرات - الحديد ص 412 - 413.

35 تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الحجرات - الحديد ص 412 - 413.

36 أخرجه البخاري معلقًا 8/ 122 عن أبي هريرة قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: جف القلم بما أنت لاق.

37 مفاتيح الغيب، الرازي 13/ 12.

38 التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي 2/ 348.

39 فتح القدير، الشوكاني 3/ 105.

40 أخرجه البخاري معلقًا 8/ 122 عن أبي هريرة قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: جف القلم بما أنت لاق.

41 التفسير الوسيط، طنطاوي 7/ 495.

42 معالم التنزيل، البغوي 5/ 101.

43 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 382.

44 جامع البيان، الطبري 14/ 64.

45 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) ، 9/ 160، رقم 7553، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه 4/ 2108، رقم 2751.

46 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 9/ 573.

47 جامع البيان، الطبري 22/ 493.

48 فتح القدير، الشوكاني 4/ 477.

49 شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة 42/ 2.

50 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/ 294.

51 تفسير المنار، محمد رشيد رضا 4/ 216.

52 تفسير الشعراوي 3/ 1911 بتصرف.

53 زهرة التفاسير 3/ 1528.

54 زاد المسير 1/ 438.

55 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 364.

56 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 565.

57 الكشاف، الزمخشري 4/ 7.

58 تفسير السمعاني 4/ 370.

59 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 568.

60 التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/ 357.

61 السراج المنير، الشربيني 3/ 340.

62 محاسن التأويل، القاسمي 9/ 16 بتصرف.

63 التفسير الحديث، محمد عزت 2/ 233 بتصرف.

64 مفاتيح الغيب، الرازي 29/ 330 بتصرف.

65 تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الحجرات - الحديد ص 295.

66 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 959.

67 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 118.

68 تفسير ابن عرفة 2/ 779.

69 لباب التأويل، الخازن 1/ 214.

70 تفسير الشعراوي 2/ 1222.

71 التفسير الوسيط، الزحيلي 1/ 162.

72 السراج المنير، الشربيني 1/ 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت