تشير الآية السابقة إلى أبرز لونين وأزهاهما في هذه الحياة الدنيا، التي يفتن الناس بها، وينشغلون بها عن الله، وعن الحياة الآخرة، وهما المال والبنون، وقدّم الحق سبحانه المال على البنين، لأنه المطلب الأول للإنسان، فكل إنسان طالب للمال، وليس كل إنسان طالبًا للولد، فكثير من الناس لا يطلبون الأولاد، بل يعيشون بغير سكن إلى زوجة، ولكنهم جميعًا لا يستغنون عن طلب المال، ومع هذا فإنه إذا حصل الإنسان على الولد، تعلق قلبه به، وكان الولد عنده مقدّمًا على المال! فالمال والبنون، هما أشدّ مظاهر الحياة فتنة للناس، وأكثرها داعية لهم، وأقواها سلطانًا عليهم، والله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ .. } [التغابن: 15] 33.
وفي التعبير بقوله سبحانه زينة، بيان بديع، وتعبير دقيق لحقيقتهما، فهما زينة وليسا قيمة، فلا يصح أن توزن بهما أقدار الناس، وإنما توزن أقدار الناس بالإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] .
وهذا ردٌّ على المشركين الذين كانوا يفتخرون بالأموال والأولاد، فأخبر الله تعالى أن ذلك مما يتزيّن به في الدنيا، لا مما ينفع في الآخرة، وإنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا لأن في المال جمالًا ونفعًا، وفي البنين قوة ودفعًا 34.
ثم بيّن الحق الأعمال التي تحقق ثواب الخير في الدنيا والآخرة فقال: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}
فالأعمال التي تبقى ثمراتها الأخروية، من الاعتقادات والأخلاق والعبادات الكاملات، خير عند ربك من المال والبنين، في الجزاء والفائدة وخير مما يتعلق بهما من الأمل، فإن ما ينال بهما من الآمال الدنيوية، أمرها إلى الزوال، وما ينال بالباقيات الصالحات من منازل القرب الربانيّ والنعيم الأبديّ، لا يزول ولا يحول 35.
فالباقيات وصف لموصوف محذوف، أي: والأعمال التي تبقى، ولا تفنى سريعًا، وهي صالحة في ذاتها عامرة لما بين العبد وربه أولًا، وبينه وبين الناس ويباركها الرب ثانيًا، سواء أكانت من شأنها أن تكون ذات أثر باق في الدنيا، من عمل طيب يبقى أثره بعد الموت، أم كان يرجى خيره في الآخرة، وفي الجملة الأعمال التي تكون كثيرة النفع في ذاتها ويبقى أثرها بعدها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) 36، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فكل ما يحرثه العبد للآخرة يكون باقيًا، يقول عليّ رضي الله عنه: «الحرث حرثان حرث الدنيا المال والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهن اللّه تعالى لأقوام» .
وقد حكم سبحانه بأن: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} ، أي: خير فائدة وعائدة وعاقبة، وتفتح باب الأمل لخير عميم، ونعيم مقيم، وجنة خالدين فيها. وكرر كلمة {خَيْرٌ} ، لاختلاف نوعهما، فالأول عاجل في الدنيا، والثاني أمل ورجاء في الآخرة 37.
والظاهر أن {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} كل عمل خير، فلا وجه لقصرها على الصلاة كما قال بعض العلماء، ولا لقصرها على نوع من أنواع الذكر كما قاله بعض آخر، ولا على ما كان يفعله فقراء المهاجرين باعتبار السبب؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبهذا فإن تفسير الباقيات الصالحات في الأحاديث لا ينافي إطلاق هذا اللفظ على ما هو عمل صالح من غيرها 38.
ومثلها قول الحق تبارك وتعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا} [مريم: 76] .
فالطاعات التي بها تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، وتصل إلى القرب من الله، ونيل رضوان خير عند ربك منفعة وعاقبة مما متّع به أولئك الكفرة من النعم الفانية التي يفخرون بها من مال وولد وجاه ومنافع تحصل منها، فإن عاقبة الأولين السعادة الأبدية، وعاقبة أولئك الحسرة الدائمة والعذاب المقيم.
وخلاصة هذا أن الطاعات التي يبقى ثوابها لأهلها خير عند ربهم جزاء، وخير عاقبة من مقامات هؤلاء المشركين بالله وأنديتهم التي بها يفخرون على أهل الإيمان في الدنيا 39.
فإن قلت: كيف قيل: خير ثوابًا كأنّ لمفاخراتهم ثوابًا، حتى يجعل ثواب الصالحات خيرًا منه؟ قلت: كأنه قيل: ثوابهم النار، ثم بنى عليه خير ثوابًا. وفيه ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له: عقابك النار 40.
فلا يجوز أن يقال: هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره، فالمراد إذا: أنه خير مما ظنه الكفار بقولهم: {خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73] 41.
وهكذا فإنّ الأعمال الصالحة التي يفعلها الإنسان من العبادات والمعاملات والأخلاق هي التي يكون عليها خير المثوبة والجزاء من الله تعالى، وليس التفاخر بالمال والبنين وغيرهما من الزينة التي قد تتحول إلى نقمة إذا كانت مبعثًا للتفاخر والكبر والبطر، وأمثال ذلك مما لايرضي الله تبارك وتعالى، فمآل المال والجاه والثروة والسيادة إلى الحسرة والخسران وأنواع الخيبة والخذلان، ومآل العبادة إلى الجنة والغفران والرحمة والرضوان.
ثانيًا: ثواب الشر:
ومن ذلك قوله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153] .
لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: (إليّ عباد الله، إليّ عباد الله) . فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فقال: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ ... } 42.
وكأنه يقول للمسلمين: تستبقون إلى الهرب في مستوى الأرض، وفي بطون الأودية والشعاب، فالإصعاد: الذهاب في صعيد الأرض، أو الإبعاد فيه، والصعيد: ما على وجه الأرض من تراب وحجر ونحوهما، وقيل: هو من الصعود، وأنهم صعدوا هاربين في أحد {وَلَا تَلْوُونَ} ولا تلتفتون والرّسول يناديكم وأنتم منهزمون: (إليّ عباد الله، إليّ عباد الله) ، والمراد: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو المنهزمين إلى الثبات، وإلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى معاودة الهجوم عليهم، وهو ثابت لم يتزعزع ومعه نفر من أصحابه.
{فَأَثَابَكُمْ} أي: جزاكم الحق سبحانه وتعالى غمًّا، أي: هزيمة، بغمٍّ أي: مقابل غمكم للرسول -صلوات الله تعالى وسلامه عليه-، ومخالفتكم أمره. أو المعنى: غمكم بالهزيمة في أحد، مقابل غم الكافرين وهزيمتهم ببدر، وهو كقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] .
وأصل الإثابة إعطاء الثواب، وهو شيء يكون جزاء على عطاء أو فعل، ولفظ الثواب لا يستعمل في الأعم الأغلب إلا في الخير، والمراد به هنا: العقوبة التي نزلت بهم. وسميت العقوبة التي نزلت بهم ثوابًا على سبيل الاستعارة التهكمية كما في قوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] .
فالبشرى لا تكون إلا على الخير.
ويجوز أن يكون اللفظ مستعملًا في حقيقته؛ لأن لفظ الثواب في أصل اللغة معناه ما يعود على الفاعل من جزاء فعله، سواء أكان خيرًا أو شرًّا 43؛ لأن الثواب يدل على مطلق الجزاء كما سبق القول.
يقول الإمام الخازن: «فمتى حملنا الثواب على أصل اللغة كان الكلام صحيحًا، ومتى حملناه على الأغلب كان على سبيل المجاز، فهو كقول الشاعر:
أخاف زيادًا أن يكون عطاؤه
أداهم سودًا أو محدرجةً سمرا
فجعل العطاء مكان العقاب؛ لأن الأداهم السود هي القيود الثقال، والمحدرجة هي السياط» 44.
وعلى كلٍّ فالمقصود تذكير للمسلمين بما كان منهم في هذه المعركة -معركة أحد- وغمزة عتاب لهم على أن فرّوا صاعدين الجبل، لا يلوون على أحد، أي: غير ملتفتين إلى من وراءهم، وإن وراءهم إخوانًا لهم صمدوا للمشركين، واستقبلوا الموت راضين، بل وراءهم، نبيّهم يواجه العدوّ وحده في بضعة رجال من أصحابه فكيف يفرّون؟ ثم إذا كانت منهم فرّة أفلا كانت منهم لفتة إلى النبي وقد أحاط العدوّ به؟ ثم ألا كانت منهم كرّة إلى العدوّ، يدفعون يده الضاغطة على رسول الله ومن معه؟ وهل شئ أحبّ إلى المسلم وأعزّ عنده من النبي، ولو كانت نفسه التي بين جنبيه؟! 45.
قلت: ولا يفهم من ذلك أنّ هناك خيانة وقعت من الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا توهم غير صحيح، وإنما هو اجتهاد من الصحابة لم يصبهم التوفيق فيه، كانت نتيجته عدم تحقيق النصر على المشركين، وهو أمر كان ممكن تحقيقه لولا مخالفة الرماة أمر النبي، وتركهم لأماكنهم في المعركة بحثًا عن الغنائم.
إذًا فكانت نتيجة مخالفتهم لأمر الرسول وعدم الاستجابة لأمره ثواب الشر الذي جنته أيديهم وعملته جوارحهم، فثواب الشر يكون جزاء كل عمل لا يرضي الله ورسوله، ويخالف منهجه صلى الله عليه وسلم.
تحدث القرآن عن المستحقين للثواب في الدنيا والآخرة، وسوف نبين ذلك فيما يأتي:
أولًا: المستحقون لثواب الدنيا:
أولًا: ثواب الخير:
قال تعالى: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح: 18] .
يعني: لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين (إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) يعني: بيعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله بالحديبية حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، وعلى أن لا يفرّوا، ولا يولوهم الدّبر تحت الشجرة، وكانت بيعتهم إياه هنالك فيما ذكر تحت شجرة.
وكان سبب هذه البيعة ما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملأ من قريش، فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء، فظنّ أنه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان 46.
ثم يقول تعالى ذكره: فعلم ربك يا محمد ما في قلوب المؤمنين من أصحابك إذ يبايعونك تحت الشجرة، من صدق النية، والوفاء بما يبايعونك عليه، والصبر معك فأنزل الطمأنينة، والثبات على ما هم عليه من دينهم وحسن بصيرتهم بالحقّ الذي هداهم الله له، حتى بايعوا على أن يقاتلوا ولا يفرّوا.
(وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) أي: وعوّضهم ومنحهم -على الرّضى بقضائه- في العاجل مما رجوا الظفر به من غنائم أهل مكة بقتالهم أهلها فتحًا قريبًا، وذلك فيما قيل: فتح خيبر 47.
فالحق أعطاهم ومنحهم فتحًا قريبًا، وهو فتح خيبر، الذي كان بعد صلح الحديبية بأقل من شهرين، وقيل: المراد به: فتح مكة، والأول أرجح؛ لأن فتح خيبر لم يكن فتح أقرب منه، ولأن المسلمين قد أصابوا من فتح خيبر غنائم كثيرة 48.
وتوسع الإمام ابن كثير في المراد بـ (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا حيث قال رحمه الله: «إن المراد: ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة» 49.
قال الآلوسى رحمه الله: «والتعبير بالمضارع لاستحضار صورة هذه المبايعة» 50. وقوله سبحانه: (تَحْتَ الشَّجَرَةِ) متعلق (يُبَايِعُونَكَ) ... وفي التقييد بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك المبايعة في النفوس. ولذا استوجبت رضا الله تعالى الذي لا يعادله شيء، ويستتبع مالا يكاد يخطر على البال.
ويكفي فيما ترتب على ذلك ما رواه الإمام مسلم عن أم بشر، عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة) 51.
وصح برواية الشيخين وغيرهما في أولئك المؤمنين من حديث جابر، أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: (أنتم خير أهل الأرض .. ) 52.
وهكذا كان ثواب المؤمنين المخلصين الصادقين الموفين بعهودهم تجاه الله ورسوله، أنّ أعطاهم الله النصر على الأعداء والطمأنية والسكينة، إضافة إلى -رضى الله عنهم-، ورضا الله سبب كل الخير، وإثابة ونجاح وفلاح.
قال تعالى: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 148]
يحكي لنا القرآن أنّ كثيرًا من الأنبياء كانوا يقاتون من أجل إعلاء كلمة الله، وأنّ هؤلاء الأنبياء قاتل معهم علماء ربانيون لم يضعفوا لما أصابهم من القتل والجراح في سبيل الله، ولم يذلوا ويخضعوا لعدوهم أثناء القتال، إلأ أنهم طلبوا المغفرة من الله لخطايهم، وتثبيتهم في مواطن الحرب، ونصرهم على أعدائهم (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ) 53.
فكانت الثمار التي ترتبت على هذا الدعاء الخاشع والإيمان الصادق والعمل الخالص لوجهه سبحانه فقال: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) . والفاء في قوله: (فَآتَاهُمُ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
فهؤلاء الذين آمنوا بالله حق الإيمان وجاهدوا في سبيله حق الجهاد لم يخيّب الله تعالى سعيهم، ولم يقفل بابه عن إجابة دعائهم، وإنما أعطاهم الله تعالى ثواب الدنيا من النصر والغنيمة وقهر الأعداء، وصلاح الحال.
كما أعطاهم حسن ثواب الآخرة بأن منحهم رضوانه ورحمته ومثوبته وجنته، وإنما خص ثواب الآخرة بالحسن للتنبيه على عظمته وفضله ومزيته، وأنه هو المعتدّ به عنده تعالى لأنه غير زائل، وغير مشوب بتنغيص أو قلق.
وقوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله، فإن محبة الله تعالى للعبد مبدأ كل خير وسعادة 54.
فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم، من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوهم، والاستعانة بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم على ما أبلوا في سبيل الله (ثَوَابَ الدُّنْيَا) يعني: جزاء في الدنيا، وذلك: النصر على عدوهم وعدو الله، والظفر، والفتح عليهم، والتمكين لهم في البلاد.
(وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ) يعني: وخير جزاء الآخرة على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة، وذلك: الجنة ونعيمها 55.
فخص تعالى ثواب الآخرة بالحسن تنبيهًا على جلالة ثوابهم؛ وذلك لأن ثواب الآخرة كله في غاية الحسن، فما خصه الله بأنه حسن من هذا الجنس فانظر كيف يكون حسنه! ولم يصف ثواب الدنيا بذلك لقلتها، وامتزاجها بالمضار، وكونها منقطعة زائلة 56.
وبمفهوم آخر: خص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدّمه، وأنه هو المعتدّ به عنده (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) [الأنفال:67] 57.
وهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين ما يفعلون ويقولون عند لقاء العدوّ من الالتجاء والخضوع والتذلل لله 58.
وبالجملة فإنّ الحق سبحانه تعالى يبين لنا أنّه كلما كان العبد قريبًا من ربه متمسكًا بمنهجه، سائرًا على منهج نبيه صلى الله عليه وسلم كان له الثواب والمكأفاة من الله في العاجل والآجل، في الحياة وبعد الممات.
ثانيًا: ثواب الشر:
قال سبحانه: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ) [المائدة: 60] .
يقول الإمام القرطبي في سبب نزول الآية: «قال ابن عباس رضي الله عنه: جاء نفر من اليهود -فيهم أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع- إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام، فقال: نؤمن (بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ) [البقرة: 136] .
إلى قوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ، فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظًّا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينًا شرًّا من دينكم، فنزلت هذه الآية وما بعدها» 59.
والمشار إليه بقوله: (ذالك) يعود إلى ما نقمه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله وبالكتب السماوية. وقيل: يعود إلى الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب المعبّر عنها بقوله: (وأكثرهم فاسقون) . وتوحيد اسم الإشارة لكونه يشار به إلى الواحد وغيره، أو لتأويله بالمذكور ونحوه. والخطاب لأهل الكتاب المتقدم ذكرهم. وقيل: للكفار مطلقًا. وقيل: للمؤمنين.
والمثوبة: مصدر ميمى بمعنى الثواب الثابت على العمل، وأكثر استعمالها في الخير. وقد استعملت هنا بمعنى: العقوبة على طريقة التهكم بهم، كما في قوله تعالى: (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وهي منصوبة على أنها تمييز لقوله: (فبشر) . وقوله: (مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ) [المائدة: 60] .
خبر لمبتدأ محذوف أي: هو من لعنه الله، والمراد اليهود؛ لأن الصفات التي ذكرت في الآية لا تنطبق إلا عليهم 60.
وشر اسم تفضيل، أصله أشر، وهو للزيادة في الصفة، حذفت همزته تخفيفًا لكثرة الاستعمال، والزيادة تقتضي المشاركة في أصل الوصف فتقتضي أن المسلمين لهم حظ من الشر، وإنما جرى هذا تهكمًا باليهود لأنهم قالوا للمسلمين: لا دين شر من دينكم، وهو مما عبّر عنه بفعل (تنقمون) . وهذا من مقابلة الغلظة بالغلظة كما يقال: «قلت فأوجبت» 61.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين عابوا على المؤمنين إيمانهم بالله وبما أنزله من كتب سماوية والذين قالوا لكم: ما نعلم أهل دين أقل حظًّا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينًا شرًّا من دينكم، قل لهم على سبيل التبكيت والتنبيه على ضلالهم: هل أخبركم بشر من أهل ذلك الدين عقوبة عند الله يوم القيامة؟ هو (مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ) أي: أبعده من رحمته (وغضب عليهم) بأن منع عنه رضاه (وجعل منهم القردة والخنازير) بأن مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير، وجعل منهم من عبد الطاغوت، أي: من عبد كل معبود باطل من دون الله كالأصنام والأوثان، وغير ذلك من المعبودات الباطلة التي اتبعوها بسبب طغيانهم وفساد نفوسهم 62.
فإن قيل: إن قوله: (قل هل انبئكم بشر من ذلك مثوبة) يفيد أن ما عابه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله فيه شر، إلا أن ما عليه اليهود أشد شرًّا، مع أن إيمان المؤمنين لا شر فيه ألبتة، بل هو عين الخير فكيف ذلك؟.
فالجواب: أن الكلام مسوق على سبيل المشاكلة، والمجاراة لتفكير اليهود الفاسد، وزعمهم الباطل، فكأنه سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء اليهود -يا محمد- ينكرون عليكم إيمانكم بالله وبالكتب السماوية، ويعتبرون ذلك شرًّا -مع أنه عين الخير-، قل لهم على سبيل التبكيت وإلزامهم الحجة: لئن كنتم تعيبون علينا إيماننا وتعتبرونه شرًّا لا خير فيه في زعمكم، فشر منه عاقبة ومآلا ما أنتم عليه من لعن وطرد من رحمة الله، وما أصاب أسلافكم من مسخ بعضهم قردة، وبعضهم خنازير، وما عرف عنكم من عبادة لغير الله، وشبيه بهذه الآية في مجاراة الخصم في زعمه قوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [سبأ: 24] 63.
(أولئك) الممسوخون الملعونون (شر مكانً) جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله مبالغة (ڑ وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) عن قصد الطريق الموصل إلى الجنة 64.
فأثبت سبحانه الشرية لمكانهم؛ ليكون أبلغ في الدلالة على كثرة شرورهم؛ إذ إن إثبات الشرية لمكان الشيء كناية عن إثباتها للشيء نفسه. فكأن شرهم قد أثّر في مكانهم، أو عظم وضخم حتى صار متجسمًا 65. ولذا قال في حقهم: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة: 103] .
ثانيًا: المستحقون لثواب الآخرة:
أولًا: الخير:
قال تعالى: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) [آل عمران: 195] .
يبين الحق سبحانه وتعالى الثواب العظيم والأجر الكبير للذين هاجروا وتركوا أوطانهم من أجل إعلاء كلمة الله، وأخرجوا من ديارهم، فرارًا بدينهم من ظلم الظالمين، واعتداء المعتدين، (وَأُوذُوا) وتحملوا الأذى والاضطهاد في سبيل الحق الذي آمنوا به (فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ) أعداء الله (وَقُتِلُواْ) وهم يجاهدون من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل. فهؤلاء تكفل لهم الله تعالى بالثواب والنعيم في الآخرة فضلًا عن الدنيا.
ففي هذا النص تعداد للأعمال الصالحات التي قام بها هؤلاء واستحقوا بها نعيم الجنة، واتقوا بها عذاب النار، وهي أمور ثلاثة، آخذ بعضها بحجز بعض، ومتلاقية في معناها ومغزاها 66.