اضطرب موسى عليه السلام كثيرًا وأحس أنه أصبح هدفًا لكل المصريين انتقامًا لقتيلهم، ويبدو أن خبر القتيل وصل إلى فرعون الذي أمر بإحضار ربيب نعمته بعد أن عزز شكوكه التي ساورته يومًا بعد يوم؛ فقيض الله عز وجل له رجلا جاءه {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص:20] .
فجأة وجد موسى عليه السلام نفسه بين خيارين كلاهما فيه مشقة كبيرة على نفسه:
· إما أن يظل في مصر ليلقى مصيرًا مجهولا غالبه القتل، أو تعرف حقيقته ويذوق الويلات كغيره من الإسرائيليين.
· وإما أن يتركها بما فيها من ظلم واستعباد حتى يأذن له الله بالعودة. فكان الخيار الثاني.
إلى هنا انتهت مرحلة القصر والترف، وبدأ عليه السلام مرحلة أخرى من المعاناة والشطف؛ {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) } [القصص:21] .
وهنا يلجأ كعادته إلى ربه وخالقه تعالى الذي يلتجأ إليه وحده في النوازل والملمات. يذكره ربه بعد ذلك {وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه:40]
ثالثًا: موسى عليه السلام في مدين:
يصف القرآن جانبًا من رحلة موسى عليه السلام الشاقة هروبًا من المصريين، ولنا أن نتخيل رجلا عاش منعمًا مترفًا يخرج من وطنه خائفًا إلى مكان مجهول لا يعرفه، يضرب القفار بلا رفيق ولا أنيس، يلتحف السماء ويفترش الأرض، ويتوجه إلى مدين شمال غرب الجزيرة العربية، {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) } [القصص:22] .
وكعادته يلجأ إلى ربه في وقت الشدة فيأتيه الفرج.
ما إن وصل عليه السلام إلى مساكن مدين حتى وجد الناس يسقون ماشيتهم، ونظر فإذا امرأتان تنتظران انتهاء الرجال من السقيا {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} [القصص:23] .
فأثار الموقف شفقته، فتوجه إليهما وسألهما {مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص:23] .
فأبت شهامته ونبله أن يتركهما يزاحمان الرجال {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} [القصص:24] .
ولأنه لا يترك مجالا للشيطان فقد دعا ربه عز وجل {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24] .
فالافتقار إلى الله غنىً به عمن سواه، ومن تكفل به في صغره فأنجاه من فرعون إلى قصره، سيجعل له من كل ضيقٍ فرجًا، ومن كل همٍ مخرجًا.
جلس موسى عليه السلام يستظل من حرارة الشمس الحارقة وقد نسي المعروف الذي صنعه مع البنتين؛ {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25] .
وهنا اختبار جديد له ثبت فيه حياؤه وأمانته، كما أثبت بأسه وقوته.
عادت البنتان إلى أبيهما وقصتا عليه ما كان من الرجل الغريب الذي سقى لهما رغم الزحام الشديد؛ فأرسل في إحضاره، وحسب ما يبدو من الآيات فإن موسى عليه السلام قد آنس من صاحب البيت؛ ولذا حكى له ما حدث معه من قتل المصري والخروج من مصر، وهكذا الأرواح، فما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:25] .
فلا سلطان لفرعون على هذه الأرض التي نعيش فيها.
أتم موسى عليه السلام المدة التي اتفق على قضائها مع الرجل الصالح {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) } [القصص:29] .
فالآيات تتحدث عن عودته إلى مصر ومروره بـ (جبل الطور) بسيناء، والمسافر يأنس بالنار في الصحراء الموحشة ليلا، لكونها تبدد بعض ما يداخله من خوف غريزي، ومن عادة أهل الصحراء أن يوقدوا النار لجلب الضيفان وهدايتهم في الظلمات، فذهاب موسى عليه السلام إلى النار -كما حكى القرآن عنه- كان لسببين:
الأول: السؤال عن الطريق التي سيسلكونها في عودتهم إلى مصر، فهو لم يغادر مدين منذ ثماني سنوات أو عشر، ومن ثم يلزمه الاهتداء في سيره بمن لهم دراية بالطرق.
الثاني: الإتيان ببعض النار لغرض التدفئة بالليل لاسيما أن هذه المنطقة معروفة حتى الآن ببرودتها الشديدة، حتى إن الثلوج لتتراكم عليها في بعض فترات الشتاء.
وهما الغرضان اللذان نصت عليهما الآيات الأخرى: {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه:10] .
{سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل:7] .
ذهب موسى عليه السلام إلى النار -كما تحكي الآيات- لكنه لم يجد النار كما تصورها؛ بل كانت المفاجأة التي جعلته يضطرب، ويصور القرآن ما حدث: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) } [طه:11 - 16] .
ولشدة الأمر وصعوبته جاء رد فعل موسى عليه السلام طبيعيًا وغريزيًا، فقد خاف عندما أمره ربه تعالى بأن يلقي عصاه فصارت حية عظيمة، فعندها ولى مدبرًا لدرجة أنه لم ينظر خلفه كما تقول الآيات {وَلَمْ يُعَقِّبْ} من هول المفاجأة، وهو ما تشير إليه أكثر من آية: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [القصص:31] .
{قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ} [طه:21] .
و {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [القصص:31] .
قال ابن عطية: «فلما رآها موسى رأي عبرةٍ ولى مدبرًا ولم يعقب؛ فقال الله تعالى له: خذها ولا تخف، وذلك أنه أوجس في نفسه خيفة، أي: لحقه ما يلحق البشر» 37.
وأراد المولى عز وجل أن يهدئ من روع نبيه عليه السلام فخاطبه قائلا: {لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:10] .
{يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} [القصص:31] .
يقول البقاعي: «أي: التفت وتقدم إليها ولا تخف، ثم أكد له الأمر لما الآدمي مجبولٌ عليه من النفرة، وإن اعتقد صحة الخبر بقوله: {إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} أي: العريقين في الأمن كعادة إخوانك من المرسلين» 38.
ولأن الله عز وجل يعلم طبائع النفوس التي جبلت عليها؛ فقد كان لابد من استصحاب موسى عليه السلام لمعجزات حسية يخضع لها الفراعنة المعاندون، فوهبه معجزات، منها: معجزة العصا التي تحولت إلى حية مخيفة تسعى للدرجة التي أخافت موسى عليه السلام نفسه، ومعجزة اليد التي يدخلها في جيبه فتخرج مضيئة شاهقة البياض في مشهد تنخلع له القلوب النقية، يقول النيسابوري: «دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق صدقها» 39.
وفي القرآن الكريم حديث -كما أسلفنا- عن الحوار الذي دار بين موسى وربه تعالى، وكيف كان موسى عليه السلام يطنب في الكلام استئناسًا بربه عز وجل، وحديث آخر عن معجزاتٍ سبعٍ أخرى غير هاتين الآيتين لتبلغ تسع آيات واضحات: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الإسراء:101] .
{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) } [النمل:12] .
قال القرطبي: «هي العصا، والسنون، واليد، والدم، والطوفان، والجراد والقمل، والضفادع، وفلق البحر. وقيل: البينات التوراة وما فيها من الدلالات» 40.
وتنص الآيات على أن المستهدف من الآيتين فرعون وقومه، {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) } [النمل:12] .
وفي موضع آخر {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [القصص:32] .
صدر التكليف الإلهي إلى موسى عليه السلام {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [طه:24، النازعات:17] .
وليس فرعون فقط إنما جميع قومه، يبرز ذلك الخطاب الإلهي لموسى عليه السلام {أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) } [الشعراء:10 - 11] .
دعا موسى عليه السلام ربه مستعينا به كعادته في الشدائد والكرب طالبًا منه أن يشرح صدره بالطمأنينة، وييسر له أمره حتى يتمكن من أداء دعوته {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) } [طه:25 - 26] .
وكان له رجاءان لتتم المهمة على أفضل ما يكون:
الأول: أن يحل عقدة لسانه حتى يتمكن من التبليغ {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) } [طه:27 - 28] .
الثاني: أن يشد أزره بأخيه هارون {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) } [طه:29 - 35] .
فجاءت الاستجابة الفورية فقال تعالى: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (36) } [طه:36] .
{قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) } [القصص:35] .
{وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) } [مريم:53] .
والحقيقة أن الطلب كان محل جدال كبير، فقد اختلف المفسرون في ماهية العقدة، وهل هي معنوية أم مادية بسبب من الجمرة؟
وقد اختلفوا فيها على قولين، أوجزهما الفخر الرازي على هذا النحو:
الأول: كانت العقدة خلقة الله تعالى؛ فسأل الله تعالى إزالتها.
الثاني: السبب فيه أنه عليه السلام أخذ الجمرة فجعلها في فيه. وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال: لم تحترق اليد ولا اللسان؛ لأن اليد آلة أخذ العصا وهي الحجة، واللسان آلة الذكر، فكيف يحترق؟! ولأن إبراهيم عليه السلام لم يحترق بنار نمرود، وموسى عليه السلام لم يحترق حين ألقي في التنور فكيف يحترق هنا؟!
ومنهم من قال: احترقت اليد دون اللسان لئلا يحصل حق المواكلة والممالحة. ومنهم من قال: احترق اللسان دون اليد؛ لأن الصولة ظهرت باليد، أما اللسان فقد خاطبه بقوله: يا أبت. ورأي أنهما احترقا معا لئلا تحصل المواكلة والمخاطبة 41.
ونظرًا لتهافت قصة التمرة والجمرة التي ذكرها بعض المفسرين على النحو الذي تقدم؛ فالراجح أن العقدة لم تكن حسية في لسانه؛ وإنما قصد بها -والله أعلم- الرهبة التي ألمت به من التكليف وهذا الأمر تعضده الآيات التي أشارت إلى خوفه عليه السلام في غير موضع؛ بل بلوغه درجة الجري من شدة الخوف، وعليه يكون المراد من قوله تعالى {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) } [الزخرف:52] .
هو: لا يكاد يأتي ببينة أو حجة حسية على صدق رسالته، ويكون المراد بالفصاحة في قوله تعالى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} [القصص:34] هي الفصاحة الناجمة عن الشجاعة ورباطة الجأش، فمن الناس من يفقد القدرة على توصيل فكرته في الأوقات العصيبة ... والله تعالى أعلم.
أعرب عليه السلام عن خوفه من هذا التكليف فقال: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) } [الشعراء:14] .
وفي موضع آخر {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) } [القصص:33] .
قال البيضاوي: «ولهم علي ذنبٌ: أي تبعة ذنب ... والمراد قتل القبطي، وإنما سماه ذنبًا على زعمهم ... فأخاف أن يقتلون به قبل أداء الرسالة، وهو أيضًا ليس تعللًا؛ وإنما هو استدفاع للبلية المتوقعة، كما إن ذاك استمدادٌ واستظهار في أمر الدعوة» 42.
والبيضاوي هنا كغيره من المفسرين الذين يحتاطون في نسبة الذنب إليه عليه السلام تأدبًا رغم أنه قد استغفر ربه فغفر له ما كان من قتل القبطي.
إن خوف موسى عليه السلام هنا خوف مشروع تقتضيه الطبيعة البشرية، وليس خاصًا به وحده دون غيره، وفي آية أخرى أن هارون عليه السلام قد أعرب عن خوفه هو الآخر {قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) } [طه:45 - 46] .
فالخوف في ذات الأنبياء ليس بالعيب وهو الأمر الذي قرره القرطبي عندما ذهب إلى القول بأن «الخوف قد يصحب الأنبياء والفضلاء والأولياء مع معرفتهم بالله، وأن لا فاعل إلا هو، إذ قد يسلط من شاء على من شاء» 43.
ويقول الإمام ابن تيمية: «وقول القائل هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا، هو كتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه السياق، لا يقتضي المساواة في كل شيء، وكذلك هنا هو بمنزلة هارون فيما دل عليه السياق، وهو استخلافه في مغيبه كما استخلف موسى هارون، وهذا الاستخلاف ليس من خصائص علي؛ بل ولا هو مثل استخلافاته، فضلًا أن يكون أفضل منها، وقد استخلف من علي أفضل منه في كثير من الغزوات، ولم تكن تلك الاستخلافات توجب تقديم المستخلف على علي إذا قعد معه، فكيف يكون موجبًا لتفضيله على علي؟ بل قد استخلف على المدينة غير واحد، وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى من جنس استخلاف علي» 44.
والحديث كما رأينا يدل دلالة واضحة أن الاستخلاف هنا يثبت أفضلية وتكريمًا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا يثبت له خلافة النبي صلى الله عليه وسلم، وتنقل لنا كتب الأحاديث والسير أن النبي استخلف عددًا من الصحابة الكرام في مناسبات عدة، منهم صحابة مشهورون وغير مشهورين، من هؤلاء المستخلفين: عثمان بن عفان في غزوة ذي أمر بنجد، وعبد الله بن أم مكتوم الضرير رضي الله عنه الذي استخلفه في غزوة بدر الكبرى، وسباع بن عرفطة رضي الله عنه، وسعد بن عبادة رضي الله عنه في غزوة الأبواء، وعثمان بن مظعون رضي الله عنه في غزوة بواط، وأبو سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنه في غزوة العشيرة، وزيد بن حارثة رضي الله عنه في غزوة بدر الأولى، وأبو رهم كلثوم بن حصين الغفاري رضي الله عنه، ورغم ذلك لم يقل أحد إن النبي صلى الله عليه وسلم قد استخلف عثمان، ومن ثم تحق له خلافته قبل أبي بكر وعمر، ولا طالبت قبائل هؤلاء الصحابة وآلهم بحقهم في الخلافة بناء على استخلافهم السابق.
أولًا: معالم دعوته عليه السلام:
استجاب موسى عليه السلام لتكليف ربه تعالى وأتى فرعون يطلب إليه ترك بني إسرائيل ليخرجوا من مصر، ولم لا وقد سامهم العذاب الأليم سنوات طويلة ذبح فيها الأبناء واستحيى النساء؛ وجاءت ساعة المواجهة فزاد فرعون من تكبره وتجبره ونادى فيمن حوله {يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) } [القصص:38] .
إنه لم يكتف بالكفر وإنكار وجود الله؛ بل لج في طغيانه وادعى الألوهية {فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) } [النازعات:23 - 24] .
وأمعن الفرعون في صلفه وغروره، ونادى في قومه قائلا: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) } [الزخرف:51] .
فبدلا من شكر المنعم الذي وفر له أسباب المعيشة الكريمة من أنهار تفيض بالخيرات فتخرج أزواجًا من نبات شتى؛ نسب هذا الفضل إلى نفسه وراح يدعي أنه الإله الأحق بالعبادة دون الله تعالى، وأراد أن يدلس على من حوله من الملأ أصحاب المصالح فطالب موسى بآيات محسوسة {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) } [الزخرف:53] .
وكأن آيات فرعون في الخلق مبهرة ظاهرة للعيان.
ثم بلغ به الجنون مداه حين طلب من هامان طلبًا عجيبًا مستحيلا لكنه وجد من يصدقه {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) } [الزخرف:54] .
لقد قال لوزيره هامان الذي يزين له الجنون: {ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر:36 - 37] .
ولخص رؤيته العقدية والسياسية في قوله: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر:29] .
إنه جنون العظمة الذي يجعل المهووسين والموتورين يبيدون كل شيء من أجل الكرسي!
إن طغيان فرعون وادعاء الألوهية لم ينشأ من فراغ؛ وإنما كان نتاج مساندة الملأ الذين يزينون للحاكم سوء عمله ليحافظوا على مكانتهم ومصالحهم التي يدورون معها أينما كانت، ولا عجب أن تتطابق آراء الملأ مع آراء الفرعون، فاتهام موسى بالسحر لم يقتصر على الحاكم المدعي للألوهية دون الملأ {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) } [الشعراء:34 - 37] .
بينما {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) } [الأعراف:109 - 112] .
حتى العقاب الذي سنه فرعون لمن يخرج عن نطاق عبادته جاء بإيعاز ممن حوله، ففي القرآن: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) } [الأعراف:127] .
{فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) } [غافر:25] .
في هذه الظروف كان على موسى عليه السلام أن يدعو فرعون إلى أمرين كما في الآيات:
{فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) } [طه:47 - 48] .