وأخبر سبحانه وتعالى أنه أنزل كتابه على رسوله لغاية ومقصد إخراج البشر من الضلال والغيّ إلى الهدى والنور، وهو الإسلام بتوفيق من الله، قال تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1] .
أي: بالكتاب، وهو القرآن، أي: بدعائك إليه، من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وهذا على التّمثيل؛ لأنّ الكفر بمنزلة الظّلمة، والإسلام بمنزلة النّور، وقيل: من البدعة إلى السّنّة، ومن الشّكّ إلى اليقين، والمعنى متقاربٌ. {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: بتوفيقه إيّاهم، ولطفه بهم، والباء في {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} متعلقة بـ {لِتُخْرِجَ} وأضيف الفعل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأنّه الدّاعي والمنذر الهادي 67.
فالمقصد من إنزال الكتاب: إخراج البشرية من الظلمات، ظلمات الوهم والخرافة، وظلمات الأوضاع والتقاليد، وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة، وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين؛ لتخرج البشرية من هذه الظلمات كلها إلى النور، النور الذي يكشف هذه الظلمات، يكشفها في عالم الضمير، وفي دنيا التفكير، ثم يكشفها في واقع الحياة والقيم والأوضاع والتقاليد.
والإيمان بالله نور يشرق في القلب، فيشرق به هذا الكيان البشري، والإيمان بالله نور تشرق به النفس، فترى الطريق واضحة إلى الله، لا يشوبها غبش ولا يحجبها ضباب، غبش الأوهام، وضباب الخرافات، أو غبش الشهوات، وضباب الأطماع، ومتى رأت الطريق سارت على هدى لا تتعثر ولا تضطرب ولا تتردد ولا تحتار.
والإيمان بالله نور تشرق به الحياة، فإذا الناس كلهم عباد متساوون، تربط بينهم آصرتهم في الله، وتتمحض دينونتهم له دون سواه، فلا ينقسمون إلى عبيد وطغاة، وتربطهم بالكون كله رابطة المعرفة، معرفة الناموس المسير لهذا الكون وما فيه ومن فيه، فإذا هم في سلام مع الكون وما فيه ومن فيه.
والإيمان بالله نور، نور العدل، ونور الحرية، ونور المعرفة، ونور الأنس بجوار الله، والاطمئنان إلى عدله ورحمته وحكمته في السراء والضراء، ذلك الاطمئنان الذي يستتبع الصبر في الضراء والشكر في السراء على نور من إدراك الحكمة في البلاء 68.
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 9] .
أي: «حججًا واضحاتٍ، ودلائل باهراتٍ، وبراهين قاطعاتٍ؛ ليخرجكم من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادّة إلى نور الهدى واليقين والإيمان» 69.
وقال تعالى: {رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} [الطلاق: 11] .
يعني: من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمة الشّبهة إلى نور الحجّة، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم 70.
وعن غاية إرسال موسى عليه السلام بالآيات، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5] .
عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: «من الضّلالة إلى الهدى» 71.
يخبر تعالى أنه أرسل موسى عليه السلام بآياته العظيمة الدالة على صدق ما جاء به وصحته، وأمره بما أمر الله به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، بل وبما أمر به جميع الرسل قومهم {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي: ظلمات الجهل والكفر وفروعه، إلى نور العلم والإيمان وتوابعه 72.
وقد حثّ صلى الله عليه وسلم على كتاب الله ورغّب فيه، فقال: (أمّا بعد: ألا أيّها النّاس فإنّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنّور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به) 73.
وفي هذا المعنى ورد عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: أنّه سمع خطبة عمر رضي الله عنه الآخرة حين جلس على المنبر، وذلك الغد من يومٍ توفّي النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فتشهّد وأبو بكرٍ رضي الله عنه صامتٌ لا يتكلّم، قال: «كنت أرجو أن يعيش رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتّى يدبرنا، -يريد بذلك- أن يكون آخرهم، فإن يك محمّدٌ صلى الله عليه وسلم قد مات، فإنّ اللّه تعالى قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، هدى اللّه محمّدًا صلى الله عليه وسلم» 74.
والمقصود بالنور الذي قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو القرآن العظيم؛ لأن فيه الهدى والنور، فمن عمل بما فيه كان على الصراط المستقيم وعلى الحق المبين 75.
وضّح القرآن الكريم عاقبة البقاء في الظلمات؛ ليتجنبها العباد، وسوف نبيّنها فيما يأتي:
أولًا: تعطيل الطاقات البشرية:
أخبر عز وجل أن الإنسان مسئول عما استعمل فيه سمعه وبصره وفؤاده، فإذا استعملها في الخير نال الثواب، وإذا استعملها في الشر نال العقاب، قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] .
فالعلوم مستفادة من هذه الحواس، فإنّ الإنسان إذا سمع شيئًا ورآه فإنّه يرويه ويخبر عنه، وإلى العلوم التي تعتمد على التفكير أشار بذكر الفؤاد.
فهذه الكلمات القليلة -في الآيات- تقيم منهجًا كاملًا للقلب والعقل، يشمل المنهج العلمي الذي عرفته البشرية حديثًا جدًّا، ويضيف إليه استقامة القلب، ومراقبة الله، ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة!
فالتثبت من كل خبر، ومن كل ظاهرة، ومن كل حركة قبل الحكم عليها هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق، ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة، ولم يبق مجال للظن والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم 76.
لكن يوجد صنف من الناس عطّلوا هذه الحواس التي تستعمل في اقتباس العلوم النافعة، فأصبحوا كأنهم كائنات ميّتة، وإن بدت حيّة في صورة الأحياء، وأظلمت قلوبهم وعقولهم.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39] .
أي: مثلهم في جهلهم، وقلّة علمهم، وعدم فهمهم كمثل أصمّ، وهو الّذي لا يسمع، أبكم وهو الّذي لا يتكلّم، وهو مع هذا في ظلمات لا يبصر، فالآية «استعارةٌ عن عدم الانتفاع الذّهنيّ بهذه الحواسّ» 77.
إن الذين كذّبوا بآيات الله هذه المبثوثة في صفحات الوجود، وآياته الأخرى المسجلة في صفحات هذا القرآن إنما كذّبوا لأن أجهزة الاستقبال فيهم معطّلة، إنهم صم لا يسمعون، بكم لا يتكلمون، غارقون في الظلمات لا يبصرون!
إنهم كذلك لا من ناحية التكوين الجثماني المادي، فإن لهم عيونًا وآذانًا وأفواهًا، ولكن إدراكهم معطل، فكأنما هذه الحواس لا تستقبل ولا تنقل!
وإنه لكذلك فهذه الآيات تحمل في ذاتها فاعليتها وإيقاعها وتأثيرها لو أنها استقبلت وتلقاها الإدراك!
وما يعرض عنها معرض إلا وقد فسدت فطرته، فلم يعد صالحًا لحياة الهدى، ولم يعد أهلًا لذلك المستوى الراقي من الحياة 78.
إن ترقي الحياة يحتاج ابداعات وانطلاقات أصحاب العقول النيرة والفطر السليمة؛ لكي يوظّفوها في صناعة الحياة، صناعة تعود بالمخلوق الضعيف إلى الخالق العظيم، صناعة تترقى بحواس الإنسان، وترقّي هي حواس الإنسان، أما إذا كانت حواس الإدراك معطّلة فقد تعطلت الطاقات التي أودعها الله فيها، والقدرات التي وهبها الله إياها، وعاش الناس في ظلمات منغمسين فيها، فلا تجد تطورًا في الطب ينقذ الإنسان من أمراض فتاكة، ولا تجد تطورًا في اقتصاد ينقذ الإنسان من جوع قاتل، ولا تجد تطورًا في الحياة يحفظ إنسانية الإنسان المكرّم عند خالقه سبحانه.
ثانيًا: عدم الإفادة من المدّخرات الكونية:
إن الله أودع في الكون مدّخرات مسخّرة للإنسان بقدرته وتدبيره، فيها عبرة لمن ينظر إليها بالقلب المفتوح، والحس البصير، ويتدبر ما وراءها من حكمة ومن تقدير، ومن منافع للناس لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقد كثر ورود لفظ سخّر في القرآن؛ لينتبه لها الإنسان وليتفكر فيها؛ فيعود بعد التفكر والتدبر؛ ليقول بقلبه قبل لسانه: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .
ثم يوظّف هذه المدخرات في مصالح العباد.
ففي تسخير الفلك لتسير في البحر بأمره عز وجل؛ لمنافعكم أيها الناس، وذلّل لكم الأنهار؛ لسقياكم، وسقيا دوابكم وزروعكم وسائر منافعكم.
قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} [إبراهيم: 32] .
وفي تسخير الشمس والقمر والليل والنهار؛ لتتحقق المصالح بهما، وذلّل لكم الليل؛ لتسكنوا فيه وتستريحوا، والنهار؛ لتبتغوا من فضله، وتدبّروا معايشكم.
قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم: 33] .
وفي تسخير البحر؛ لتأكلوا مما تصطادون من سمكه لحمًا طريًا، وتستخرجوا منه زينة تلبسونها كاللؤلؤ والمرجان، وترى السفن العظيمة تشق وجه الماء تذهب وتجيء، وتركبونها لتطلبوا رزق الله بالتجارة والربح فيها.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14] .
وهذا التسخير لغاية ذكر نعمه، وحمده عليها.
قال تعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13] .
ثالثًا: عدم استواء الأعمى والبصير، ولا الظلمات والنور في الفطر السليمة:
فهل يستوي البصير الذي يرى بالنور الذي ألهمه الله إياه، فتكشفت له حكمة ربه في المدّخرات الكونية، واستعملها في منافع الخلق، كمن في الجهل منغمس فيه؟
قال تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16] .
«يقول تعالى ذكره: وهل تستوي الظّلمات الّتي لا ترى فيها المحجّة فتسلك، ولا يرى فيها السّبيل فيركب، والنّور الّذي يبصر به الأشياء ويجلو ضوءه الظّلام؟ يقول: إنّ هذين لا شكّ لغير مستويين، فكذلك الكفر باللّه، إنّما صاحبه منه في حيرةٍ يضرب أبدًا في غمرةٍ لا يرجع منه إلى حقيقةٍ، والإيمان باللّه صاحبه منه في ضياءٍ يعمل على علمٍ بربّه، ومعرفةٍ منه بأنّ له مثيبًا يثيبه على إحسانه، ومعاقبًا يعاقبه على إساءته، ورازقًا يرزقه، ونافعًا ينفعه» 79.
وبنظرة فاحصة لحال الغرب الذين اتّجهوا إلى تحصيل المعارف عن الكون والإنسان فاستكشفوا الأرض وباطنها، والفضاء وأرجاءه، والبحار وأعماقها، ووقفوا على سنن التسخير والقوانين التي أودعها الله في الطبيعة، وبرّزوا في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك والطبّ والهندسة وغيرها، وفجّروا الذرّة، وغاصوا في أسرار الخلايا والجينات، ودرسوا خبايا جسم الإنسان وخفاياه، ووسّعوا نطاق العلوم الإنسانية والاجتماعية، وأحدثوا اكتشافات واختراعات مذهلة بهرت العقول، وغيّرت مجرى حياة البشر في جميع الميادين، لكن نتج عن هذا التفوّق العلمي مشكلتان أساسيّتان:
الأولى: استخدام هذا العلم فيما يهلك الإنسان والبشرية والحياة، كالأسلحة الفتّاكة والتصرّف الجنوني في الخلايا والجينات لتغيير خلق الله، فنتج عن ذلك أمراض غريبة كجنون البقر، وانفلونزا الطيور، وانفلونزا الخنازير، تنذر بالمزيد ممّا يهدّد النوع البشري والكون كلّه.
الثانية: الغرور والغطرسة، حتى توهم بعض هؤلاء أنه مستقل بنفسه غير محتاج إلى الله سبحانه وتعالى، أو إلى دين يقوده ويوجهه.
إنّ الغرب ينطبق عليه قول الله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] .
فهو شديد الافتخار والاغترار بإنجازاته، وهي إنجازات لا ينكرها أحد، ولا يكابر فيها، بل امتدّ نفعها إلى البشريّة كلّها، لكن المشكلة تكمن في غرور الغربيّين بذلك حتّى أنساهم خالقهم وحدود آدميّتهم، ومال بهم إلى الاستخفاف بالله والدين والغيب؛ لاعتقادهم أنّ العلم الّذي يمتلكون ناصيته يغنيهم عن كلّ ذلك؛ لأنّه -في نظرهم- يجيب عن كلّ الأسئلة، ويحلّ جميع المشكلات، فلا يترك موضعًا لدين ولا وحي ولا نبوّة، وذلك هو الاستغناء الممقوت الذي لا يفسد العلاقة بالله فحسب، بل يلقي بظلاله على البشريّة في هذه الحياة، فالغرب أبدع في الماديات، وأفلس في الروحيات، وعظّم من شأن العقل، وأهمل القلب، واعتنى بجسم الإنسان طبيًّا ورياضيًّا ومعيشيًّا وجماليًّا إلى حدّ الإسراف، وأهال التراب على الروح، بل ازدراها وقلّل من شأنها، ووضعها في خانة الأوهام، فجلب الشقاء لنفسه وكان قدوةً سيّئةً للبلدان والشعوب، وقد أضحت بلاد الازدهار هي مرتع الانتحار، وانتشرت هناك العيادات النفسية، وتكاثرت بشكل عجيب عساها تخلّص الإنسان من نفسه بعد سيطرة الأمراض النفسية والقلق والاضطرابات والانهيارات العصبيّة عليه رغم علمه وثرائه، ورغد عيشه.
قال سيّد قطب رحمه الله: «العلم -بغير إيمان- فتنة، فتنة تعمي وتطغي؛ ذلك أن هذا اللون من العلم الظاهريّ يوحي بالغرور؛ إذ يحسب صاحبه أنه يتحكّم بعلمه هذا في قوى ضخمة، ويملك مقدّرات عظيمةً، فيتجاوز بنفسه قدرها ومكانها!
وينسى الآماد الهائلة التي يجهلها، وهي موجودة في هذا الكون، ولا سلطان له عليها، بل لا إحاطة له بها، بل لا معرفة له بغير أطرافها القريبة؛ وبذلك ينتفخ فيأخذ أكثر من حقيقته، ويستخفّه علمه، وينسى جهله، ولو قاس ما يجهل إلى ما يعلم، وما يقدر عليه في هذا الكون إلى ما يعجز حتّى عن إدراك سرّه لطامن من كبريائه، وخفّف من فرحه الذي يستخفّه» 80.
ونحن لا ننكر وجود علماء قادتهم المعرفة إلى الإيمان؛ لاتصافهم بالتجرّد والتواضع، لكنّهم قلّة نوعية، بينما تتمادى الأغلبية في خطّ عام ينحو منحى الغرور والاستغناء: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحجّ: 46] .
إنّ الحلّ يكمن في بديل تنتجه الأمّة الشاهدة يعيد للعلم وجهه الحقيقي، يسير بمعيّة الإيمان، فيكتسب التواضع والخشوع؛ لينفع ولا يضرّ، ويوفّر سعادة الدنيا والآخرة معًا.
قال سيد قطب رحمه الله: «ولو اتصلت العلوم الكونية التي تبحث في تصميم الكون، وفي نواميسه وسننه، وفي قواه ومدخراته، وفي أسراره وطاقاته بتذكر خالق هذا الكون وذكره، والشعور بجلاله وفضله؛ لتحوّلت من فورها إلى عبادة لخالق هذا الكون وصلاة، ولاستقامت الحياة -بهذه العلوم- واتجهت إلى الله.
ولكن الاتجاه المادي الكافر يقطع ما بين الكون وخالقه، ويقطع ما بين العلوم الكونية والحقيقة الأزلية الأبدية، ومن هنا يتحول العلم -أجمل هبة من الله للإنسان- لعنة تطارد الإنسان، وتحيل حياته إلى جحيم منكرة، وإلى حياة قلقة مهددة، وإلى خواء روحي يطارد الإنسان كالمارد الجبار!
إن الذين يكتفون بظاهر من الحياة الدنيا، ويصلون إلى أسرار بعض القوى الكونية بدون الاتصال بخالق الكون يدمّرون الحياة، ويدمّرون أنفسهم بما يصلون إليه من هذه الأسرار، ويحوّلون حياتهم إلى جحيم نكد، وإلى قلق خانق، ثم ينتهون إلى غضب الله وعذابه في نهاية المطاف» 81.
رابعًا: التخلف عن ركب الحضارة:
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 9] .
فمن أراد الانتفاع بعقله فيما ينفعه وينفع الخلق فعليه بالتأمل والتفكر في آيات الله المسطورة في كتابه، وآيات الله المبثوثة في كونه فهما مفتاحا التحضر في الدنيا والسعادة في الآخرة؛ لأن ظلمات العقل وفساده أكثر خطورة على الحضارة من الأمراض المعدية التي قصر علماء الصحة والأطباء اهتمامهم عليها حتى الآن.
فإذا قرأ أو استمع ثم تفكر في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5] .
علم أنه من معرفة اللّيالي تعرف الأشهر، ومن معرفة الأشهر تعرف السّنة، وفي ذلك رفقٌ بالنّاس في ضبط أمورهم وأسفارهم ومعاملات أموالهم وهو أصل الحضارة، وفي هذه الآية إشارةٌ إلى أنّ معرّفة ضبط التّاريخ نعمةٌ أنعم اللّه بها على البشر 82.
وإذا قرأ أو استمع ثم تفكر في قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] .
علم أن ذلك من معجزات القرآن الغيبيّة العلميّة، وأنّها إيماءٌ إلى أنّ اللّه سيلهم البشر اختراع مراكب هي أجدى عليهم من الخيل والبغال والحمير 83.
ويعلم أيضًا أن اللّه ألهم النّاس لاختراعها، فهو سبحانه وتعالى الّذي ألهم المخترعين من البشر بما فطرهم عليه من الذّكاء والعلم، وبما تدرّجوا في سلّم الحضارة، واقتباس بعضهم من بعضٍ إلى اختراعها، فهي بذلك مخلوقةٌ للّه تعالى؛ لأنّ الكلّ من نعمته 84.
وإذا قرأ أو استمع ثم تفكر في قوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] .
علم نعمة الإلهام إلى اتّخاذ المساكن، وذلك أصل حفظ النّوع من غوائل حوادث الجوّ من شدّة بردٍ أو حرٍّ، ومن غوائل السّباع والهوام، وهي أيضًا أصل الحضارة والتّمدّن؛ لأنّ البلدان ومنازل القبائل تتقوّم من اجتماع البيوت، وأيضًا تتقوّم من مجتمع الحلل والخيام 85.
وإذا قرأ أو استمع ثم تفكر في قصة داود عليه السلام اعتبر بما بلغ إليه ملكه من عظمة الحضارة، وحفظ الله لملكه؛ لأنه كان كثير الرجوع إلى ما يرضي الله، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ: 10] .