عاتبهم ربهم، وهو يرقى بهم نحو الكمال. ولقد حدد موطن الخطأ، وخصص ولم يعمم، (گ) ، وهذا التخصيص لم يكن بذكر أسماء من يريد الدنيا، ثم تأمل بعدها (? ? ?) ؛ ليعلم أن القصد من ذكرها أن تتلافى مستقبلًا.
••الشهادة اصطفاء.
غير الإسلام كثيرًا من المفاهيم التي كانت سائدة آنذاك، فلئن كان القتل يعد خسارة عند قوم، فهو عند الله تعالى اصطفاء، (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:140] .
ويعزز هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن منقلبهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا؛ لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال عز وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات على رسوله:(گ گ ? ? ? ? ? ? ں) [آل عمران:169] ) 88.
مواقف بطولية للصحابة رضي الله عنهم في هذه الغزوة:
••مصعب بن عمير.
قال خباب بن الأرت رضي الله عنه: (هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، ومنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئًا، كان منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، لم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطي بها رجلاه خرج رأسه، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم:(غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجله الإذخر-أو قال: ألقوا على رجليه من الإذخر) ، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها) 89.
••أم سليط رضي الله عنها.
وللصحابيات دورهن، ففي صحيح البخاري: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطًا بين نساء من نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي، فقال عمر: أم سليط أحق به. وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد) 90.
حدثت غزوة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة، وقد نزلت سورة تحمل اسمها، ويكفي في وصف ماحدث فيها للصحابة الكرام، قوله تعالى: (? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:10 - 11] .
ولم يحصل اقتتال يذكر، لكن هذه الغزوة كانت ممحصة للصف المؤمن، فنجم النفاق، وأظهر المنافقون ما كانوا يخفون، وقد قص الله من أنبائهم.
يقول تعالى: (? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:12 - 15] .
وهذا من ثمار هذه الغزوة، ويستحسن أن لا تترك هذه السانحة لنبين باختصار قضية النفاق:
النفاق يعني: تمكن الحق وغلبة أهله، وأن المنافقين من الذلة لدرجة العجز عن إعلان ما يعتقدون.
إن الله تعالى وعد المؤمنين أن يكشف لهم حقيقة المنافقين، فقال تعالى: (ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:179] .
وقال عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [محمد:29] .
وقد كشفت غزوة الأحزاب أمرهم، فتباينت المواقف، موقف المؤمنين: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:22] .
وموقف المنافقين: (? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ) [الأحزاب:12] .
ولنتأمل هذه الآيات: (ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:13 - 20] .
إن هذا الإطناب في الحديث عنهم له مغزى عظيم، وهكذا صارت المحن تفضح المنافقين شيئًا فشيئًا، حتى قال تعالى: (? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ) [التوبة:126] 91.
إذن فأمر الصحابة معروف، وأمر المنافقين مكشوف، ولا يقع اللبس إلا لمن في قلبه مرض يمنعه من التمييز.
يتلخص حديث القرآن الكريم عن هذه الغزوة في الآتي:
••تذكير المؤمنين بنعم الله عليهم.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:9] .
••بيان ما أصاب المسلمين بسبب إحاطة الأحزاب بالمدينة.
قال تعالى: (? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ) [الأحزاب:10] .
••الكشف عن المنافقين.
وقد مر قبل قليل ذكر كثير من الآيات الدالة على ذلك.
••بيان صلابة موقف المؤمنين.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:22] .
••حض المؤمنين على التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:21] .
••مدح بعض المؤمنين على مواقفهم.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پپ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:23] .
••بيان سنة من سنن الله التي لا تتخلف، وهي جعل العاقبة للمؤمنين والهزيمة لأعدائهم.
قال تعالى: (? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ژ) [الأحزاب:25] .
••امتنانه سبحانه على عباده المؤمنين حيث نصرهم على بني قريظة، وهم في حصونهم المنيعة بدون قتال يذكر.
حيث ألقى سبحانه الرعب في قلوبهم فنزلوا على حكم الله ورسوله.
قال تعالى: (ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ) [الأحزاب:26 - 27] 92.
من مواقف الصحابة رضي الله عنهم:
تعددت مواقف الصحابة، ففيما يتعلق بمجموعهم، فالكل يشارك في حفر الخندق، والكل أصابه من الجوع ما أصابه، والكل مستعد لتنفيذ ما يوجه إليه من أوامر، وهم كما وصفهم الله تعالى: (? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ) [الأحزاب:10] .
ولنستعرض بعض النصوص التي توضح هذا:
أخرج الإمام البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:(اللهم إن العيش عيش الآخرة. فاغفر للأنصار والمهاجرة) . فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا
على الجهاد ما بقينا أبدًا) 93.
وفي رواية عنه رضي الله عنه: (قال: يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخةٍ، توضع بين يدي القوم، والقوم جياعٌ، وهي بشعةٌ في الحلق ولها رييٌ منتنٌ) 94.
أخرج البخاري بسنده عن جابر رضي الله عنه قال: (لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيءٌ؟ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا، فأخرجت إلي جرابًا فيه صاعٌ من شعيرٍ، ولنا بهيمةٌ داجنٌ، فذبحتها وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه، فجئته فساررته فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمةً لنا وطحنا صاعًا من شعيرٍ كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك. فصاح النبي صلى الله عليه وسلم فقال:(يا أهل الخندق إن جابرًا قد صنع سؤرًا فحي هلًا بكم) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء) ، فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقدم الناس، حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت. فأخرجت له عجينًا، فبصق فيه، وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: ادع خابزةً فلتخبز معي، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها وهم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حت تركوه، وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجننا ليخبز كما هو) 95.
أما الآن، فلستعرض المواقف الفردية للصحابة، ونكتفي بواحد منها 96.
موقف للزبير بن العوام:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: (من يأتينا بخبر القوم؟) . فقال الزبير: أنا. ثم قال: (من يأتينا بخبر القوم؟) . فقال الزبير: أنا. ثم قال: (من يأتينا بخبر القوم؟) . فقال الزبير: أنا. ثم قال: (إن لكل نبي حواريًا، وأن حواري الزبير) 97.
سادسًا: بيعة الرضوان:
يقول تعالى: (ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ) [الفتح:18 - 19] .
يقول الطبري: «لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين (گ گ ? ?) يعني: بيعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله بالحديبية، حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، وعلى أن لا يفروا .. ، وكانت بيعتهم إياه هنالك فيما ذكر تحت شجرة. وكان سبب هذه البيعة ما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملإ من قريش، فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء، فظن أنه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان، وكان الذين بايعوه هذه البيعة فيما ذكر في قول بعضهم: ألفًا وأربع مئة، وفي قول بعضهم: ألفًا وخمس مئة، وفي قول بعضهم: ألفًا وثلاث مئة» 98.
كيف تلقى الصحابة رضي الله عنهم هذه الآية، وهم يعلمون أنهم المقصودون، لقد رضي الله تعالى عنهم، وقد أكد هذا الرضا بثلاثة مؤكدات، ثم عبر عنه بالماضي، دلالة على تحقق الأمر، ثم وصفهم بالمؤمنين، ثم بين علمه تعالى بما في قلوبهم من الصدق. واستحقوا مع هذه البشرى من الله تعالى، بشارة من الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (لا يدخل النار-إن شاء الله-من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها) 99.
وقد أخرج البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: (أنتم خير أهل الأرض) ، وكنا ألفًا وأربع مائةٍ، ولو كنت أبصر اليوم، لأريتكم مكان الشجرة 100.
وهل هناك شرف أعظم من أن يجعل الله تعالى مبايعة هؤلاء الكرام رضي الله عنهم للرسول، صلى الله عليه وسلم مبايعة له عز وجل: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ?) [الفتح:10] .
أما قوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) فهو تحذير من نكث هذه البيعة وتفظيع له؛ لأن الشرط يتعلق بالمستقبل، ولم ينكث أحد ممن بايع؛ لأن سبب المبايعة قد انعدم بالصلح الواقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة وأن هذه الآية نزلت فيما بين ساعة البيعة وبين انعقاد الهدنة وحصل أجر الإيفاء بالنية عدمه لو نزل ما عاهدوا الله علي 101.
قال جابر رضي الله عنه: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت، وعلى ألا نفر، فما نكث أحد منا البيعة، إلا جد بن قيس المنافق، اختبأ تحت إبط بعيره، ولم يسر مع قومه) 102.
سابعًا: غزوة حنين:
هذه الغزوة كانت بعد فتح مكة، في السنة الثامنة للهجرة، قوامها اثنا عشر ألفًا، ولقد صدرت الآيات التي تتحدث عن هذه الغزوة بقوله تعالى: (ں ں ? ? ? ?) [التوبة:25] .
تذكيرًا بما سلف من نصر الله تعالى لهم، ومنها ما حصل في غزوة بدر، (? ہ) ، وهو واد بين مكة والطائف، قاتل عليه نبي الله عليه السلام هوازن وثقيفًا بعد فتح مكة (ہ ہ ھ) وذلك أنهم قالوا: لن نغلب اليوم من قلة وكانوا اثني عشر ألفًا (ھ ھ) لم تدفع عنكم شيئًا (ے ? ? ? ?) برحبها وسعتها ضاقت عليكم، فلم تجدوا فيها موضعًا يصلح لفراركم، وهو قوله: (? ? ?) انهزمتم، أعلمهم الله تعالى أنهم ليسوا يغلبون بكثرتهم إنما يغلبون بنصر الله (? ? ? ?) يعني الأمنة والطمأنينة (? ? ? ? ? ? ? ?) الملائكة (? ? ?) بالقتل والأسر وسبي الأولاد (? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ) فيهديه إلى الإسلام ولا يؤاخذه بما سلف (? ? ?) بمن آمن 103.
يتضح من حديث القرآن الكريم عن هذه الغزوة الآتي:
••ربط الصحابة بالله تعالى، وأن النصر من عنده عز وجل، من خلال مواقف سبقت، وهم يعرفونها.
••التنبيه على موضع الخطأ، وهو ههنا الإعجاب بالكثرة.
(ہ ہ ھ) ، ولم يقل الله تعالى: فلم تغن من عدوكم شيئًا، وإنما من الله، وهنا ربط القلوب بما يرضي الله، فالنصر من عنده وحده.
قال ابن كثير: «نبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئًا، فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم» 104.
••المؤاخذة على الخطأ، لا يعفى منها أحد، فهؤلاء الصحابة الكرام، ومعهم سيد ولد آدم، ومع ذلك، فقد أصابهم ما أصابهم، ولنستحضر ما حصل في غزوة أحد، ولنكن من الأخطاء على حذر.
••عدم اليأس من رحمة الله تعالى.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ?) ، أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين.
قال الشوكاني: «هم الذين لم ينهزموا، وقيل: الذين انهزموا، والظاهر جميع من حضر منهم؛ لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا» 105.
••إكرام الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة بإنزال الملائكة عليهم السلام، قال تعالى: (? ? ? ?) «هم الملائكة، وقد اختلف في عددهم على أقوال: قيل: خمسة آلاف، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشر ألفًا، وقيل: غير ذلك، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوة. واختلفوا أيضًا: هل قاتلت الملائكة في هذا اليوم أم لا؟» 106. والعلم عند الله تعالى.
مواقف للصحابة في هذه الغزوة:
في صحيح مسلم بسنده عن العباس، قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنينٍ، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أي عباس! ناد أصحاب السمرة) . فقال عباس-وكان رجلًا صيتًا-فقلت بأعلى صوتى: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتى عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار! قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا حين حمى الوطيس) . قال: ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصياتٍ فرمى بهن وجوه الكفار. ثم قال: (انهزموا ورب محمدٍ) . قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا) 107.
ثامنًا: غزوة تبوك:
نزل معظم سورة التوبة في شأن هذه الغزوة، ولذا فإنه من المناسب أن نذكر اختصارًا لها، يقول ابن كثير: «ولما أنزل الله عز وجل على رسوله (چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?) [التوبة:29] .
ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب إلى الجهاد، وأعلمهم بغزو الروم، وذلك في رجب من سنة تسع، وكان لا يريد غزوة إلا ورى بغيرها، إلا غزوته هذه، فإنه صرح لهم بها؛ ليتأهبوا لشدة عدوهم وكثرته، وذلك حين طابت الثمار، وكان ذلك في سنة مجدبة، فتأهب المسلمون لذلك، وأنفق عثمان بن عفان رضي الله عنه على هذا الجيش-وهو جيش العسرة-مالًا جزيلًا، فقيل: ألف دينار، وقال بعضهم: إنه حمل على ألف بعير ومائة فرس وجهزها أتم جهاز، حتى لم يفقدوا عقالًا ولا خطامًا رضي الله عنه.
ونهض صلى الله عليه وسلم في نحو من ثلاثين ألفًا، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة، وقيل: سباع بن عرفطة، وقيل: علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، والصحيح أن عليًا كان خليفة له على النساء والذرية، وقد خرج معه عبد الله بن أبي رأس النفاق، ثم رجع في أثناء الطريق.
وتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذرية ومن عذره الله من الرجال، ممن لا يجد ظهرًا يركبه، أو نفقة تكفيه، فمنهم البكاؤون وكانوا سبعة وتخلف منافقون كفرًا وعنادًا، وكانوا نحو الثمانين رجلًا، وتخلف عصاة، مثل مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، ثم تاب الله عليهم بعد قدومه صلى الله عليه وسلم بخمسين ليلة.
فسار صلى الله عليه وسلم فمر في طريقه بالحجر، فأمرهم أن لا يدخلوا عليهم بيوتهم إلا أن يكونوا بكائين، وأن لا يشربوا إلا من بئر الناقة، وما كانوا عجنوا به من غيره فليطعموه للإبل، وجازها صلى الله عليه وسلم مقنعًا، فبلغ صلى الله عليه وسلم تبوك وفيها عين تبض بشيء من ماء قليل، فكثرت ببركته مع ما شوهد من بركة دعائه في هذه الغزوة، من تكثير الطعام الذي كان حاصل الجيش جميعه منه مقدار العنز الباركة، فدعا الله عز وجل، فأكلوا منه وملؤوا كل وعاء كان في ذلك الجيش، وكذا لما عطشوا دعا الله تعالى فجاءت سحابة فأمطرت فشربوا حتى رووا واحتملوا.
ولما انتهى إلى هناك، لم يلق غزوًا، ورأى أن دخولهم إلى أرض الشام بهذه السنة يشق عليهم، فعزم على الرجوع وصالح صلى الله عليه وسلم يحنة بن رؤبة صاحب أيلة، وبعث خالدًا إلى أكيدر دومة، فجيء به فصالحه أيضًا ورده. ثم رجع صلى الله عليه وسلم، وكان رجوعه من هذه الغزاة في رمضان من سنة تسع، وأنزل فيها عامة سورة التوبة، وعاتب الله عز وجل من تخلف عنه صلى الله عليه وسلم، فقال عز وجل: (چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ) [التوبة:120] » 108.
نتسطيع أن نستخلص بعض الدروس مما سبق:
لا تزال الفتن تميز الخبيث من الطيب، فهذه الغزوة، التي سميت بالعسرة، بكل ما تحمله من معان، وقد وقعت في وقت طابت فيه الثمار، والحر شديد، والشقة بعيدة، فلن يثبت أمام هذا كله إلا المؤمنون، وهذا ما حدث، فلقد انقسم الناس إلى ثلاثة أصناف:
••المؤمنون، وهم الغالبية، وقدروا بثلاثين ألفًا.
••العصاة، وهم نفر قليل، سنذكر في المواقف حديث أحدهم.
••المنافقون، وقد تولت سورة التوبة فضحهم، وبيان صفاتهم.
فيما يتعلق بالمؤمنين يكفي أن يشار إلى قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ) [التوبة:88 - 89] .
ويتأكد هنا ما سبق بيانه أن وصف الإيمان قد لازم الصحابة رضي الله عنهم، فما غيروا وما بدلوا تبديلًا رضي الله عنهم. وتأمل كيف يقرنهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وينص على أنهم معه، ثم وعدهم الله تعالى بالخيرات، وهي تتناول منافع الدارين؛ لإطلاق اللفظ، ووصفهم بالفلاح، بل هم الكاملون فيه، ثم وعدهم الجنة، مبينًا أن ذلك الأمر العالي المكانة، هو الفوز العظيم، الذي لا فوز مثله 109.
شهد الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في ساعة العسرة، والتقييد بالعسرة يدل على أنهم كانوا صادقين في إيمانهم وحبهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة:117] ، وافتتاح الآية بمؤكدات ثلاثة، والإتيان بالفعل الماضي، دلالة على تحقق هذه التوبة، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وتقديمه ههنا، لبيان عظم منزلتها.110
أما المنافقون، فقد فضحتهم سورة التوبة، حتى سميت بالفاضحة، ومن الآيات التي أشارت إلى بعض أفعالهم الذميمة:
قوله تعالى: (? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ) [التوبة:42] .
قال الطبري: «وكانت جماعة من أصحابه قد استأذنوه في التخلف عنه حين خرج إلى تبوك، فأذن لهم: لو كان ما تدعو إليه المتخلفين عنك، والمستأذنيك في ترك الخروج معك إلى مغزاك الذي استنفرتهم إليه، (? ?) يقول: غنيمة حاضرة (ٹ ٹ) ، يقول: وموضعًا قريبًا سهلًا (ٹ) ، ونفروا معك إليهما، ولكنك استنفرتهم إلى موضع بعيد، وكلفتهم سفرًا شاقًا عليهم، لأنك استنهضتهم في وقت الحر، وزمان القيظ وحين الحاجة إلى الكن.