أولًا: المعنى اللغوي:
ابنٌ: جمعه: أبناءٌ، وبنون «الولد الذكر» . والابن: الولد، ولامه في الأصل منقلبةٌ عن واوٍ عند البعض، وقيل في معتل الياء: الابن الولد، فعلٌ محذوفة اللام مجتلبٌ لها ألف الوصل، وإنما قضى أنه من الياء؛ لأن بنى يبني أكثر في كلامهم من يبنو، والجمع أبناء. والاسم البنوة، فالبنوة مصدر الابن. يقال: ابنٌ بين البنوة. ويقال: تبنيته أي ادعيت بنوته. وتبناه: اتخذه ابنًا 1، وسمي بذلك لأنه بناءٌ للأب، فإن الأب هو الذي بناه، وجعله الله بناءً في إيجاده، ومؤنثه ابنة وبنت، وجمعه بنات 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال فيه الراغب: «يقال لكل ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته، أو بتفقده أو كثرة خدمته له أو قيامه بأمره: هو ابنه» 3.
وذكر بعض المفسرين كالشوكاني قوله: «الابن: هو أخص القرابة، وأولاهم بالحماية، والدفع، والنفع، فإذا لم ينفع، فغيره من القرابة والأعوان بالأولى» 4، وقال فيه الشعراوي: «الابن هو الإنسان الوحيد في الوجود الذي يود أبوه أن يكون الابن أفضل وأحسن حالًا منه، ويتمنى أن يعوض ما فاته في نفسه في ولده، ويتدارك فيه ما فاته من خير» 5.
وردت صيغ مادة «بنو» الدالة على بنوة الأبناء في القرآن الكريم (162) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
المفرد ... 40 ... {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} [هود:42]
المثنى ... 2 ... {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} [المائدة:27]
الجمع ... 120 ... {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) } [الصافات:149]
وجاءت مادة (بنو) في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو الشيء يتولد عن الشيء، كابن الإنسان وغيره 7.
قال الله تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} [النساء:23] . أي: وحلائل أبنائكم الذين ولدتموهم 8.
الولد:
الولد لغةً:
الولد: كل ما ولد، ويطلق على الذكر والأنثى، والمثنى والجمع، وجمعه: أولادٌ، ولد الشيء من الشيء: أنشأه وأنتجه 9.
الولد اصطلاحًا:
قال الراغب: «الولد: المولود. يقال للواحد والجمع والصغير والكبير» 10.
الصلة بين الولد والابن:
1.أن الابن يفيد الاختصاص ومداومة الصحبة، و لهذا يقال الناس بنو آدم؛ لأنهم منسوبون إليه، وكذلك بنو إسرائيل.
2.الابن في كل شئ صغير فيقول الشيخ للشاب: يا بني، ويسمي الملك رعيته الأبناء.
3.الولد يقتضي الولادة، ولا يقتضيها الابن، والابن يقتضي أبًا، والولد يقتضي والدًا، ولا يسمى الإنسان والدًا إلا إذا صار له ولد.
4.يطلق اسم الولد حقيقة في ولد الصلب، واستعمال الابن والولد في ابن الابن مجاز.
5.يطلق الابن على الذكر، ويطلق الولد على الذكر والأنثى، والنسل والذرية يقع على الجميع 11.
الطفل:
الطفل لغةً:
الطاء والفاء واللام أصله المولود الصغير؛ يقال هو طفلٌ، والأنثى طفلة 12.
الطفل اصطلاحًا:
الولد الصغير من الإنسان والدواب. وقيل ويبقى هذا الاسم له حتى يميز 13.
الصلة بين الطفل والابن:
يكون الابن طفلًا في فترة عمرية معينة، فالطفل يطلق على المولود منذ أن يولد إلى أن يميز.
الصبي:
الصبي لغةً:
يقال: رأيته في صباه أي في صغره، والصبي: من لدن يولد إلى أن يفطم، والجمع أصبيةٌ وصبوةٌ وصبيةٌ 14.
الصبي اصطلاحًا:
قال الراغب: «الصبي: من لم يبلغ الحلم» 15.
الصلة بين الصبي والابن:
يكون الابن صبيًا في فترة عمرية معينة، فالصبي يطلق على الإنسان منذ أن يميز إلى أن يبلغ الحلم.
الغلام:
الغلام لغةً:
«هو من حين يولد إلى أن يشيب، والجمع أغلمةٌ وغلمةٌ وغلمانٌ» 16.
الغلام اصطلاحًا:
«يقع هذا الاسم على الصبي من حين يولد على اختلاف حالاته إلى أن يبلغ» 17.
الصلة بين الغلام والابن:
يكون الابن غلامًا حين تظهر عليه علامات البلوغ.
1.أولًا: البنوة نعمة:
إن الأولاد نعمة عظيمة، وهبة من الله سبحانه قال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) } [الشورى:49 - 50] .
كما أن من أعظم نعم الله على الإنسان في هذه الحياة نعمة الأولاد، فهم منحة إلهية، وهبة ربانية، يختص الله بها من يشاء من عباده ولو كان فقيرا، ويمنعها عمن يشاء من خلقه ولو كان غنيًا، والأولاد نعمة يتضح من عدة أوجه:
1.إن من سنن الله تعالى في الأنبياء والرسل أن جعل لهم أزواجًا وذرية.
قال سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد:38] .
والله تعالى لا يختار لرسله إلا أكمل الأحوال وأفضلها.
قال ابن كثير رحمه الله: «وكما أرسلناك يا محمد رسولًا بشريًا، كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشرًا، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجًا وذرية» 18.
2.حب الأبناء فطرة.
كما أن النفس الإنسانية مفطورة على حبهم وطلبهم، وقد ذكر سبحانه الأولاد في سياق ذكر النعم فقال سبحانه {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) } [نوح:10 - 12] .
3.الأولاد زينة الحياة الدنيا.
قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:46] فهم زهرتها، يخففون عن آبائهم متاعب الحياة وهمومها، وجودهم في البيت كالأزهار في الحدائق، يضفون عليهم البهجة والسرور، تسر الفؤاد مشاهدتهم، وتقر العين رؤيتهم، وتبتهج النفس بمحادثتهم، وهم بسمة الأمل، وأريج النفس، وريحان القلب، وهم أكبادنا التي تمشي على الأرض.
وقد توجه بعض الأنبياء إلى الله بالدعاء في أن يرزقه الولد وألا يدعه فردًا بلا خلف، فقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) } [الأنبياء:89] .
وقد أثنى الله على نبيه زكريا عليه السلام حيث قال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) } [مريم:3] والنداء هنا بمعنى الدعاء.
فالولد نعمة ومتعة من متع هذه الحياة، وهم كما قال عنهم الأحنف بن قيس: «ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة» 19
ومن تمام النعمة على أهل الجنة أن يلحق الله تعالى بهم ذريتهم وإن قصر عملهم، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) } [الطور:21] .
قال ابن كثير رحمه الله: «يخبر تعالى عن فضله وكرمه وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه، أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه وبين ذاك» 20.
ومن دعاء الملائكة للمؤمنين قوله سبحانه: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) } [غافر:8] .
ومع هذا تكون النعمة ممزوجة بالفتنة، قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} [آل عمران:14] .
قال ابن كثير رحمه الله: «يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد ... ، وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل، وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح» 21
يقول الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) } [الكهف:46] .
يقول الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [آل عمران:14] .
يقول الله تعالى: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) } [المدثر:12 - 13] .
فالأولاد هبة من الله للإنسان يسر الفؤاد بمشاهدتهم وتقر العين برؤيتهم وتبتهج النفس بمحادثتهم فهم زهرة الحياة الدنيا وزينتها، ولكي نعرف قيمة هذه النعمة لننظر فيمن حرمها ممن ابتلاه الله بالعقم كيف يبذل المستحيل لعله أن يظفر ولو بطفل واحد ليملأ عليه دنياه بهجة وسرورًا.
كما أن الأموال والأولاد نعمة يسبغها الله على عبد من عباده؛ حين يوفقه إلى الشكر على النعمة، والإصلاح بها في الأرض، والتوجه بها إلى الله؛ فإذا هو مطمئن الضمير، ساكن النفس، واثق من المصير؛ فكلما أنفق احتسب وشعر أنه قدم لنفسه ذخرًا، وكلما أصيب في ماله أو بنيه احتسب؛ فإذا السكينة النفسية تغمره. والأمل في الله يسري عنه.
ولقد قرن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم الأموال والأولاد في أربعة وعشرين موضعًا قدمت فيها الأموال على الأولاد، وفي موضعين قدم الأولاد على الأموال.
وإن المتأمل في الحكم والأسرار ليستنتج أن المال والبنون زينة وتفاخر في الحياة الدنيا.
قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:46] .
وقال سبحانه: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الحديد:20] .
وقال تعالى: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف:34] .
وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) } [مريم:77] .
قال القرطبي رحمه الله: إنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا؛ لأن في المال جمالًا ونفعًا، وفي البنين قوة ودفعًا، فصارا زينة الحياة الدنيا» 22.
وقال السعدي رحمه الله: «أخبر تعالى أن المال والبنين، زينة الحياة الدنيا؛ أي: ليس وراء ذلك شيء، وأن الذي يبقى للإنسان وينفعه ويسره: الباقيات الصالحات» 23.
فالمال والبنون زينة الحياة، والإسلام لا ينهى عن التمتع بالزينة في حدود الطيبات. ولكنه يعطيهما القيمة التي تستحقها الزينة في ميزان الخلود ولا يزيد.
إنهما زينة ولكنهما ليستا قيمة؛ فما يجوز أن يوزن بهما الناس ولا أن يقدروا على أساسهما في الحياة؛ إنما القيمة الحقة للباقيات الصالحات من الأعمال والأقوال والعبادات 24.
وإن من وجوه الإعجاز البياني في القرآن الكريم أن كل لفظة موضوعة بما يتناسب مع سياقها وموضوعها، فترى الكلمة قدمت في موضع وأخرت في موضع آخر تناسبًا مع سياقها وموضوعها وغرضها، فليس التقديم والتأخير والتكرار عبثًا أو هدرًا، ومن ذلك قوله تعالى في آية الكهف: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:46] .
ونظير ذلك قوله تعالى في آية التغابن: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن:15] .
في حين أنك تجد تقديم البنين على المال في آية آل عمران في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} [آل عمران:14] .
والحكمة في هذا التأخير وذاك التقديم أن السياق يقتضيه، فنجد تقديم المال على الولد حيث تكون الفتنة والإغراء والزينة والاستعانة، وذلك لأن المال قوام الحياة والزينة أشد فتنة من فتنة الولد فقدم عليه.
وحينما يكون السياق عن الحب والمحبة يقدم الولد على المال لأنه الأحب إلى الرجل، ولذلك تجد تقديمه على المال في آية آل عمران حيث قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [آل عمران:14] .
كما أن من دقائق التعبير القرآني في سورة الإسراء أنه تعالى قدم رزق الأبناء على الآباء: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) } [الإسراء:31] .
وفي سورة الأنعام قدم رزق الآباء: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام:151] .
والسر في ذلك أن قتل الأولاد في سورة الإسراء كان خشية وقوع الفقر بسببهم، فقدم تعالى رزق الأولاد. وفي سورة الأنعام كان قتلهم بسبب فقر الآباء فعلا، فقدم رزق الآباء. فلله در التنزيل ما أروع أسراره! 25
إن سنة الأنبياء والفضلاء التحرز في الدعاء بطلب الولد: فهذا زكريا عليه الصلاة والسلام تحرز فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران:38] .
وقال: {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم:6] .
وتحرز إبراهيم فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) } [الصافات:100]
وتحرز المؤمنون فقالوا ما حكى الله تعالى عنهم، {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) } [الفرقان:74] .
وتحرز الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته لأنس بن مالك رضي الله عنه فدعا له بالبركة في ماله وولده فقال: (اللهم أكثر ماله وولده وبارك له في ما أعطيته) 26.
والولد إذا كان بهذه الصفة كان نفعًا لأبويه في الدنيا والآخرة، وخرج من حد العداوة والفتنة إلى حد المسرة والنعمة.
ثانيًا: البنوة فتنة:
ورد التحذير من فتنة الأبناء في أكثر من موضع من القرآن الكريم منها قول الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) } [التغابن:15] .
وقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) } [الأنفال:28] .
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) } [التغابن:14 - 15] .
وقوله تعالي: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) } [المنافقون:9] .
والمتأمل في كلمة فتنة نجد أنها تحتمل معان منها:
الأول: أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد بمعنى يختبركم، فانتبهوا لهذا، وحاذروا وكونوا أبدًا يقظين لتنجحوا في الابتلاء وتخلصوا وتتجردوا لله.
الثاني: أن هذه الأموال والأولاد فتنة لكم توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية.
والفتنة ليست مذمومة في ذاتها؛ لأن معناها اختبار وامتحان، وقد يمر الإنسان بالفتنة وينجح؛ كأن يكون عنده الأموال والأولاد، وهم فتنة بالفعل فلا يغره المال؛ بل إنه استعمله في الخير، والأولاد لم يصيبوه بالغرور بل علمهم حمل منهج الله، وجعلهم ينشؤون على النماذج السلوكية الصحيحة في الدين؛ لذلك فساعة يسمع الإنسان أي أمر فيه فتنة فلا يظن أنها أمر سيئ؛ بل عليه أن يتذكر أن الفتنة هي اختبار وابتلاء وامتحان، وعلى الإنسان أن ينجح مع هذه الفتنة؛ فالفتنة إنما تضر من يخفق ويضعف عند مواجهتها.
والكافرون لا ينجحون في فتنة الأموال والأولاد، ويأتي يوم لا يملكون فيه هذا المال، ولا أولئك الأولاد؛ وحتى إن ملكوا المال فلن يشتروا به في الآخرة شيئًا، وسيكون كل واحد من أولادهم مشغولًا بنفسه.
يقول الإمام البغوي عند تفسير آية التغابن: «وقال عطاء بن يسار: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق لهم ويقيم، فأنزل الله {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن:15] .
بلاء واختبار وشغل عن الآخرة، يقع بسببها الإنسان في العظائم ومنع الحق وتناول الحرام» 27.
ويعلق سيد قطب رحمه الله على آية التغابن {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن:15] .
ويقول: «التنبيه هنا إلى أن من الأزواج والأولاد من يكون عدوًا .. إن هذا يشيرإلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية، ويمس وشائج متشابكة ودقيقة في التركيب العاطفي فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكر الله، كما أنهم قد يكونون دافعا للتقصير في تبعات الإيمان اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله! والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير، وتضحية الكثير كما يتعرض هو وأهله للعنت، وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتلمه في زوجته وأولاده فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع والمال! فيكونون عدوًا له، لأنهم صدوه عن الخير، وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا» 28.
ومن معان الفتنة في الأولاد أن تكون نقمة يصيب الله بها عبدًا من عباده؛ لأنه يعلم من أمره الفساد والدخل؛ فإذا القلق على الأموال والأولاد يحول حياته جحيمًا، وإذا الحرص عليها يؤرقه ويتلف أعصابه، وإذا هو ينفق المال حين ينفقه في ما يتلفه ويعود عليه بالأذى، وإذا هو يشقى بأبنائه إذا مرضوا ويشقى بهم إذا صحوا. وكم من الناس يعذبون بأبنائهم لسبب من الأسباب! وهؤلاء الذين يملكون الأموال ويرزقون الأولاد، يعجب الناس ظاهرها، وهي لهم عذاب 29
وتظهر معالم الفتنة بالأولاد في الصور الآتية:
1.الانشغال بها عن الآخرة، والاستعداد لها.
فالتفريط في الصالحات، والحرص على المال والأولاد والمحبة الشديدة لهما تدفع إلى الوقوع في المحرمات، التحاسد والتدابر والتباغض، التقاتل على الدنيا وأموالها. ومعها الوقوع في صفتين ذميمتين بسبب الأموال والأولاد هما. البخل والجبن. وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم عليهما بقوله: (إن الولد مبخلة مجبنة) 30.
والبخل يدفع إلى الوقوع في المال الحرام، وإلى أن تمنع الحقوق الواجبة، وهذا هو الشح المذموم الذي قال الله تعالى عنه: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن:16] .
2.البغي والتكبر على الناس.
قال الله عز وجل: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) } [الشورى:27] .
وقال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق:6 - 7] .