فهرس الكتاب

الصفحة 2170 من 2431

الثاني: استعمال المخدر مع الأدوية الطبية بنسب معينة لتسكين الآلام والأوجاع الشديدة، فهذا جائز ويباح التداوي به للحاجة والحفاظ على النفس من لحوق الضرر بها أو الهلاك، بشرط أن تكون نسبة المخدر في الدواء قليلة، ولا يترتب عليها ضرر أو سكر، فيحصل للمريض به نفع، وكذلك يشترط أن يكون المريض محتاجًا إلى هذا الدواء، ولم يوجد غيره مقامه، وأن الطبيب قد قرر أنه لا بد من تناوله، فيتناوله المريض بقدر الحاجة والضرورة 36.

ثانيًا: قتل النفس:

يقول الله عز وجل: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) } [النساء:29] .

ذكر مجموعة من المفسرين أن المراد بقتل النفس الوارد في الآية يقصد به قتل بعضهم بعضًا، وعبر عن ذلك بالنفس؛ لأن المسلمين كلهم كالنفس الواحدة، فإذا قتل أحدهم الآخر فكأنما قتل نفسه 37.

وتحتمل الآية أيضًا معنى قتل المرء نفسه، حيث قال ابن عطية: «فأجمع المتأولون أن المقصد بهذه الآية النهي عن أن يقتل بعض الناس بعضها، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل، أو بأن يحملها على غرر ربما مات منه، فهذا كله يتناوله النهي، وقد احتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين امتنع من الاغتسال بالماء البارد خوفًا على نفسه منه، فقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجاجه» 38.

ويمكن أن يكون من أنواع الغرر الذي تحدث عنه ابن عطية أن يكون الإنسان في حالة اضطرار وقد أباح له الشرع ما كان محرمًا من الأطعمة أو الأشربة، فإذا قصر في ذلك، ولم يأخذ بالرخصة، فإنه يعرض نفسه للهلاك، فكأنما أصبح هو السبب في قتل نفسه، وقد قال الله عز وجل في موضع آخر: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] .

قال السعدي: «والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: ترك ما أمر به العبد، إذا كان تركه موجبًا أو مقاربًا لهلاك البدن أو الروح، وفعل ما هو سببٌ موصلٌ إلى تلف النفس أو الروح» 39.

ثالثًا: التلفظ بالكفر ونحوه:

يقول الله جل جلاله في هذا: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) } [النحل:106] .

والمعنى أن الله تعالى يخبر في هذه الآية عن شناعة حال من كفر بالله عز وجل بعدما أبصر طريق الحق، واهتدى بنوره، ولكنه رجع إلى ما كان عليه من ضلال وغواية، وارتضى بهذا الكفر واطمأن به، فلهم الغضب الشديد.

قال الإمام ابن كثير في تفسيره: «أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به: أنه قد غضب عليه، لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابًا عظيمًا في الدار الآخرة؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم فلا يعقلون بها شيئًا ينفعهم وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئًا، فهم غافلون عما يراد بهم» 40.

أما قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} ، فقد قال ترجمان القرآن ابن عباس: «نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسرًا وأمه سمية وصهيبًا وبلالًا وخبابًا وسالمًا فعذبوهم، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة، وقيل لها: إنك أسلمت من أجل الرجال، فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام. وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهًا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن عمارًا كفر، فقال: (كلا، إن عمارًا ملئ إيمانًا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت