وقال القرطبي: « (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد، وامتثال للأمر، وكف عن المنهي عنه، وحسن عطف (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا) لما كان في الكلام المتقدم معنى «انتهوا» ، وكرر (وَأَطِيعُوا) في ذكر الرسول تأكيدًا» 65.
وليس المقصد بهذا الكلام أن يقتصر أمر الطاعة على أمر اجتناب الخمر والميسر السابق لتلك الآية، وإنما يراد ما هو أعم وأوسع من ذلك، وهو مطلق الطاعة لله ولرسوله، ويدخل ابتداء في ذلك: الطاعة في هذا الاجتناب المذكور.
قال الألوسي: « (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) عطف على «اجتنبوه» أي: أطيعوهما في جميع ما أمرا به ونهيا عنه، ويدخل فيه أمرهما ونهيهما في الخمر والميسر دخولًا أوليًا (وَاحْذَرُوا) أي: مخالفتهما في ذلك وهذا مؤكد للأمر الأول، وجوز أن يكون المراد أطيعوا فيما أمرا واحذروا عما نهيا فلا تأكيد، وجوز أيضًا أن لا يقدر متعلق للحذر، أي: وكونوا حاذرين خاشين، وأمروا بذلك؛ لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة، وعمل كل حسنة» 66.
وقال ابن عاشور: «عطفت جملة (وَأَطِيعُوا) على جملة (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) وهي كالتذييل؛ لأن طاعة الله ورسوله تعم ترك الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وتعم غير ذلك من وجوه الامتثال والاجتناب، وكرر (وَأَطِيعُوا) اهتمامًا بالأمر بالطاعة، وعطف (وَأَطِيعُوا) على (وَأَطِيعُوا) أي: وكونوا على حذر، وحذف مفعول (وَاحْذَرُوا) لينزل الفعل منزلة اللازم؛ لأن القصد التلبس بالحذر في أمور الدين، أي: الحذر من الوقوع فيما يأباه الله ورسوله؛ وذلك أبلغ من أن يقال: واحذروهما؛ لأن الفعل اللازم يقرب معناه من معنى أفعال السجايا؛ ولذلك يجيء اسم الفاعل منه على زنة فعل كفرح ونهم» 67.
قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ? قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ? فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ? وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الأنفال: 1] .
قال الطبري: « (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) معناه: وانتهوا أيها القوم الطالبون الأنفال إلى أمر الله وأمر رسوله فيما أفاء الله عليكم، فقد بين لكم وجوهه وسبله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يقول: إن كنتم مصدقين رسول الله فيما آتاكم به من عند ربكم» 68.
وقال ابن عطية: « (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) لفظ عام، وسببه الأمر بالوقوف عند ما ينفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغنائم، وقوله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي: كاملي الإيمان، كما تقول لرجل: إن كنت رجلًا فافعل كذا» 69.
وقال ابن الجوزي: « (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي: اقبلوا ما أمرتم به في الغنائم وغيرها» 70.
وكما ذكرنا في الأمر السابق أن العبرة بعموم الآيات يظل قائمًا، مع التأكيد على خصوص السبب، نقول هذا هنا أيضًا.
قال البيضاوي: « (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فإن الإيمان يقتضي ذلك، أو إن كنتم كاملي الإيمان، فإن كمال الإيمان بهذه الثلاثة: طاعة الأوامر، والاتقاء عن المعاصي، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان» 71.
وأيضا ورد الأمر بالتأكيد على نفس المعنى، وهو: الالتزام بما جاء في الكتاب والسنة بأمر الغنائم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ) [الأنفال: 20] .
قال ابن عطية: «الخطاب للمؤمنين المصدقين، جدد عليهم الأمر بطاعة الله والرسول، ونهوا عن التولي عنه، وهذا قول الجمهور، ويكون هذا متناصرًا مع قول من يقول: إن الخطاب بقوله: (وَإِنْ تَنْتَهُوا) [الأنفال: 19] هو للمؤمنين، فيجيء الكلام من نمط واحد في معناه. وأما على قول من يقول إن المخاطبة بـ (وَإِنْ تَنْتَهُوا) هي للكفار؛ فيرى أن هذه الآية إنما نزلت بسبب اختلافهم في النفل، ومجادلتهم في الحق، وكراهيتهم خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفاخرهم بقتل الكفار، والنكاية فيهم» 72.
كما في قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] .
قال ابن كثير: «فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء، والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا، ولا ينكلوا، ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال، ولا ينسوه، بل يستعينوا به، ويتكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك، فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضًا، فيختلفوا فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم» 73.
وقال ابن عاشور: «فأما طاعة الله ورسوله فتشمل اتباع سائر أحكام القتال المشروعة بالتعيين، مثل الغنائم، وكذلك ما يأمرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من آراء الحرب، كقوله للرماة يوم أحد: (لا تبرحوا من مكانكم، ولو تخطفنا الطير) 74» 75.
وقال أبو السعود: « {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} في كل ما تأتون، وما تذرون، فيندرج فيه ما أمروا به ها هنا اندراجًا أوليًا» 76.
وقال ابن عطية: « {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية: استمرار على الوصية لهم، والأخذ على أيديهم في اختلافهم في أمر بدر وتنازعهم و {فَتَفْشَلُوا} نصب بالفاء في جواب النهي، قال أبو حاتم: «في كتاب عن إبراهيم «فتفشلوا» بكسر الشين! وهذا غير معروف»، وقرأ جمهور الناس {وَتَذْهَبَ} بالتاء من فوق، ونصب الباء، وقرأ هبيرة عن حفص عن عاصم «وتذهب ريحكم» بالتاء، وجزم الباء، وقرأ عيسى بن عمر «ويذهب» بالياء من تحت، وبجزم «يذهب» وقرأ أبو حيوة «ويذهب» بالياء من تحت، ونصب الباء، ورواها أبان وعصمة عن عاصم» 77.
وكذلك في هذا الصدد قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] .
قال الطبري: «وقد قيل إن ذلك معاتبة من الله عز وجل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خالفوا أمره يوم أحد، فأخلوا بمراكزهم التي أمروا بالثبات عليها» 78.
ولأن الأوامر في القرآن والسنة كثيرة لا تحصى وردت الآيات العامة المطلقة التي تحض على طاعة الله ورسوله في كل أمر، كما في قوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المجادلة: 13] .
وقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ} [التغابن: 12] .
فعلى المؤمنين الطاعة في شتى مجالات حياتهم، فيما ورد عن الشارع فيه أمر أو نهي، ليس فقط في أداء عباداتهم، بل حتى في تجاراتهم، في تعاملاتهم، في حال حربهم وسلمهم، في نشاطهم وكسلهم، وأن يعلنوا انقيادهم وإذعانهم لما أمروا به.
قال ابن كثير: «أمر بطاعة الله ورسوله فيما شرع، وفعل ما به أمر، وترك ما عنه نهى وزجر.
قال الزهري: «من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم» 79» 80.
وأما إن أعرضوا عن ذلك: فلن يضر هذا الرسول الذي بلغ عن ربه، وإنما سيضر من أعرض وخالف النور الذي أتي به إليه.
قال أبو السعود: « {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} كرر الأمر للتأكيد، والإيذان بالفرق بين الطاعتين في الكيفية، وتوضيح مورد التولي في قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} أي: عن إطاعة الرسول، وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ} تعليل للجواب المحذوف، أي: فلا بأس عليه إذ ما عليه إلا التبليغ المبين، وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه» 81.
وقال ابن عاشور: « {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ} عطف على جملة {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11] .
لأنها تضمنت أن المؤمنين متهيئون لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما يدعوانهم إليه من مصالح الأعمال، كما يدل عليه تذييل الكلام بقوله: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التغابن:11] .
ولأن طلب الطاعة فرع عن تحقق الإيمان كما في حديث معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال له: (إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فأول ما تدعوهم إليه، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة) » 82، وتفريع {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} تحذير من عصيان الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والتولي مستعار للعصيان، وعدم قبول دعوة الرسول.
ووصف البلاغ بـ {} أي: الواضح عذر للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ادعى ما أمر به على الوجه الأكمل قطعًا للمعذر عن عدم امتثال ما أمر به» 83.
وقد يكون هذا الإعراض عن الطاعة أيضًا، والولوج في بحار الكبائر والمعاصي: سببًا في بطلان العمل؛ لذا قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] .
قال الطبري: « {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} في أمرهما ونهيهما {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} يقول: ولا تبطلوا بمعصيتكم إياهما، وكفركم بربكم ثواب أعمالكم، فإن الكفر بالله يحبط السالف من العمل الصالح» 84.
وقال ابن الجوزي: « {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} اختلفوا في مبطلها على أربعة أقوال: أحدها: المعاصي والكبائر، قاله الحسن، والثاني: الشك والنفاق، قاله عطاء، والثالث: الرياء والسمعة، قاله ابن السائب، والرابع: بالمن» 85.
وأما القرطبي فقد ربط بين هذه الآية والتي قبلها فقال: «لما بين حال الكفار أمر المؤمنين بلزوم الطاعة في أوامره والرسول في سننه {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} أي: حسناتكم بالمعاصي، قاله الحسن، وقال الزهري: بالكبائر، ابن جريج: بالرياء والسمعة، وقال مقاتل والثمالي: بالمن، وفيه إشارة إلى أن الكبائر تحبط الطاعات، والمعاصي تخرج عن الإيمان» 86.
بقي هنا أخيرًا أن نقول: إن الأوامر التي يجب الطاعة فيها للرسول صلى الله عليه وسلم هي «ما أمر به ونهى عنه من أحكام الدين، وأما ما ليس داخلًا تحت التشريع فطاعة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فيه طاعة انتصاح وأدب، ألا ترى أن بريرة لم تطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراجعة زوجها مغيث لما علمت أن أمره إياها ليس بعزم» 87 88.
ثانيًا: الطاعة في غير معصية الله:
مر بنا فيما سبق أن طاعة الله عز وجل ورسوله طاعة مطلقة، وهناك طاعات أخرى دل عليها الكتاب العزيز، خاصة بأصناف معينة من الناس، إلا أن هذا النوع من الطاعة ليس مطلقًا كسابقه، بل هي مقيدة بقيد مهم، ألا وهو: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) 89.
ومن أنواع هذه الطاعات المقيدة ما يلي:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] .
اختلف أهل العلم في المراد بأولي الأمر المذكورين في الآية، هل هم الولاة والأمراء أم العلماء والفقهاء أم غير ذلك؟
فرجح جماعة -ومنهم الطبري- أنهم الولاة والأمراء، فقال بعد أن ذكر الخلاف في ذلك: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعة، وللمسلمين مصلحة» 90.
وقال ابن عطية: «أمر بطاعته عز وجل، وهي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسوله، وطاعة الأمراء على قول الجمهور» 91.
وقال ابن عاشور: «وتشمل طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام طاعة أمرائه في حياته؛ لقوله: (ومن أطاع أميري فقد أطاعني) 92، وتشمل طاعة أمراء الجيوش بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لمساواتهم لأمرائه الغائبين عنه في الغزوات والسرايا في حكم الغيبة عن شخصه» 93.
ورجح آخرون -ويبدو أن هذا هو الأقوى والأرجح- وهو: أن المراد بأولي الأمر: الأمراء والعلماء.
قال ابن القيم: «وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في أولي الأمر، وعنه فيهم روايتان:
إحداهما: أنهم العلماء.
والثانية: أنهم الأمراء.
والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية، والصحيح أنها متناولة للصنفين جميعًا، فإن العلماء والأمراء ولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله، فإن العلماء ولاته حفظًا وبيانًا وذبًا عنه وردًا على من ألحد فيه وزاغ عنه، وقد وكلهم الله بذلك، فقال تعالى: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89] .
فيالها من وكالة أوجبت طاعتهم والانتهاء إلى أمرهم، وكون الناس تبعًا لهم، والأمراء ولاته قيامًا وعناية وجهادًا وإلزامًا للناس به، وأخذهم على يد من خرج عنه، وهذان الصنفان هما الناس وسائر النوع الإنساني تبع لها ورعية» 94.
وقد يغفل بعض الناس عن أهمية طاعة العلماء، ويقللون من خطر الخروج عن مشورتهم، فنجد كثيرًا من يتحدث عن وجوب طاعة الأمراء، وأهميته في تحقق الجماعة، واستتباب الأمن في المجتمع، وهذا حق، ولكنهم يغفلون عن أهمية طاعة العلماء، وحاجة الأمة كلها رؤساء وأمراء وعامة إليهم.
إن الخروج عن طاعة العلماء الربانيين، وترك مشورتهم مفسد للدنيا والآخرة، ولا يعني هذا تقديسهم أو التعصب لأقوال الرجال، ليس هذا إطلاقًا، بل متى ما عارض قولهم قول الله ورسوله رد، ولم يقبل، فقولهم معتبر، ورأيهم متبع؛ لأنهم يتبعون ما جاء من ربهم، ويبينونه للناس، فالله عز وجل جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عقال الفتنة.
أما أولو الأمر من الأمراء فطاعتهم واجبة ما دام أنهم يحكمون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه وتعالى قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59] .
فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، بل عطف طاعتهم على طاعة الرسول؛ إذ أنه لا تجب طاعة أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
فطاعة أولي الأمر إذًا ليست طاعة مفردة مستقلة، بل طاعتهم طاعة مستثناة فيما لهم وعليهم، واجبة لهم ما دام أنهم يحكمون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) 95.
قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8] .
وقال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 15] .
ذكر كثير من أهل التفسير أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص؛ وذلك أنه قال عن نفسه: «أنزلت في أربع آيات» -فذكر قصة- فقالت أم سعد: أليس قد أمر الله بالبر؟ والله لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر، قال: «فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها» فنزلت هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} 96.
وقال ابن عطية بعد أن ذكر قصة سعد وغيرها: «ولا مرية أنها نزلت فيمن كان من المؤمنين بمكة يشقى بجهاد أبويه في شأن الإسلام أو الهجرة، فكان القصد بهذه الآية النهي عن طاعة الأبوين في مثل هذا؛ لعظم الأمر، وكثرة الخطر فيه مع الله تعالى، ثم إنه لما كان بر الوالدين وطاعتهما من الأمر الذي قررته الشريعة وأكدت فيه، وكان من القوي عندهم الملتزم؛ قدم الله تعالى النهي عن طاعتهما، وقوله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} على معنى أنا لا نخل ببر الوالدين، لكنا لا نسلطه على طاعة الله لا سيما في معنى الإيمان» 97.
وقال في موطن آخر: «وجملة هذا الباب: أن طاعة الوالدين لا تراعى في ركوب كبيرة، ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، وتستحسن في ترك الطاعات الندب» 98.
وقال ابن عاشور: «والمقصود من الآية هو قوله: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي} إلى آخره، وإنما افتتحت بـ {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} لأنه كالمقدمة للمقصود؛ ليعلم أن الوصاية بالإحسان إلى الوالدين لا تقتضي طاعتهما في السوء ونحوه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) 99.
ولقصد تقرير حكم الإحسان للوالدين في كل حال إلا في حال الإشراك، حتى لا يلتبس على المسلمين وجه الجمع بين الأمر بالإحسان للوالدين وبين الأمر بعصيانهما إذا أمرا بالشرك» 100.
قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا} [النساء: 34] .
قال الطبري: « {قَانِتَاتٌ} يعني: مطيعات لله ولأزواجهن» 101.
وقال القرطبي: « {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ} هذا كله خبر، ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله، وفي نفسها في حال غيبة الزوج، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك) 102، قال: وتلا هذه الآية: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} إلى آخر الآية» 103.
وقال ابن كثير: «المرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه؛ فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال، فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريد منها، مما أباحه الله له منها، فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها» 104.
أوضح القرآن عاقبة الطاعة في الدنيا والآخرة، وفيما يأتي بيان لها:
أولًا: عاقبة طاعة الله ورسوله:
طاعة الله ورسوله نبتة طيبة مباركة، تؤتي أكلها في الدنيا قبل الآخرة، فيحصل المؤمن جزاء عاجلًا قبل الجزاء الآجل، ففي الدنيا ينال الطائعون:
1.الهداية وإصابة للحق، كما في قوله تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ? وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [النور: 54] .
2.النصر في الدنيا على الأعداء، والغنيمة والخير الكثير، كما في قوله تعالى: (قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى? قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ? فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ? وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفتح: 16] .
3.نزول الرحمات، وتحقق الأمن والأمان، كما في قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ?56?) [النور: 56] .
وأما في الآخرة: فالثمرة أعظم وأكبر؛ لأن هذا ثواب باقٍ، لا يحول ولا يزول، ومن هذا الثواب المذكور:
1.المطيعون يأخذون أجورهم كاملة يوم القيامة، بلا نقص ولا ظلم، كما في قوله تعالى: (وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ?) [الحجرات: 14] .