فهرس الكتاب

الصفحة 1577 من 2431

«أي: إن هذا الصنيع الذي صنعتموه أنتم وموسى وهارون بالتواطؤ والاتفاق ليس إلا مكرًا مكرتموه في المدينة؛ بما أظهرتم من المعارضة والرغبة في الغلب عليه، مع إسرار اتباعه بعد ادعاء ظهور حجته، زاد في سورة طه {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} [طه: 71] .

فأجمعتم كيدكم لنا في هذه المدينة؛ لأجل أن تخرجوا منها أهلها المصريين بسحركم -وهو ما كان اتهم به موسى وحده- ويكون لكم فيها مع بني إسرائيل ما هو لنا الآن من الملك والكبرياء» 114.

كما أن الطاغية يحرص غاية الحرص على إظهار المخالفين له بمظهر الحريصين على النفوذ والسلطة.

قال سبحانه: {قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [يونس: 77 - 78] .

وهذه الوسيلة التي استخدمها فرعون للتشكيك في دعوة موسى عليه السلام استخدمتها قريش لصرف الناس عن دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

قال سبحانه: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 6] .

أي: «إن هذا القول الذي يقول محمد، ويدعونا إليه، من قول لا إله إلا الله، شيء يريده منا محمد يطلب به الاستعلاء علينا، وأن نكون له فيه أتباعًا، ولسنا مجيبيه إلى ذلك» 115.

سادسًا: الترغيب:

قد يستعمل الطاغية أسلوب الإغواء ويمارسه على ضعاف النفوس؛ وذلك أن الطاغية يملك المال والمنصب والجاه، فيغريهم بالمال الوفير، وقد بيّن لنا القرآن الكريم كيف استخدم الطغاة هذه الوسيلة.

قال سبحانه: {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الأعراف: 113 - 114] .

فأكّد لهم فرعون أنهم مأجورون على حرفتهم، ووعدهم مع الأجر القربى منه؛ زيادة في الإغراء، وتشجيعًا على بذل غاية الجهد 116.

وربما سعى الطغاة جاهدين لشغل الناس بأمور تافهة، وقضايا جانبية، وقد أشار القرآن الكريم إلى استخدام الطغاة لهذا الأسلوب في قوله سبحانه: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 36 - 37] .

كما أن الطاغية يدرك تمامًا أن الضغط على الناس يولّد الانفجار، فيسعى جاهدًا إلى طريقة لينفّس بها عن الناس، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الوسيلة في قوله سبحانه: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} [طه: 59] .

«يعني: يوم عيد كان لهم، أو سوق كانوا يتزينون فيه» 117.

فرغم جبروت فرعون وطغيانه إلا أنه جعل للناس يوم عيد يتفرغون فيه من أشاغلهم، ويلبسون أجمل ثيابهم، وفيه يلهون ويمرحون «والجماهير دائمًا تتجمع لمثل هذه الأمور، دون أن تفطن إلى أن حكامها الطغاة يلهون بها ويعبثون، ويشغلونها بهذه المباريات والاحتفالات والتجمعات، ليلهوها عما تعاني من ظلم وكبت وبؤس» 118.

وقد يلجأ الطاغية إلى التواضع للناس، فهذا فرعون الطاغية يستشير الناس في أمر فرعون، فيقول: {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الشعراء: 35] .

«فيبدو تضعضعه وتهاويه وتواضعه للقوم الذين يجعل نفسه لهم إلهًا، فيطلب أمرهم ومشورتهم {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} ومتى كان فرعون يطلب أمر أتباعه وهم له يسجدون! وتلك شنشنة الطغاة حينما يحسون أن الأرض تتزلزل تحت أقدامهم، عندئذٍ يلينون في القول بعد التجبر.

ويلجأون إلى الشعوب وقد كانوا يدوسونها بالأقدام، ويتظاهرون بالشورى في الأمر وهم كانوا يستبدون بالهوى، ذلك إلى أن يتجاوزوا منطقة الخطر، ثم إذا هم جبابرة مستبدون ظالمون!» 119.

سابعًا: الترهيب:

من أبرز وسائل الطغاة وتضليلهم على الناس: إرهاب كل من تسوّل له نفسه المساس بمناصبهم، فيحاول الطاغية أن يظهر بمظهر القوة، ويعرض بضعف خصومه، يقول سبحانه: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 15] .

قال سيد رحمه الله: «وهو الشعور الكاذب الذي يحسّه الطغاة، الشعور بأنه لم تعد هناك قوة تقف إلى قوتهم، وينسون {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} 120.

وقال تبارك وتعالى مخبرًا عن فرعون: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127] .

أي: «لا خروج لهم عن حكمنا، ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون والعتو والقسوة» 121.

وقد يمارس الطاغية أساليب قهرية أخرى، يقول تبارك وتعالى مخبرًا عن فرعون: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29] .

«فالطغيان لا يخشى شيئًا كما يخشى يقظة الشعوب، وصحوة القلوب، ولا يكره أحدًا كما يكره الداعين إلى الوعي واليقظة، ولا ينقم على أحد كما ينقم على من يهزّون الضمائر الغافية، ومن ثمّ ترى فرعون يهيج على موسى ويثور، عند ما يمس بقوله هذا أوتار القلوب، فينهي الحوار معه بالتهديد الغليظ بالبطش الصريح، الذي يعتمد عليه الطغاة عند ما يسقط في أيديهم، وتخذلهم البراهين {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29] .

هذه هي الحجة، وهذا هو الدليل: التهديد بأن يسلكه في عداد المسجونين، فليس السجن عليه ببعيد، وما هو بالإجراء الجديد! وهذا هو دليل العجز، وعلامة الشعور بضعف الباطل أمام الحق الدافع، وتلك سمة الطغاة وطريقهم في القديم والجديد! غير أن التهديد لم يفقد موسى رباطة جأشه، وكيف وهو رسول الله؟» 122.

ولما لم يستجب يوسف عليه السلام لنزوات امرأة العزيز أودع في سجون الطغاة عددًا من السنين، قال سبحانه: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} [يوسف: 35] .

وأول ما فكّر فيه طغاة مكة بالمكر بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو السجن، يقول سبحانه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] .

ويلجأ الطغاة إلى التعذيب إن لم ينفع السجن والتهديد، قال سبحانه: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه: 71] .

ويقول سبحانه: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ} [ص: 12] .

«أي: صاحب أوتاد أربعة يشد إليها من أراد تعذيبه 123.

وقد يلجأ الطغاة لوسيلة القتل، قال سبحانه وتعالى مخبرًا عن فرعون: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] .

وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر: 25] .

وهناك وسيلة قديمة استخدمها معظم طغاة الأرض ضد أهل الحق والدعوة، ألا وهي النفي من الأرض والإقصاء، يقول سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 13] .

وقال سبحانه: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] .

والخلاصة: أن الطاغية لا يتحرج من ارتكاب أشد الجرائم وحشية، وأشنعها بربرية، وأبعدها عن كل معاني الإنسانية، وعن الخلق والشرف والضمير 124.

بيّن القرآن الكريم جزاء أهل الطغيان في الدنيا والآخرة، ونتناولها فيما يأتي:

أولًا: جزاء أهل الطغيان في الدنيا:

إن الشر مهما استعلى وطغى وبغى فلابد له من نهاية مريرة، والطغاة قد تخدعهم قوتهم وسطوتهم المادية، فينسون قوة الله وجبروته، فيهلكهم الله عز وجل، ويهيئ الله المستضعفين المعتدى عليهم أن يسحقوا هذا الباطل الأشر، كما حكى الله عن بني إسرائيل: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5] .

يقول سيد رحمه الله: «إنه حين كان بنو إسرائيل يؤدّون ضريبة الذل لفرعون وهو يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم لم تتدخل يد القدرة لإدارة المعركة، فهم لم يكونوا يؤدّون هذه الضريبة إلا ذُلًّا واستكانة وخوفًا، فأما حين استعلن الإيمان في قلوب الذين آمنوا بموسى، واستعدوا لاحتمال التعذيب وهم مرفوعو الرؤوس، يجهرون بكلمة الإيمان في وجه فرعون دون تلجلج ودون تحرج، ودون اتقاء للتعذيب، فأما عند ذلك فقد تدخّلت يد القدرة لإدارة المعركة، وإعلان النصر الذي تم قبل ذلك في الأرواح والقلوب» 125.

والله سبحانه يهيّئ الأسباب لإهلاك الطاغية، وهكذا كانت نهاية فرعون {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 13 - 14] .

وهذا هو مصير الطغاة.

ويقول الله عز وجل: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} [المؤمنون: 45 - 48] .

وبيّن تبارك وتعالى أن هذا الإهلاك كان على سبيل الانتقام، فقال: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف: 55] .

ويصف هذا الانتقام فيقول تعالى: {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} [المزمل: 16] .

أي: أخذًا شديدًا 126.

ثم يبيّن لنا كيفية هذا الأخذ والإهلاك، فيقول تبارك وتعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 136] .

ويقول: {فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا} [الإسراء: 103] .

وذكر تبارك وتعالى ما ترتّب على هذا الإهلاك من صنوف العذاب، منها: أن الله سبحانه دمّر ما كان يصنع فرعون وقومه، وما كانوا يعرشون، قال تبارك وتعالى: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137] .

قال محمد رشيد رضا رحمه الله: «والمراد بما كان يصنع فرعون وقومه أولًا، وبالذات ما له تعلّقٌ بظلم بني إسرائيل والكيد لموسى عليه السلام ... ، ومنها الصرح الذي أمر هامان ببنائه ليرقى به إلى السماء فيطّلع إلى إله موسى، والثاني: كالمكايد السحرية والصناعية التي كان يصنعها السحرة؛ لإبطال آياته، أو التشكيك فيها، كما قال تعالى: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} [طه: 69] » 127.

ثم إن الله تبارك وتعالى حرمهم من النعمة والكنوز والمقام الكريم {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الشعراء: 57 - 58] .

وورّث تلك النعمة والكنوز والمقام الكريم لأعدائهم {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 25 - 28] .

وجعلهم الله أئمة يدعون إلى النار، يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ} [القصص: 41] .

قال الإمام القرطبي رحمه الله: «أي: جعلناهم زعماء يتبعون على الكفر، فيكون عليهم وزرهم ووزر من اتّبعهم حتى يكون عقابهم أكثر» 128.

وقد جعلهم الله عز وجل محلًّا للعن في الدنيا، قال تبارك وتعال: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص: 42] .

وقال سبحانه: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود: 99] .

أي: «وألزمنا فرعون وقومه في هذه الدنيا خزيًا وغضبًا منا عليهم، فختمنا لهم فيها بالهلاك والبوار والثناء السيئ» 129.

وقال ابن كثير رحمه الله: «أي: وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين لرسله، كما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم، كذلك ويوم القيامة هم من المقبوحين» 130.

وقد انتقم الله من الأمم المكذبة بأنبيائهم، قال سبحانه: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40] .

والقرآن الكريم يزخر بالآيات البيّنات التي تتحدث عن المصير الثابت للطغاة المتجبرين بالهلاك المحتوم في الدنيا، والخزي الدائم يوم القيامة، وجزاء لما اقترفته أيديهم الآثمة من ظلم وطغيان، والله لا يحب الظالمين، ونهاية قارون التي سجّلها القرآن خير شاهد على ذلك؛ وذلك إنه عندما يبلغ الظلم والطغيان مداه، وتبلغ الفتة ذروتها، وتتهافت أمامها النفوس، تتدخّل القدرة الإلهية الجبارة لتضع حدًّا للفتنة، وتقرر النهاية المحتومة للظلم والطغيان {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} [القصص: 81] .

فهذا مصير أهل الطغيان في الدنيا، أما عقابهم في الآخرة فهو أشد وأنكى وأعظم من عقاب الدنيا.

ثانيًا: جزاء أهل الطغيان في الآخرة:

أخذ الله قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وقوم لوط وفرعون وجنوده كما كان يأخذ المكذّبين والطغاة، ولكن الجزاء الأخير سيكون عنده سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 10 - 11] .

وقال سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} [إبراهيم: 42 - 43] .

فقد يعذّب الله تبارك وتعالى الطاغية في الدنيا، وقد يمهله، أما في الآخرة فلا إمهال، فعذاب الطغاة متحقق الحصول، قال سبحانه وتعالى: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} [ص: 55 - 57] .

قال الرازي في تفسيره: «اعلم أنه تعالى لما وصف ثواب المتقين وصف بعده عقاب الطاغين؛ ليكون الوعيد مذكورًا عقيب الوعد، والترهيب عقيب الترغيب.

واعلم أنه تعالى ذكر من أحوال أهل النار أنواعًا، فالأول: مرجعهم ومآبهم، فقال: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} [ص: 55] .

وهذا في مقابلة قوله: {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 49] .

فبيّن تعالى أن حال الطاغين مضاد لحال المتقين» 131.

وقال سبحانه: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} [النبأ: 21 - 23] .

والمآب: المرجع، يقال: آب يؤوب إذا رجع 132.

قال أبو جعفر الطبري: «يعني تعالى ذكره بقوله: إن جهنم كانت ذات رصد لأهلها الذين كانوا يكذّبون في الدنيا بها وبالمعاد إلى الله في الآخرة، ولغيرهم من المصدّقين بها، ومعنى الكلام: إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترقب من يجتازها وترصدهم» 133.

فالطغاة في حقوق الله وفي حقوق العباد هم أهل النار والعياذ بالله؛ ولهذا قال: {لِلطَّاغِينَ مَآبًا} 134.

وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 - 39] .

«والطغيان هنا أشمل من معناه القريب، فهو وصف لكل من يتجاوز الحق والهدى، ومداه أوسع من الطغاة ذوي السلطان والجبروت، حيث يشمل كل متجاوز للهدى، وكل من آثر الحياة الدنيا، واختارها على الآخرة، فعمل لها وحدها، غير حاسب للآخرة حسابًا، واعتبار الآخرة هو الذي يقيم الموازين في يد الإنسان وضميره، فإذا أهمل حساب الآخرة، أو آثر عليها الدنيا اختلّت كل الموازين في يده، واختلّت كل القيم في تقديره، واختلّت كل قواعد الشعور والسلوك في حياته، وعدّ طاغيًا وباغيًا، ومتجاوزًا للمدى» 135.

موضوعات ذات صلة:

الاستكبار، الظلم، فرعون، الفساد، الفتنة، القتل

1 مقاييس اللغة 3/ 412.

2 مختار الصحاح، الرازي ص 191.

3 العين، الفراهيدي 4/ 435.

4 تهذيب اللغة، الأزهري 8/ 154.

5 تهذيب اللغة 8/ 154.

6 التعريفات ص 141.

7 الجامع لأحكام القرآن، 6/ 245.

8 إعلام الموقعين 1/ 40.

9 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 426، 427.

10 انظر: الوجوه والنظائر في القرآن العظيم، مقاتل بن سليمان، ص 214. الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 323 - 324.

11 لسان العرب، ابن منظور 14/ 77.

12 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 136.

13 الكليات، ص 584.

14 العين، الفراهيدي 2/ 213.

15 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 553.

16 لسان العرب، ابن منظور 15/ 28.

17 مفاتح الغيب، الرازي 4/ 454.

18 الفروق اللغوية ص 230.

19 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 354.

20 في ظلال القرآن 4/ 1931.

21 تفسير المراغي 16/ 136.

22 تفسير القرآن العظيم، 5/ 308.

23 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 17/ 154.

24 جامع البيان، الطبري 20/ 126.

25 التحرير والتنوير، ابن عاشور 23/ 177.

26 إرشاد العقل السليم، أبو السعود 9/ 90.

27 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19/ 177.

28 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 515.

29 في ظلال القرآن 4/ 2111.

30 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 262.

31 في ظلال القرآن 4/ 2320.

32 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (وكذلك أخذ ربك) ، 6/ 74، رقم 4686.

33 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 162.

34 في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3904.

35 انظر: جامع البيان، الطبري 22/ 553.

36 في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 2735 - 2736.

37 جامع البيان 23/ 208.

38 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3666.

39 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 5/ 251.

40 المصدر السابق 5/ 163.

41 التفسير المنير، الزحيلي 5/ 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت