وغيرها من الآيات، وهذه الإرادة لا يحصل اتباعها إلا لمن سبقت له بذلك الإرادة الكونية، فتجتمع الإرادة الكونية والشرعية في حق المؤمن الطائع، وتنفرد الكونية في حق الفاجر العاصي، فالله سبحانه دعا عباده عامة إلى مرضاته، وهدى لإجابته من شاء منهم، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] .
فعمم سبحانه الدعوة وخص الهداية بمن شاء: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} [النجم: 30] 50.
فجملة: {إِنْ تَكْفُرُوا} مبينة لإنكار انصرافهم عن التوحيد، أي: إن كفرتم بعد هذا الزمن فاعلموا أن الله غني عنكم، ومعناه: غني عن إقراركم له بالوحدانية، أي: غير مفتقر له، وهذا كناية عن كون طلب التوحيد منهم لنفعهم ودفع الضر عنهم لا لنفع الله، وتذكيرهم بهذا؛ ليقبلوا على النظر من أدلة التوحيد، والخبر مستعمل كناية في تنبيه المخاطب على الخطإ من فعله.
وقوله: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] ، اعتراض بين الشرطين؛ لقصد الاحتراس من أن يتوهم السامعون أن الله لا يكترث بكفرهم ولا يعبأ به، فيتوهمون أنه والشكر سواء عنده؛ ليتأكد بذلك معنى استعمال الخبر في تنبيه المخاطب على الخطإ، وبهذا تعين أن يكون المراد من قوله: {لِعِبَادِهِ} ، العباد الذين وجّه الخطاب إليهم في قوله تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ} [الزمر: 7] ، وذلك جري على أصل استعمال اللغة لفظ العباد، كقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان: 17] 51.
ذكر القرآن الكريم أن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين.
قال تعالى: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 94 - 96] .
في الآية السابقة على هذه الآيات، رفع الله الحرج عن الضعفاء والمرضى، وعن الذين لا يجدون ما ينفقون، إذا هم لم يكونوا في موكب المجاهدين الذين يلقون العدوّ في ميدان القتال؛ إذ كانوا ومعهم أعذارهم التي تحول بينهم وبين القيام بهذا الأمر الذي ندب الله سبحانه وتعالى المؤمنين له، {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 91] 52.
ثم أخبر الله تعالى عن المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد بقوله سبحانه: إنهم سيحلفون معتذرين؛ لتعرضوا عنهم، ولا تؤنبوهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس أي: خبثاء نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ومأواهم في آخرتهم جهنم جزاء، أي: لأجل الجزاء بما كانوا يكسبون من الآثام والخطايا، ثم أخبر عنهم بأنهم: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96] .
أي: الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة: فويسقة؛ لخروجها من جحرها، ويقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها، وهذا شر مقال قاله الله في أحد من خلقه، حيث أمر عز وجل بالإعراض عنهم وعدم معاتبتهم؛ احتقارًا لهم، ثم أمر باجتنابهم، والابتعاد عنهم؛ لأنهم رجس، والرجس والنجس بمعنى واحد، ثم توعدهم أشد الوعيد في قوله تعالى: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 94] .
ثم بيّن أن محاولتهم التخلص من التوبيخ والتأنيب، وإرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالأيمان الكاذبة لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن الله سيفضح أمرهم ويهتك سترهم في هذه السورة التي سميت سورة الفاضحة 53.
وقوله سبحانه: {فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96] .
أي: فلا ينبغي لكم -أيها المؤمنون- أن ترضوا عن من لم يرض الله عنه، بل عليكم أن توافقوا ربكم في رضاه وغضبه، وتأمل كيف قال: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96] .
ولم يقل: «فإن الله لا يرضى عنهم» ؛ ليدل ذلك على أن باب التوبة مفتوح، وأنهم مهما تابوا هم أو غيرهم، فإن الله يتوب عليهم، ويرضى عنهم، وأما ما داموا فاسقين، فإن الله لا يرضى عليهم؛ لوجود المانع من رضاه، وهو خروجهم عن ما رضيه الله لهم من الإيمان والطاعة، إلى ما يغضبه من الشرك، والنفاق، والمعاصي 54.
وحاصل ما ذكره الله: أن المنافقين المتخلفين عن الجهاد من غير عذر، إذا اعتذروا للمؤمنين، وزعموا أن لهم أعذارًا في تخلفهم، فإن المنافقين يريدون بذلك أن تعرضوا عنهم، وترضوا وتقبلوا عذرهم، فأما قبول العذر منهم والرضا عنهم، فلا حبًّا ولا كرامة لهم، وأما الإعراض عنهم، فيعرض المؤمنون عنهم، إعراضهم عن الأمور الردية والرجس، وقوله: {رِجْسٌ} تعليل؛ لترك معاتبتهم، يعنى: أنّ المعاتبة لا تنفع فيهم ولا تصلحهم، إنما يعاتب الأديب ذو البشرة، والمؤمن يوبَّخُ على زلة تفرط منه؛ ليطهره التوبيخ بالحمل على التوبة والاستغفار، وأما هؤلاء فأرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم، {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} ، يعنى: وكفتهم النار عتابًا وتوبيخًا، فلا تتكلفوا عتابهم، وحكم هذه الآية يستمر في كل مغموص عليه ببدعة ونحوها، فإن المؤمن ينبغي أن يبغضه ولا يرضى عنه لسبب من أسباب الدنيا، ووضع الفاسقين موضع ضميرهم؛ للتسجيل عليهم بالخروج عن الطاعة المستوجب لما حلّ بهم من السخط، وللإيذان بشمول الحكم لكل من كان مثلهم في ذلك.
والمراد به نهي المخاطبين عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ وجهٍ وآكده، فإن الرضا عمن لا يرضى عنه الله تعالى ممّا لا يكاد يصدر عن المؤمن، وقيل: إنما قيل ذلك؛ لئلا يتوهم متوهمٌ أن رضا المؤمنين من دواعي رضا الله تعالى، قال أهل المعاني: هؤلاء طلبوا إعراض الصفح، فأعطوا إعراض المقت، وطلب الإعراض عنهم فيه تحذير للناس من أخلاق المنافقين الخبيثة والرذيلة، فكما يجب الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية، فوجوب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية أولى؛ خوفًا من سريانها إلى الإنسان، وحذرًا من أن يميل طبع الإنسان إلى تلك الأعمال 55.
يخبر الله تعالى عن صفة من صفات المنافقين، وهي تبييت ما لا يرضى من القول.
قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} [النساء: 107 - 108] .
نهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن المجادلة، عمن أذنب وتوجه عليه عقوبة من حد أو تعزير، فإنه لا يجادل عنه بدفع ما صدر منه من الخيانة، أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية، ثم أخبر سبحانه أنه: {لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء: 107] ، أي: كثير الخيانة والإثم، وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البغض، فإذا كان العدوان من وليّ الأمر على الظالم الآثم أمرًا تنكره الشريعة، فتفرض حماية على الظالم المعتدي، حتى لا يجاوز بعقابه الحدّ المرصود لجريمته، فإن الميل مع الظالم الآثم، والتماس المعاذير لجريمته، ابتغاء التخفيف عنه، لا يقلّ في نظر الشريعة عن فعل الظالم نفسه؛ لأن في هذا عدوانًا على حق الله، وتعطيلًا لحدوده!
ثم أخبر جل وعلا أن من صفات هؤلاء الخونة: أنهم يستترون من الناس عند اجتراحهم الآثام إما حياء وإما خوفًا من ضررهم، ولا يستترون من الله ولا يستحيون منه بتركها؛ لضعف إيمانهم؛ إذ الإيمان يمنع من الإصرار وتكرار الذنب، ولا تقع الخيانة من صاحبه إلا عن غفلة أو جهالة عارضة لا تدوم، فمن يعلم أن الله يراه لابد أن يترك الذنب والخيانة؛ حياء منه تعالى وخوفًا من عقابه، وهو تعالى شاهدهم حين يدبرون ليلًا ما لا يرضى من القول؛ تبرئة لأنفسهم ورمي غيرهم بجريمتهم، ثم توعدهم على عظيم جرمهم فقال سبحانه: {وَهُوَ مَعَهُمْ} ، جل وعلا عالم بهم وبأحوالهم، يسمع ما يدبرونه في الخفاء ويضمرونه في السر من رمي البريء وشهادة الزور والحلف الكاذب 56.
ثم حذر المؤمنين من مساعدة هؤلاء الخونة فقال: ها أنتم يا هؤلاء جادلتم عنهم وحاولتم تبرئتهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلًا، يوم يكون الخصم والحاكم هو الله المحيط علمه بأعمالهم وأحوالهم وأحوال الخلق كافة؟! أي: لا يمكن أن يجادل هنالك أحد عنهم، ولا أن يكون وكيلًا بالخصومة لهم، فعلى المؤمنين أن يراقبوا الله تعالى في مثل ذلك، ولا يحسبوا أن من أمكنه أن ينال الفرج بالحكم له من قضاة الدنيا بغير حق، يمكنه كذلك أن يظفر في الآخرة، يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذ لله 57.
والسبب الذي نزلت فيه هذه الآية هو: أن رجلًا من الأنصار اسمه: طعمة بن أبيرق وكان منافقًا، سرق درعًا لعمه كانت عنده وديعة، فلما أن خاف أن يعرف فيه قذفها على يهودي، وأخبر بني عمه بذلك فجاء اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بالدرع، وقال: والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت علي! فلما رأوا ذلك بنو عم طعمة جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرئوا صاحبهم من الدرع، ويسألونه أن يبرئه منها، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئه من السرقة حتى نزل: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 107] .
يريد: طعمة وبني عمه، ولما نزل القرآن في طعمة لحق بقريش وارتد، ثم عاد إلى مشربة الحجاج حليف لبني عبد الدار فنقبها فسقط عليه حجر، فنحل لحمه، فلما أصبح أخرجوه، ونفوه من مكة فخرج فلقي ركبًا فعرض لهم، وقال: ابن سبيل منقطع به، فحملوه حتى إذا جن الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فخرجوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات 58.
إن الرضا من العباد مطلوب شرعًا سواء كان ذلك الرضا عن الله وقضائه وقدره، أو كان رضا بعضهم عن بعض، وينقسم رضا العباد إلى قسمين؛ قسم محمود وقسم مذموم، وسوف يتم تناول ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الرضا المحمود:
أخبر الله تعالى عن رضاه عن المؤمنين ورضاهم عنه.
قال عز وجل: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119] .
وقال تعالى: {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] .
وقال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8] .
إن الرضا عن الله سبحانه وتعالى من أعلى مقامات اليقين بالله.
قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] .
فمن أحسن الرضا عن الله جازاه الله بالرضا عنه، فقابل الرضا بالرضا، وهذا غاية الجزاء ونهاية العطاء، وهو قوله عز وجل: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] .
قيل: ذلك في الدنيا، فرضاه عنهم هو ما أظهره عليهم من أمارات رحمته وغفرانه، ورضاهم عنه: هو رضاهم بجميع ما قسم لهم من جميع الأرزاق والأقدار، وكقوله سبحانه: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 28] .
وقال الرّاغب: «رضا العبد عن الله أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد هو أن يراه مؤتمرًا بأمره ومنتهيًا عن نهيه، وأرضاه: أعطاه ما يرضى به، وترضّاه: طلب رضاه» 59.
وقال بعض الصالحين: رضى العباد عن الله: رضاهم بما يرد من أحكامه، ورضاه عنهم أن يوفقهم للرضى عنه»، وقال أبو بكر بن طاهر: «الرضى عن الله: خروج الكراهية عن القلب حتى لا يكون إلا فرح وسرور» ، وقال السري السقطي: «إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تطلب منه الرضا عنك؟» ، وكتب عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إلى أبى موسى الأشعرىّ: «أمّا بعد، فإن الخير كلّه في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلاّ فاصبر، والرضا حال يصحب العبد في الدنيا والآخرة.
قال بعض العلماء: الرضا عن الله باب الله الأعظم، وجنة الدنيا ولذة العارفين، والرضوان عن الله في الجنة وهم في الدنيا راضون عنه متلذذون بمجاري أقضيته، سليمة صدورهم من الغل، مطهرة قلوبهم عن الفساد، لا يتحاسدون ولا يتباغضون، وقيل: ذلك في الآخرة، فرضاهم عنه رضاهم بما من به عليهم من النعم، ورضاهم عنه هو ما روي أن الله تعالى يقول لأهل الجنة: (هل رضيتم بما أعطيتكم؟ فيقولون: نعم ربنا وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين؟! فيقول: أنا أعطيكم أفضل من كل ما أعطيتكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا) 6061.
بين القرآن الكريم أن من صفات المؤمنين الرضا بقدر الله، وعدم الاعتراض عليه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] .
أعلم الله في هذه الآية أنه لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله، بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعًا لرأيه، واختيارهم تلوًا لاختياره، وسبب نزول هذه الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش، فظنت أن الخطبة لنفسه، فلما بين أنه إنما يريدها لزيد بن حارثة رضي الله عنه كرهت وأبت، فنزلت الآية، فأذعنت زينب رضي الله عنها حينئذ وتزوجته، فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هاهنا، ولا رأي ولا قول.
قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] .
وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] 62.
وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157] .
أخبر الله تعالى عباده أنه سوف يبتليهم بنقص من الأموال والأنفس والثمرات، ثم أخبر بما لهم عند الله تعالى عند الصبر على هذه الشدائد في طاعة الله تعالى، فقال سبحانه: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] .
يعني: الثناء الجميل والبركات والرحمة، وهي النعمة التي لا يعلم مقاديرها إلا الله تعالى، كقوله في آية أخرى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .
وقوله تعالى: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] ، إقرار بالبعث والنشور، واعتراف بأن الله تعالى سيجازي الصابرين على قدر استحقاقهم، فلا يضيع عنده أجر المحسنين. وقد تضمنت الآية مدح الصابرين على شدائد الدنيا وعلى مصائبها على الوجه التي ذكر، والوعد بالثواب والثناء الجميل والنفع العظيم لهم في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا: فما يحصل له به من الثناء الجميل في نفوس المؤمنين؛ لائتماره لأمر الله تعالى، ولأن في الفكر في ذلك تسلية عن الهمّ ونفي الجزع الذي ربما أدى إلى ضرر في النفس وإلى إتلافها في حال ما يعقبه ذلك في الدنيا من محمود العاقبة، وأما في الآخرة: فهو الثواب الجزيل الذي لا يعلم مقداره إلا الله.
قال أبو بكر الجصاص: «وقد اشتملت هذه الآية على حكمين، فرض ونفل، فأما الفرض: فهو التسليم لأمر الله والرضا بقضاء الله والصبر على أداء فرائضه، لا يثنيه عنها مصائب الدنيا ولا شدائدها، وأما النفل: فإظهار القول بـ (إنا لله وإنا إليه راجعون) ، فإن في إظهاره فوائد جزيلة؛ منها فعل ما ندب الله إليه، ووعده الثواب عليه، ومنها أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجدّه واجتهاده في دين الله تعالى، والثبات على طاعته ومجاهدة أعدائه. ويحكى عن دواد الطائي أنه قال: «الزاهد في الدنيا لا يحب البقاء فيها، وأفضل الأعمال الرضا عن الله، ولا ينبغي للمسلم أن يحزن للمصيبة؛ لأنه يعلم أن لكل مصيبة ثوابا» 63.
فقضاء الله كله خير وعدل وحكمة، يجب الرضا به كله، والمقضيّ -وهو المفعول المنفصل عنه- لا يجب الرضا به كله، فإنه إنما شرع الرضا بما يرضى الله به، والمقضي نوعان:
النوع الأول: شرعي ديني: فالرضا بالقضاء الديني الشرعي واجب، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان، فيجب على العبد أن يكون راضيًا به بلا حرج، ولا منازعة ولا معارضة، ولا اعتراض، قال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
فأقسم: أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله، وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه، وحتى يسلموا لحكمه تسليمًا، وهذه حقيقة الرضا بحكمه، فالتحكيم: في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج: في مقام الإيمان، والتسليم: في مقام الإحسان.