فهرس الكتاب

الصفحة 1294 من 2431

قال القرطبي: قوله تعالى: {إِذَا نَصَحُوا} النصح: إخلاص العمل من الغش، ومنه التوبة النصوح، قال نفطويه: نصح الشيء إذا خلص، ونصح له القول أي أخلصه له، وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة) ثلاثًا، قلنا: لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله) 44.

قال العلماء: النصيحة لرسوله: التصديق بنبوته، والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، وتوقيره، ومحبته، ومحبة آل بيته، وتعظيمه، وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها، والتفقه فيها، والذب عنها، ونشرها، والدعاء إليها، والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم 45.

وقال أبو بكر الآجري: النصح له يقتضي نصحين: نصحًا في حياته، ونصحًا بعد مماته، ففي حياته نصح أصحابه له بالنصر والمحاماة عنه، ومعاداة من عاداه، والسمع والطاعة له، وبذل النفوس والأموال دونه 46.

ومن إنصافه صلى الله عليه وسلم توقيره، وبر آله، وذريته، وأمهات المؤمنين أزواجه.

قال تعالى: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح:9] .

وقال عن أهل بيته: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33] .

وقال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6] .

قال القاضي: ومن توقيره وبره: بر آله وذريته وأمهات المؤمنين أزواجه، كما حض عليه، وسلكه السلف الصالح رضي الله عنهم 47.

ومن إنصافه صلى الله عليه وسلم: تنفيذ ما أمر به، واجتناب مخالفة أمره وتبديل سنته، قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [:63] .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} أي: عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان 48.

وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) } [النساء:115] .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وقوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} أي: من سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم فصار في شق، والشرع في شق؛ وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق، وتبين له، واتضح له 49.

والمقصود: أن حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته عظيم، فالواجب إنصافه، وإعطائه حقه، من التعظيم والإجلال، والطاعة والاتباع، والمحبة والنصرة، وقد دل القرآن على كل ذلك في آيات كثيرة.

ثالثًا: إنصاف العبد نفسه من نفسه:

ومن أنواع الإنصاف: إنصاف المرء نفسه من نفسه.

ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء:135] .

ففي هذه الآية أمر الله تعالى بالقسط، وهو العدل الذي من معانيه الإنصاف، ثم قال: {وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} وهذا من الإنصاف للنفس، والنصح لها.

قال ابن كثير في قوله تعالى: {وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} : أي: اشهد الحق، ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه، وإن كان مضرة عليك 50.

و {قَوَّامِينَ} صيغة مبالغة، أي: ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وهو الإقرار بما عليكم من الحقوق 51.

وهنا يحاول المنهج الإلهي تجنيد النفس في وجه ذاتها، وفي وجه عواطفها، تجاه ذاتها أولًا، وتجاه الوالدين والأقربين ثانيًا، وهي محاولة شاقة، أشق كثيرًا من نطقها باللسان، ومن إدراك معناها ومدلولها بالعقل، إن مزاولتها عمليًا شيء آخر غير إدراكها عقليًا، ولا يعرف هذا الذي نقوله إلا من يحاول أن يزاول هذه التجربة واقعًا، ولكن المنهج يجند النفس المؤمنة لهذه التجربة الشاقة؛ لأنها لا بد أن توجد في الأرض، ولا بد أن يقيمها ناس من البشر.

ثم هو يجند النفس كذلك في وجه مشاعرها الفطرية أو الاجتماعية حين يكون المشهود له أو عليه فقيرًا، تشفق النفس من شهادة الحق ضده، وتود أن تشهد له معاونة لضعفه، أو من يكون فقره مدعاة للشهادة ضده بحكم الرواسب النفسية الاجتماعية، كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية، وحين يكون المشهود له أو عليه غنيًا، تقتضي الأوضاع الاجتماعية مجاملته، أو قد يثير غناه، وتبطره النفس ضده، فتحاول أن تشهد ضده! وهي مشاعر فطرية، أو مقتضيات اجتماعية لها ثقلها حين يواجهها الناس في عالم الواقع، والمنهج يجند النفس تجاهها كذلك كما جندها تجاه حب الذات، وحب الوالدين والأقربين 52.

ومما يدل على هذا النوع من الإنصاف -وهو إنصاف النفس- عموم الأمر بالعدل الذي من معانيه الإنصاف، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [النحل:90] .

والعلماء يقسمون العدل إلى أربعة أنواع:

1.عدل مع الخالق.

2.عدل مع الرسول.

3.عدل مع الخلق.

4.عدل مع النفس.

والعدل في حق النفس يكون بإدخال العتق عليها، وسد أبواب الراحة بكل وجه عليها، والنهوض بخلافها على عموم الأحوال 53.

قال ابن القيم في هذا النوع من الإنصاف، وهو إنصاف العبد نفسه: ويدخل في هذا إنصافه نفسه من نفسه، فلا يدعي لها ما ليس لها، ولا يخبثها بتدنيسه لها، وتصغيره إياها، وتحقيرها بمعاصي الله، وينميها ويكبرها، ويرفعها بطاعة الله وتوحيده، وحبه وخوفه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وإيثار مرضاته ومحابه على مراضي الخلق ومحابهم، ولا يكون بها مع الخلق ... ، ويكون بالله لا بنفسه في حبه وبغضه وعطائه ومنعه وكلامه وسكوته ومدخله ومخرجه، فينجي نفسه من البين، ولا يرى لها مكانة يعمل عليها ... ، فالعبد المحض ليس له مكانة يعمل عليها، فإنه مستحق المنافع والأعمال لسيده، ونفسه ملك لسيده، فهو عامل على أن يؤدي إلى سيده ما هو مستحق له عليه، ليس له مكانة أصلًا، بل قد كوتب على حقوق منجمة، كلما أدى نجمًا حل عليه نجم آخر، ولا يزال المكاتب عبدًا ما بقي عليه شيء من نجوم الكتابة.

والمقصود: أن إنصافه من نفسه يوجب عليه معرفة ربه، وحقه عليه، ومعرفة نفسه، وما خلقت له، وأن لا يزاحم بها مالكها وفاطرها، ويدعي لها الملكة والاستحقاق، ويزاحم مراد سيده، ويدفعه بمراده هو، أو يقدمه ويؤثره عليه، أو يقسم إرادته بين مراد سيده ومراده، وهي قسمة ضيزى، مثل قسمة الذين قالوا: {هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام:136] .

فلينظر العبد لا يكون من أهل هذه القسمة بين نفسه وشركائه، وبين الله لجهله وظلمه، وإلا لبس عليه وهو لا يشعر، فإن الإنسان خلق ظلومًا جهولًا، فكيف يطلب الإنصاف ممن وصفه الظلم والجهل؟ وكيف ينصف الخلق من لم ينصف الخالق؟ ...

ثم كيف ينصف غيره من لم ينصف نفسه، وظلمها أقبح الظلم، وسعى في ضررها أعظم السعي، ومنعها أعظم لذاتها من حيث ظن أنه يعطيها إياها، فأتعبها كل التعب، وأشقاها كل الشقاء، من حيث ظن أنه يريحها ويسعدها، وجد كل الجد في حرمانها حظها من الله، وهو يظن أنه ينيلها حظوظها، ودساها كل التدسية، وهو يظن أنه يكبرها وينميها، وحقرها كل التحقير وهو يظن أنه يعظمها، فكيف يرجى الإنصاف ممن هذا إنصافه لنفسه؟ إذا كان هذا فعل العبد بنفسه فماذا تراه بالأجانب يفعل.

والمقصود: أن قول عمار رضي الله عنه: «ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار» 54 كلام جامع لأصول الخير وفروعه 55.

رابعًا: إنصاف العباد:

ومن أنواع الإنصاف: إنصاف الخلق، ومما يدل على ذلك قوله تعالى:. {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) } [المطففين:1 - 3] .

ففي هذه الآية تهديد شديد لمن لا ينصفون الناس في الكيل، ويقاس على الكيل غيره، قال الرازي: واعلم أنه سبحانه جمع في هذه الآية أنواعًا من التهديد:

فقال أولًا: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} وهذه الكلمة تذكر عند نزول البلاء.

ثم قال ثانيًا: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ} [المطففين:4] وهو استفهام بمعنى الإنكار.

ثم قال ثالثًا: {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} [المطففين:5] والشيء الذي يستعظمه الله لا شك أنه في غاية العظمة.

ثم قال رابعًا: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:6] وفيه نوعان من التهديد:

أحدهما: كونهم قائمين مع غاية الخشوع، ونهاية الذلة والانكسار.

والثاني: أنه وصف نفسه بكونه ربًا للعالمين، ثم ها هنا سؤال، وهو كأنه قال قائل: كيف يليق بك مع غاية عظمتك أي تهيئ هذا المحفل العظيم الذي هو محفل القيامة لأجل الشيء الحقير الطفيف؟ فكأنه سبحانه يجيب، فيقول: عظمة الإلهية لا تتم إلا بالعظمة في القدرة، والعظمة في الحكمة، فعظمة القدرة ظهرت بكوني ربًا للعالمين، لكن عظمة الحكمة لا تظهر إلا بأن أنتصف للمظلوم من الظالم؛ بسبب ذلك القدر الحقير الطفيف، فإن الشيء كلما كان أحقر وأصغر كان العلم الواصل إليه أعظم وأتم، فلأجل إظهار العظمة في الحكمة أحضرت خلق الأولين والآخرين في محفل القيامة، وحاسبت المطفف لأجل ذلك القدر الطفيف 56.

ولفظ المطفف يتناول: الذي ينقص الكيل والوزن، وأراد بهذا الذين يعاملون الناس، فإذا أخذوا لأنفسهم استوفوا، وإذا دفعوا إلى من يعاملهم نقصوا، ويتجلى ذلك في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب، وفي القضاء والأداء والاقتضاء، فمن لم يرض لأخيه المسلم ما لا يرضاه لنفسه فليس بمنصف، وأما الصديقون فإنهم كما ينظرون للمسلمين، فإنهم ينظرون لكل من لهم معهم معاملة، والصدق عزيز، وكذلك أحوالهم في الصحبة والمعاشرة؛ فالذى يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة -جملة المطففين- ... ، ومن اقتضى حق نفسه دون أن يقضي حقوق غيره مثلما يقتضيها لنفسه فهو من جملة المطففين، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يقتضي من أحد لنفسه حقًا 57.

وهذه من حكمة وضع الميزان في الأرض، أن يقوم الناس بالقسط، وينصف بعضهم بعضًا.

قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) } [الرحمن:7 - 9] .

قال الرازي: وذكر في منافع الميزان أن يقوم الناس بالقسط، والقسط والإقساط هو الإنصاف، وهو أن تعطي قسط غيرك كما تأخذ قسط نفسك 58.

وسمي العدل ميزانًا لأن الميزان آلة الإنصاف، والتسوية بين الخلق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله تعالى بالوفاء، ونهى عن البخس 59.

وفي قوله: {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} قال مجاهد: أراد بالميزان العدل والإنصاف، والمعنى: أنه أمر بالعدل، يدل عليه قوله تعالى: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ} أي: لا تجاوزوا العدل، وقال الحسن وقتادة والضحاك: أراد به الذي يوزن به ليوصل به إلى الإنصاف والانتصاف، وأصل الوزن التقدير، وقوله: {أَلَّا تَطْغَوْا} يعني: لئلا تميلوا وتظلموا وتجاوزوا الحق في الميزان، {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} بالعدل، وقال أبو الدرداء وعطاء: معناه أقيموا لسان الميزان بالعدل، قال سفيان بن عيينة: الإقامة باليد، والقسط بالقلب {وَلَا تُخْسِرُوا} ولا تنقصوا الميزان، ولا تطففوا في الكيل والوزن 60.

والمقصود: أن من أنواع الإنصاف إنصاف الخلق بعضهم بعضًا، إذا تعاطوا الحقوق بينهم، فلا يبخس بعضهم بعضًا، ولا يأخذ ما ليس له، ولا يحيف ولا يجور، بل ينبغي أن تؤدى الحقوق كاملة كما أمر الله تعالى.

خامسًا: إنصاف المخالفين:

ومن أنواع الإنصاف التي حث عليها القرآن إنصاف المخالفين، وانظر كيف أنصف القرآن أهل الكتاب مع مخالفتهم الشديدة لدين الله.

قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) } [آل عمران:75] .

فهذا من إنصاف وعدل القرآن، ودقته في الحكم بالفساد على الأمم؛ إذ يحكم على الأكثر بالفساد، ثم يستثني الصالحين منهم بعد إطلاق الحكم العام، فمن إنصافه هنا أنه أخبر عن أهل الكتاب أن منهم من يؤدي الأمانة وإن كثرت، ومنهم من لا يؤديها وإن قَلَتْ.

فالآية فيها دلالة على إنصاف الرب تبارك وتعالى، وأن الله جل وعلا حكم عدل، فاليهود قوم بهت نعتوا ربهم بأقبح المعايب تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

ومع ذلك يقرر الله في هذه الآية أن اليهود على ما فيهم من معايب منهم من لو أمنته فوضعت عنده قنطارًا -والقنطار: الآلاف من الدنانير- ثم طلبتها منه لردها إليك، رغم أنه يهودي، وإخبار الله بهذا دلالة على إنصاف الرب جل وعلا، وأن الله لا يظلم الناس مثقال ذرة.

فقول الله: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} أي: إن وضعت عنده قنطارًا أمانة رده إليك تامًا، كما هو رغم أنه كتابي، يهودي وإما نصراني، فكفره لم يمنعه من تأدية الأمانة.

إنها خطة الإنصاف والحق، وعدم البخس والغبن، يجري عليها القرآن الكريم في وصف حال أهل الكتاب الذين كانوا يواجهون الجماعة المسلمة حينذاك، والتي لعلها حال أهل الكتاب في جميع الأجيال؛ ذلك أن خصومة أهل الكتاب للإسلام والمسلمين، ودسهم وكيدهم وتدبيرهم الماكر اللئيم، وإرادتهم الشر بالجماعة المسلمة، وبهذا الدين.

كل ذلك لا يجعل القرآن يبخس المحسنين منهم حقهم، حتى في معرض الجدل والمواجهة، فهو هنا يقرر أن من أهل الكتاب ناسًا أمناء، لا يأكلون الحقوق مهما كانت ضخمة مغرية {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} ولكن منهم كذلك الخونة الطامعين المماطلين، الذين لا يردون حقًا -وإن صغر- إلا بالمطالبة والإلحاح والملازمة.

ثم هم يفلسفون هذا الخلق الذميم، بالكذب على الله عن علم وقصد {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .

وهذه بالذات صفة يهود، فهم الذين يقولون هذا القول، ويجعلون للأخلاق مقاييس متعددة، فالأمانة بين اليهودي واليهودي، أما غير اليهود ويسمونهم الأميين، وكانوا يعنون بهم العرب (وهم في الحقيقة يعنون كل من سوى اليهود) فلا حرج على اليهودي في أكل أموالهم، وغشهم وخداعهم، والتدليس عليهم، واستغلالهم بلا تحرج من وسيلة خسيسة، ولا فعل ذميم!

ومن العجب أن يزعموا أن إلههم ودينهم يأمرهم بهذا، وهم يعلمون أن هذا كذب، وأن الله لا يأمر بالفحشاء، ولا يبيح لجماعة من الناس أن يأكلوا أموال جماعة من الناس سحتًا وبهتانًا، وألا يرعوا معهم عهدًا ولا ذمة، وأن ينالوا منهم بلا تحرج ولا تذمم، ولكنها يهود! يهود التي اتخذت من عداوة البشرية والحقد عليها ديدنًا ودينًا 61.

والحاصل: أن في هذا التعبير القرآني إنصافًا للنصارى فصفة الخير لهم لا ينكرها الله، بل يشيعها في قرآنه الذي يتلى إلى يوم الدين؛ وذلك ليصدق أيضًا أهل الكتاب أي أمر سيء تنزل فيه آيات من القرآن؛ لأن القرآن منصف مطلق الإنصاف، فما دام قد قال خصلة الخير فيهم فلا بد أن يكون صادقًا عندما يقول الأمور السيئة التي اتصفوا بها.

وهكذا عادة القرآن فهو لا يعمم حكمه إلا حيث يكون التعميم هو الحق الذي لا شك فيه، وإن كان في قوم من هم جديرون بالثناء ذكرهم، وكذلك كان الشأن في ذكر أهل الكتاب، وهم من أعظم الناس مخالفة لشرع الله، ففي هذه الآية يذكر بالخير طائفة من هؤلاء، فيقول الحكم العدل تعالت كلماته.

ومن نماذج إنصاف المخالف في القرآن أيضًا، قوله تعالى حكاية عن فرعون:. {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) } [الشعراء:18 - 20] .

فقول موسى عليه السلام: {فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} من أروع وأعظم نماذج الإنصاف في القرآن، حيث علق على الثانية، ولم يعلق ويرد على الأولى؛ لأن الأولى حق، فقد تربى وتغذى في بيت فرعون حقًا.

وفي هذه الآية إرشاد للعباد: أن الحق يقبل، ولو صدر من الخصم.

ومن إنصافه أنه قال: {فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} أي: قال موسى في جوابه على فرعون: أنا لا أنكر أني قد فعلت هذه الفعلة التي تذكرني بها، ولكني فعلتها وأنا في ذلك الوقت من الضالين، أي: فعلت ذلك قبل أن يشرفني الله بوحيه، ويكلفني بحمل رسالته، وفضلًا عن ذلك فأنا كنت أجهل أن هذه الوكزة ستؤدي إلى قتل ذلك الرجل من شيعتك، لأني ما قصدت قتله، وإنما قصدت تأديبه، ومنعه من الظلم لغيره 62.

ثم إنه لم ينكر تربيته في بيت فرعون، بل بين له أنه وإن أسدى النعمة إليه فقد أساء إلى شعبه عامة، فقال: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) } [الشعراء:22] .

أي: وما أحسنت إلي وربيتني إلا وقد أسأت إلى بني إسرائيل جملة، فجعلتهم عبيدًا وخدمًا، تصرفهم في أعمالك، وأعمال رعيتك الشاقة 63.

ومن نماذج إنصاف المخالف في القرآن كذلك قوله تعالى حكاية عن المشركين: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) } [الأعراف:28] .

فنلحظ هنا أن الله تعالى رد مقولتهم الثانية ونفاها، وسكت عن الأولى؛ لأنهم فعلًا وجدوا آباءهم يفعلون هذه الفاحشة، وهي كما ما ذكر أهل التفسير طوافهم بالبيت عراة 64.

قال ابن عاشور: فأعرض عن رد قولهم: {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} لأنه إن كان يراد رده من جهة التكذيب فهم غير كاذبين في قولهم؛ لأن آباءهم كانوا يأتون تلك الفواحش، وإن كان يراد رده من جهة عدم صلاحيته للحجة فإن ذلك ظاهر؛ لأن الإنكار والنهي ظاهر انتقالهما إلى آبائهم؛ إذ ما جاز على المثل يجوز على المماثل 65.

وقد يكون السكوت هنا أتى من باب الذم لهذا الاحتجاج بالآباء وتحقيره، قال الرازي: أما الحجة الأولى: فما ذكر الله عنها جوابًا؛ لأنها إشارة إلى محض التقليد، وقد تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة؛ لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة، فلو كان التقليد طريقًا حقًا للزم الحكم بكون كل واحد من المتناقضين حقًا، ومعلوم أنه باطل؛ ولما كان فساد هذا الطريق ظاهرًا جليًا لكل أحد لم يذكر الله تعالى الجواب عنه 66.

والمقصود: أن من الإنصاف أن ينصف المرء من يخالفه، ولا تكون المحالفة مدعاة لظلمه، أو هضم حقوقه، أو التعدي عليه، وستأتي في المطالب التالية أمثلة قرآنية كثيرة على إنصاف المخالفين.

1.من مجالات الإنصاف البارزة في القرآن مجال الحوار، والدعوة، والحكم على الناس، وقد أولى القرآن هذا الجانب أهمية كبيرة، فحث القرآن على الإنصاف في الحوار، والعدل في الحكم على الناس، والحكم على الأفكار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت