وقال الكفوي: الاستدراج: هو أن يعطي الله العبد كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله، وجهله وعناده، فيزداد كل يوم بعدًا من الله تعالى 43.
وسنة الاستدراج من المكر الذي يحل بالظالمين، يستدرجهم الله بالنعم التي ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب والنقمة، يستدرج بها الله تعالى المسرفين والظالمين، فتلهيهم النعمة وتبطرهم، فينخر بنيانهم من الداخل فينهار، وذلك هو المحق والسقوط في حياة هذه الأمم، وهذا السقوط يتم عادة بغتة، وبصورة مفاجئة.
فبعض من أغدق الله جل جلاله عليهم بالصحة في الأبدان، والسعة في الرزق، والأمن في الأوطان، مع ما يرتكبون من المعاصي والآثام، والتكبر والظلم، والتجرؤ على ما حرم الله يظنون أن تتابع هذه النعم، وتزايد هذه المنن هو دليل على حب المنان، ورضا الرحمن! فأصابهم بسبب ذلك العجب، وتسلط عليهم الغرور، والحقيقة أن هذا ما هو إلا مكر من الله بهم واستدراج! انخدع به من كان قبلهم! فأخذهم رب العزة -جل وعلا- أخذ عزيز مقتدر، فتركهم لمن خلفهم عبرة، ولغيرهم آية!
قال سبحانه: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى? إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام 44] .
قال ابن كثير رحمه الله: « (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) أي: أعرضوا عنه وتناسوه، وجعلوه وراء ظهورهم (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) أي: فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى، وإملاء لهم عياذًا بالله من مكره؛ ولهذا قال: (حَتَّى? إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا) من الأموال والأولاد والأرزاق (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً) أي: على غفلة (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) أي: آيسون من كل خير» 44.
وقال تعالى: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَ?ذَا الْحَدِيثِ ? سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ?44?وَأُمْلِي لَهُمْ ? إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ?45?) [القلم 44 - 45] .
ويستفاد من الآيات السابقة وآيات أخرى، وبعض الأحاديث الشريفة الواردة في شأن الاستدراج، أو العذاب الاستدراجي أن الله لا يتعجل بالعذاب على الطغاة والعاصين المتجرئين، وفقًا لسنته في عباده، بل يفتح عليهم أبواب النعم، فكلما ازدادوا طغيانًا زادهم نعمًا، وهذا الأمر لا يخلو من إحدى حالتين:
فإما أن تكون هذه النعم مدعاة للتنبيه والإيقاظ، فتكون الهداية الإلهية في هذه الحال عملية، أو أن هذه النعم تزيدهم غرورًا وجهلًا؛ فعندئذٍ يكون عقاب الله لهم في آخر مرحلة أوجع؛ لأنهم حين يغرقون في نعم الله وملذاتهم ويبطرون، فإن الله سبحانه يسلب عندئذٍ هذه النعم منهم، ويطوي سجل حياتهم، فيكون هذا العقاب صارمًا وشديدًا.
والآية الثانية وهي قوله تعالى: (أُمْلِي لَهُمْ ? إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [القلم 45] .
تؤكد الموضوع ذاته، وتشير بأن الله لا يتعجل بالعذاب عليهم، بل يمهلهم لعلهم يحذرون ويتعظون، فإذا لم ينتبهوا من نومتهم ابتلوا بعذاب الله، فتقول الآية: (أُمْلِي لَهُمْ ?) [القلم 45] .
لأن الاستعجال يتذرع به من يخاف الفوت، والله قوي ولا يفلت من قبضته أحد (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [القلم 45] .
و (المتين) معناه: القوي المحكم الشديد، وأصله مأخوذ من المتن، وهو العضلة المحكمة التي تقع في جانب الكتف (في الظهر) 45.
وهذه السنة هي نفسها سنة الإملاء في القرآن، وإنما يسميها القرآن بالاستدراج؛ لأن الله تعالى يستدرج بها المسرفين الى السقوط، ويسميها القرآن بـ «الاملاء» لأن الله يملي فيها للمسرفين، والإملاء هو الإمداد، كما قال الله: (فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ? فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) [الرعد 32] .
وكما يقول الراغب في المفردات في قوله: (وَأُمْلِي لَهُمْ ? إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [الأعراف 183] .
قال بعضهم: أراد بالكيد العذاب، والصحيح أنه هو الإملاء والإمهال المؤدي إلى العقاب، كقوله: (ں إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ?) [آل عمران 178] .
وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) [يوسف 52] .
فخص الخائنين تنبيهًا أنه قد يهدي كيد من لم يقصد بكيده خيانة، ككيد يوسف بأخيه، وقوله: (لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ) [الأنبياء 57] .
أي: لأريدن بها سوءًا، وقال: (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ) [الصافات 98] .
وقوله: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) [المرسلات 39] .
وقال: (كَيْدُ سَاحِرٍ ?) [طه 69] 46.
والمقصود أن معنى مكر الله سبحانه وخدعته هو جزاؤه الإنسان الماكر والخادع على مكره وخديعته، فالله عز وجل لا يسخر، ولا يستهزئ، ولا يمكر، ولا يخادع؛ ولكنه عز وجل يجازيهم جزاء السخرية، وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر والخديعة، فمكر الله سبحانه وتعالى نوع من العقوبة والانتقام والقهر، يجري على العباد لمواجهة أعمالهم السيئة.
ومكر الله يجري على المسيء بأسلوب خفي دون أن يعرف به، أو يطلع عليه في مقام الانتقام؛ لما قام به من أعمال سيئة، ومظالم مشينة، ومكر الله في خفائه يتمثل بالإملاء حينما يمهل الله سبحانه وتعالى الكفار والفاسقين؛ ليزدادوا في ظلمهم وطغيانهم، ويملي لهم لتزداد عقوبتهم (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ? إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ? وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران 178] .
ومن أسباب المكر الحسن المكر في الحرب؛ فليس في الحرب لين ولا هوادة، إما نصر وغلبة، وإما ذل وهزيمة، وقد أباح الله تعالى المكر والخديعة في الحرب لنصر دينه، وإعلاء كلمته، وللإيقاع بالكفار أعداء الله ودينه، ونصر المستضعفين الذين فتنهم الجبابرة، ومنعوا الدين الحق من الوصول إليهم؛ لذلك كان التهديد بغضب الله والوعيد بعذاب النار لمن فر يوم الزحف؛ لأن ذلك يؤدي إلى كشف ظهور المسلمين وهزيمتهم، والحرب ليست بالأمر الهين، بل تحتاج إلى إعمال عقل، وتدبير محكم، وتخطيط جيد، وصبر على مشاقها، يقول صاحب العقد الفريد: «الحرب رحى ثقالها الصبر، وقطبها المكر، ومدارها الاجتهاد، وثقافتها الأناة، وزمامها الحذر، ولكل شيء من هذه ثمرة، فثمرة الصبر التأييد، وثمرة المكر الظفر، وثمرة الاجتهاد التوفيق، وثمرة الأناة اليمن، وثمرة الحذر السلامة، ولكل مقام مقال، ولكل زمان رجال، والحرب بين الناس سجال، والرأي فيها أبلغ من القتال 47.
لذلك كانت الحيلة والمكر مباحة في الحرب لحقن دماء المسلمين، وقد جاء الإذن بالتحرف للقتال، واستعمال الحيلة في الحرب في قوله تعالى: (. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى? فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [الأنفال 16] .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة) 48.
ومن دواعي المكر الإلهي الانتقام ممن حاد الله ورسوله.
قال تعالى: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} [النمل 51] .
ومكرهم ما روي أن هؤلاء التسعة الذين عقروا الناقة لما كان في صدر الثلاثة الأيام بعد عقر الناقة، وقد أخبرهم صالح بمجيء العذاب اتفقوا وتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ليلًا، ويقتلوه وأهله المختصين به، قالوا: فإذا كان كاذبًا في وعيده أوقعنا به ما يستحق، وإن كان صادقًا كنا عجلناه قبلنا، وشفينا نفوسنا 49.
فهذا هو مكرهم الذي أشار الله إليه في قوله: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل 49] .
وقال تعالى في آية أخرى: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم 46] .
والمعنى: أن الله محيط بهم وبمكرهم، وإن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى ليؤدي إلى زوال الجبال، أثقل شيء وأصلب شيء، وأبعد شيء عن تصور التحرك والزوال، فإن مكرهم هذا ليس مجهولًا، وليس خافيًا، وليس بعيدًا عن متناول القدرة، بل إنه لحاضر (عند الله) يفعل به كيفما يشاء {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} [إبراهيم 47] .
فما لهذا المكر من أثر، وما يعوق تحقيق وعد الله لرسله بالنصر، وأخذ الماكرين أخذ عزيز مقتدر {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} لا يدع الظالم يفلت، ولا يدع الماكر ينجو، وكلمة الانتقام هنا تلقي الظل المناسب للظلم والمكر، فالظالم الماكر يستحق الانتقام، وهو بالقياس إلى الله تعالى يعني تعذيبهم جزاء ظلمهم، وجزاء مكرهم، تحقيقًا لعدل الله في الجزاء، وسيكون ذلك لا محالة {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم 48] .
ولا ندري نحن كيف يتم هذا؟ ولا طبيعة الأرض الجديدة وطبيعة السماوات، ولا مكانها، ولكن النص يلقي ظلال القدرة القادرة التي تبدل الأرض، وتبدل السماوات في مقابل ذلك المكر الذي مهما اشتد فهو ضئيل عاجز حسير.
وفجأة نرى ذلك قد تحقق {وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} وأحسوا أنهم مكشوفون لا يسترهم ساتر، ولا يقيهم واق، ليسوا في دورهم، وليسوا في قبورهم، إنما هم في العراء أمام الواحد القهار، ولفظة (القهار) هنا تشترك في ظل التهديد بالقوة القاهرة التي لا يقف لها كيد الجبابرة، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال، ثم ها نحن أولًاء أمام مشهد من مشاهد العذاب العنيف القاسي المذل، يناسب ذلك المكر، وذلك الجبروت 50.
الاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق 51. والكبرياء: اسم للتكبر والعظمة» 52.
وقد أشار الله سبحانه وتعالى أن من دواعي مكر الماكرين الاستكبار في الأرض، حيث قال: (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ? وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) [فاطر 43] .
فقوله: (اسْتِكْبَارًا) أي: طلبًا لإيجاد الكبر لأنفسهم (فِي الْأَرْضِ) أي: التي من شأنها السفول والتواضع والخمول، فلم يكن نفورهم لأمر محمود ولا مباح، ويجوز أن يكون استكبارًا بدلًا من نفورًا، وأن يكون حالًا، أي: حال كونهم مستكبرين 53.
وقوله تعالى: (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) هذا من إضافة الموصوف إلى صفته في الأصل؛ إذ الأصل (والمكر السيِّئ) أي: الذي من شأنه أن يسوء صاحبه وغيره، وهو إرادتهم لإهانة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإطفاء نور الله عز وجل 54.
والمقصود أن سبب النفور هو الاستكبار ومكر السيئ، أي: الحامل لهم على الابتعاد من الحق هو الاستكبار والمكر السيئ، وهو الخداع الذي ترومونه برسول الله صلى الله عليه وسلم، والكيد له 55.
(وَلَا) أي: والحال أنه لا (وَلَا يَحِيقُ) أي: يحيط إحاطة لازمة خسارة (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) أي: الذي هو عريق في السوء (إِلَّا بِأَهْلِهِ) أي: وإن أذى غير أهله، لكنه لا يحيط بذلك الغير، فإن قيل: كثيرًا ما نرى الماكر يمكر ويفيده المكر، ويغلب الخصم بالمكر، والآية تدل على عدم ذلك، أجيب بأجوبة:
أحدها: أن المكر في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبي صلى الله عليه وسلم، من العزم على القتل والإخراج، ولم يحق إلا بهم، حيث قتلوا يوم بدر وغيره.
ثانيها: أنه عام، وهو الأصح.
ثالثها: أن الأعمال بعواقبها، ومن مكر بغيره ونفذ فيه المكر عاجلًا في الظاهر فهو في الحقيقة هو الفائز، والماكر هو الهالك، كمثل راحة الكافر ومشقة المسلم في الدنيا، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: (? فَهَلْ يَنْظُرُونَ) أي: ينتظرون (إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ?) أي: سنة الله تعالى فيهم من تعذيبهم 56.
ومما يدل على أن من دواعي المكر الكبر والاستكبار قوله تعالى: (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ? وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [الأنعام 123] .
أي: (وَكَذَ?لِكَ) أي: مثل ما زينا للكافرين سوء أعمالهم، فكان أكابر أهل مكة يمكرون فيتبع غيرهم مكرهم (جَعَلْنَا) أي: بما لنا من العظمة في إقامة الأسباب لما يعلي كلمة الإنسان، أو يجعله حقير الشأن (فِي كُلِّ قَرْيَةٍ) أي بلد جامع، ولما كان الكبر مختلف الأنواع باختلاف أشخاص المجرمين، طابق بأفعال التفضيل المقصودين لها في الجمع على إحدى اللغتين، وعبر بصيغة منتهى الجمع دلالة على تناهيهم في الكثرة، فقال: (أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا) أي: القاطعين لما ينبغي أن يوصل؛ ولما كان من شأن الإنسان استجلاب أسباب الرفعة لنفسه، وكان لا يصل إلى ذلك في دار ربط المسببات بحكمة الأسباب إلا بالمكر، وكان الأكابر أقدر على إنفاذ المكر، وترويج الأباطيل بما لأغلب الناس من السعي في رضاهم طمعًا فيما عندهم، وكان الإنسان كلما تمكن من ذلك أمعن فيه، وكان الكبير إنما يصل إلى ما قدر له من ذلك 57.
ومن دواعي المكر السيِّئ: الإفراط في حب الشهوات الذي يؤدي إلى المكر والطغيان، والمتأمل في حياة الكفار وأرباب الشهوات يجد أن من الأخلاق البارزة في حياتهم المكر والخداع من أجل الحفاظ على شهواتهم ومصالحهم؛ إذ لا رادع لهم عن ذلك؛ لأنهم فقدوا الإيمان، ودوره في محاسبة النفس.
ومن الشواهد القرآنية على هذا المنحى المنحرف ما قصه الله تعالى من مكر زليخا امرأة العزيز بالنسوة، عندما علمت بمكرهن بها، حيث قال تعالى: (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ? فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَ?ذَا بَشَرًا إِنْ هَ?ذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ?31?) [يوسف 31] .
فإن قيل: فما كان مكر النسوة اللاتي مكرن به وسمعته امرأة العزيز، فإن الله سبحانه لم يقصه في كتابه؟
قيل: بلى؛ قد أشار إليه بقوله: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ? قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ? إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [يوسف 30] .
وهذا الكلام متضمن لوجوه من المكر:
أحدها: قولهن: (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ) [يوسف 30] .
ولم يسمينها باسمها، بل ذكرنها بالوصف الذي ينادى عليها بقبيح فعلها بكونها ذات بعل؛ فصدور الفاحشة منها أقبح من صدورها ممن لا زوج لها.
الثاني: أن زوجها عزيز مصر ورئيسها وكبيرها، وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها.
الثالث: أن الذي تراوده مملوك لا حر، وذلك أبلغ في القبح.
الرابع: أنه فتاها الذي هو في بيتها، وتحت كنفها؛ فحكمه حكم أهل البيت، بخلاف طلب ذلك من الأجنبي البعيد.
الخامس: أنها هي المراودة الطالبة.
السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ، حتى وصل حبها له إلى شغاف قلبها.
السابع: أن في ضمن هذا أنه أعف منها وأبر وأوفى؛ حيث كانت هي المراودة الطالبة، وهو الممتنع عفافًا وكرمًا وحياء، وهذا غاية الذم لها.
الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصيغة المستقبل الدالة على الاستمرار، والوقوع حالًا واستقبالًا، وأن هذا شأنها، ولم يقلن: راودت فتاها، وفرق بين قولك: فلان أضاف ضيفًا، وفلان يقري الضيف، ويطعم الطعام، ويحمل الكل؛ فإن هذا يدل على أن هذا شأنه وعادته.
التاسع: قولهن: (إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [يوسف 30] .
أي: إنا لنستقبح منها ذلك غاية الاستقباح، فنسبن الاستقباح إليهن، ومن شأنهن مساعدة بعضهن بعضًا على الهوى، ولا يكدن يرين ذلك قبيحًا، كما يساعد الرجال بعضهم بعضًا على ذلك، فحيث استقبحن منها ذلك، كان هذا التسليم بأنه من أقبح الأمور، وأنه مما لا ينبغي أن تساعد عليه، ولا يحسن معاونتها عليه.
فقد جمعن لها في هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط، والطلب المفرط، فلم تقتصد في حبها، ولا في طلبها، أما العشق فقولهن: (قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا) [يوسف 30] .
أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وأما الطلب المفرط فقولهن: (تُرَاوِدُ فَتَاهَا) [يوسف 30] .
والمراودة: الطلب مرة بعد مرة، فنسبوها إلى شدة العشق، وشدة الحرص على الفاحشة.
فلما سمعت بهذا المكر منهن: هيأت لهن مكرًا أبلغ منه، فهيأت (لَهُنَّ مُتَّكَأً) [يوسف 31] .
ثم أرسلت إليهن فجمعتهن، وخبأت يوسف عليه السلام عنهن، وقيل: إنها جملته وألبسته أحسن ما تقدر عليه، وأخرجته عليهن فجأة، فلم يرعهن إلا وأحسن خلق الله، وأجملهم قد طلع عليهن بغتة؛ فراعهن ذلك المنظر البهي، وفي أيديهن مدىً يقطعن بها ما يأكلنه، فدهشن حتى (قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) [يوسف 50] ، وهن لا يشعرن، وقد قيل: إنهن أبن أيديهن، والظاهر خلاف ذلك، وإنما تقطيعهن أيديهن: جرحها وشقها بالمدى؛ لدهشهن بما رأين، فقابلت مكرهن القولي بهذا المكر الفعلي، وكانت هذه في النساء غاية في المكر 58.
والمقصود أن سبب هذا المكر منها ومنهن هو حب الشهوات، والتنافس عليها، الذي دفع إليه الترف الذي تعيشه هؤلاء النسوة.
فالمترفون هم أشد الناس بطرًا في المعيشة، وهم أكثر الناس تجاوزًا في الإسراف في الملذات والشهوات، بحكم مناصبهم، وكثرة ما في أيديهم من أموال؛ لأن الاستمرار والمداومة على هذه الملذات، والتوسع فيها يورث البلادة والغلظة، وظلمة في القلب، بحيث لا يتسرب إليها نور الإيمان، وبالتالي الوقوع في المكر، والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف؛ لأجل البقاء على ملذاتهم وملاهيهم، وقد يتجاوز هذا البطر إلى الفقراء والمستضعفين، فيقلدون أهل الترف، إما بالتكبر على الحق، أو ببطران النعم، في ملاهيهم ومعيشتهم.
ولا شك أن الانغماس في الشهوات والملذات ينسي الآخرة وأهوالها، والموت وسكراته، ويظن المترف بأن الدنيا ما وجدت إلا للمتاع الذي هو فيها، ويظن أيضًا أنه سوف يعيش آجالًا، ويحقق آمالًا.
قال تعالى: (ڑ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [المؤمنون 33] .
وقال: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ?12?لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى? مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ?13?) [الأنبياء 12 - 13] .
قال سيد قطب: والترف لا بد أن يؤدي إلى المنكر؛ لأن الطاقة الفائضة لا بد لها من متصرف، فهناك مال فائض، وهو طاقة، وهناك حيوية جسد فائضة كذلك، وهي طاقة، وهناك فضلة زمن فائضة بلا عمل، ولا تفكير، وهي طاقة، والفتية المترفون، والفتيات المترفات، وهم يجدون الشباب، والفراغ، والجدة، لا بد أن يفسقوا، ولا بد أن يبحثوا عن مصارف أخرى لطاقة الجسد، وطاقة المال، وطاقة الوقت، وغالبًا ما تكون مصارف تافهة، تأخذ طابعها من الزمن والبيئة، ولكنها تلتقي عند حد التفاهة، والميوعة، والقذارة الحسية والمعنوية، وفي الجانب الآخر المستغلون، والمستربحون، والمحتاجون من تجار الرقيق، والمهرجين، والذيول، وحواشي المترفين، ينشرون الدعارة، والترهل، ويرخصون كل قيم الحياة الجادة، التي لا تروق للمترفين والمترفات 59.
فالغلو في حب الدنيا هو رأس كل خطيئة، والتنافس عليها أساس كل بلية، وهذا المعنى -أعني به أثر الشهوات في الصد عن دين الله- قد أدركته شياطين الإنس والجن، فعملوا ولا يزالون يعملون على إثارة الشهوات بكل أنواعها وفنونها في كل درب ووادٍ من أجل اصطياد الناس وجذبهم إلى باطلهم وشركهم ومجونهم، وصدهم عن طريق الهداية والحق!
قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ?) [سبأ 33] .
فهو ليس مكر الليل وحسب ثم يستريح في نهاره، أو مكر النهار وحسب ثم يستريح في ليله، لا، بل هو مكر الليل والنهار، مكر على مدار الساعة والوقت، وهدفه وغايته: أن نكفر بالله تعالى، ونجعل له الأنداد والشركاء من الآلهة المزيفة التي يصطنعونها بأيديهم وأهوائهم!
ومن أعظم دواعي المكر عند أعداء الله محاربة الإسلام وأهله؛ فمنذ فجر التاريخ الإسلامي والأعداء يمكرون ويخططون لقمع هذا الدين، والصد عن سبيله، وفتنة معتنقيه، وفي سبيل ذلك يجمعون أموالهم ويبذلونها بطريقة هستيرية لمحاربته والكيد لأهله، واجتثاثهم من بلدانهم، وقتلهم وسجنهم، ورغم ذلك لم يكلل سعيهم بالنجاح إلا بشكل نسبي، فكلما سددوا ضرباتهم إلى الإسلام ازداد قوة وانتشارًا في ربوع العالم، رغم أنه قد تمر بالإسلام فترات يعاني فيها من حالات ضعف أو انزواء، إلا أنه يعاود الخروج للعالم بقوة، ينشر تعاليمه، ويفرض احترامه حتى على غير المؤمنين به.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه ما قام به أهل الكتاب من مكر وكيد لصد المسلمين عن دينهم، فقال: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران 99] .
أي: لأى سبب تصرفون من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعه عن الإيمان الذي يرتقى بعقل المؤمن بما فيه من طلب النظر في الكون، ويرتقى بروحه بتزكيتها بالأخلاق الطيبة، والأعمال الصالحة، وتكذبون بذلك كفرًا وعنادًا، وكبرًا وحسدًا، وتلقون الشبهات الباطلة في قلوب الضعفاء من المسلمين بغيًا وكيدًا للنبي صلى الله عليه وسلم، تبغون لأهل دين الله، ولمن هو على سبيل الحق عوجًا وضلالًا وزيغًا عن الاستقامة، وعلى الهدى والمحجة، وأنتم عارفون بتقدم البشارة به، عالمون بصدق نبوته، ومن كان كذلك فلا يليق به الإصرار على الباطل والضلال والإضلال.
{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران 99] .
من هذا الصد وغيره من الأعمال، فمجازيكم عليه، وغير خاف ما في هذا من تهديد ووعيد، كما يقول الرجل لعبده وقد أنكر عليه اعوجاج أخلاقه: لا يخفى علي ما أنت عليه، وما أنا بغافل عن أمرك، وإنما ختم هذه الآية بنفي الغفلة؛ لأن صدهم عن الإسلام كان بضرب من المكر والكيد، ووجوه الحيل 60.
فالمكر وسيلة شيطانية يسلكها شياطين الإنس والجن ليكون ذلك هو منطلق الصد عن سبيل الله.