فهرس الكتاب

الصفحة 1854 من 2431

التقليد

أولًا: المعنى اللغوي:

التقليد مصدر للفعل الرباعي «قلد» بتضعيف اللام المفتوحة. ويأتي في اللغة على معان كثيرة، منها:

1.الإحاطة: أي ما يحيط بالشيء. ومنه القلادة، وهي «اسم لما يشتمل على الشيء ويحيط به كاللفافة والعمامة» 1. فكأن المقلد يجعل ما اكتسبه ممن قلده، قلادة في عنقه، تحيط به، كما تحيط القلادة بالعنق.

2.الإلزام: يقال: «قلده الأمر ألزمه إياه» 2 فالمقلد ألزم المقلد فكرته وحمله إياها.

3.التناوب: قال الزمخشري: «وهم يتقالدون الماء: يتناوبونه» 3. فالعادات والأفكار التي هي محل التقليد، تتناوب بين الأجيال، وتنتقل من جيل إلى جيل.

4.المحاكاة والاتباع من غير تفكير 4. فالمقلد يحاكي من يقلده، ويفعل مثل فعله من غير تفكير ولا نظر ولا تأمل.

5.السبق: «المقلد من الخيل السابق يقلد شيئًا ليعرف أنه قد سبق» 5، فيكون المقلد قد سبق بفكرته وعمله من يقلده، فالمقلد سابقٌ، والمقلد مسبوق.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

التقليد يتناوله أهل الفقه وأهل الاجتماع والذي يهمنا في هذه الدراسة، ما تناوله أهل الاجتماع من عادات وتقاليد وسلوكات سلبية توارثها الناس فرادى وجماعات. وقد ورد لكلمة التقليد في الاصطلاح عدة تعريفات، منها:

قال الجرجاني: «التقليد عبارة عن اتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل، معتقدًا للحقيقة فيه من غير نظر وتأمل في الدليل، كأن هذا المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه، وعبارة عن قبول قول الغير بلا حجة ولا دليل» 6.

«والمقصود بالتقليد الأعمى بالنسبة للمسلم: ما سلكه بعض المسلمين -من غير إدراك ولا وعي ولا تمحيص- من اتباع الكفار، والأخذ منهم، والتشبه بهم، في شتى ألوان الحياة وأنماط السلوك والأخلاق، وأشكال الإنتاج، في الاعتقاد والتصور والفكر والفلسفة والسياسة والاقتصاد والأدب والفن والثقافة والنظم والتشريع، من غير اعتبار للعقيدة والشريعة الإسلامية والأخلاق الفاضلة، ومن غير إلزام للمنهج الإسلامي الأصيل» 7.

ومن هذه التعريفات، يمكن بيان الآتي:

1.المقلد أقل علمًا من المقلد في المسألة التي اعتمد المقلد فيها على رأي من قلده.

2.الواجب قبول قول صاحب الاختصاص، فخرج من ذلك القبول بقول من ليس من أهل الاختصاص.

3.إن التقليد هو الأخذ بقول الغير، أما الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع وأصحاب العلم والمذاهب فلا يسمى تقليدًا وإنما هو اتباع، فيكون المراد من قول الغير: رأيه واجتهاده.

4.التقليد لا يكون إلا مع عدم معرفة الدليل، وهذا إنما يتأتى من العامي المقلد الذي لا نظر له في الأدلة.

5.التقليد يجب أن يكون لمن يتصف بالعلم والعدالة، فتقليد من لا يوصف بعلم ولا عدالة، فيه تضييع للشخصية وإذابة لها في شخص من يقلده من الناحية السلبية.

فالمعنى الاصطلاحي للتقليد لا يخرج عن معنى الإحاطة والمحاكاة، وهما من المعاني اللغوية للكلمة.

1.الاتباع:

الاتباع لغة:

التاء والباء والعين: أصل واحدٌ لا يشذ عنه من الباب شيء، وهو التلو والقفو، يقال: تبعت فلانًا، إذا تلوته واتبعته، وأتبعته إذا لحقته 8.

والمعنى اللغوي يدور حول الاقتفاء والاقتداء، واللحاق بشيء أو شخص والسير خلفه.

الاتباع اصطلاحًا:

قال الشرباصي: «والمعنى الأخلاقي للاتباع هو: أن يميز الإنسان الخبيث من الطيب، وأن يتبين طريقه على بصيرة، وأن يعرف من تقدمه على طريق الحق والصدق، فيتخذه أسوة وقدوة، فيمضي اللاحق على سنن السابق، فتوجد عند الإنسان روح الاتباع، وينأى بنفسه عن ضلال الابتداع ... وخير اتباع ينبغي أن يتحلى به المرء ويلتزمه ويحرص عليه، اتباع هدي الله، والتزام صراطه المستقيم؛ لأن ذلك طريق الأمان والاطمئنان، يقول الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] » 9.

الصلة بين الاتباع والتقليد:

في الاتباع يميز الإنسان الخبيث من الطيب، ويتبين طريقه على بصيرة، بخلاف التقليد الذي يحصل من غير إدراك ولا وعي ولا تمحيص، وينبه إلى أنه ورد في نصوص القرآن الكريم الاتباع بمعنى التقليد في مجموعة من الآيات.

التشبه:

التشبه لغة:

ترد هذه الكلمة بمعنى: «المماثلة والمحاكاة والتقليد» 10. قال ابن منظور: «وأشبه الشيء الشيء: ماثله ... وتشابه الشيئان واشتبها: أشبه كل واحد منهما صاحبه» 11. يقول الله سبحانه: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} أي: «تشاكل علينا في أسنانها وألوانها» 12.

والتشبه اصطلاحًا:

هو عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبه به وعلى هيئته وحليته ونعته وصفته، أو هو عبارة عن تكلف ذلك وتقصده وتعلمه، وقد يعبر عن التشبه بالتشكل والتمثل والتزيي والتحلي والتخلق 13.

الصلة بين التشبه والتقليد:

التقليد صفة نقص لا تقع إلا من الجانب الضعيف، وفيه معاني الانقياد، والتفويض، والاستسلام، والطاعة العمياء من غير نظر وتمييز بين ما يضر وما ينفع، وأما التشبه فقريب من التقليد إلا أن فيه تكلفًا وتعلمًا وتقصدًا.

وغلب استعمال التقليد في الأقوال، وأما التشبه فقد غلب استعماله في الأفعال.

1.أسباب التقليد يمكن إجمالها في مطالب أربعة، على النحو الآتي:

أولًا: الجهل:

عندما ينتشر الجهل، ينتشر التقليد؛ فيستقبل الجاهل ما يلقى إليه من عقائد فاسدة، وتشريعات ضالة. وقد حدثنا القرآن الكريم بأمور يكون الجهل فيها سببًا للتقليد، وهي:

تحدث القرآن الكريم عن أناس جهلوا حقيقة الألوهية والربوبية، وحقيقة المنعم عليهم؛ فعبدوا غيره. فهاهم بنو إسرائيل يطلبون من موسى عليه السلام -وهم حديثو عهد بمعجزة فلق البحر، وإغراق فرعون وقومه على مرأى من أبصارهم- أن يجعل لهم إلهًا صنمًا، تقليدًا لعبدة الأصنام. فقال الله سبحانه مبينًا سبب تقليدهم الذي هو الجهل: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى? قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى? أَصْنَامٍ لَّهُمْ ? قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَ?هًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ? قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف: 138] فوصفهم الله بالجهل على أتم وجه، لأنهم جهلوا حقيقة التوحيد 14.

وشبيهٌ بذلك ما طلبه جهال الأعراب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط كما للكفار. فقد روى الإمام أحمد عن أبي واقد الليثي أنهم خرجوا عن مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين. قال: (وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة. قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى:(قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَ?هًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) إنها لسننٌ، لتركبن سنن من كان قبلكم سنة سنة) 15.

كذلك وجدنا كفار مكة يطلبون من نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم، التي هرعوا في عبادتها مستنين بآبائهم دون علم، فكان الأمر الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم أن يرد على المشركين ردًا فيه الشدة والوصف بالجهل.

فقال الله سبحانه: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) [الزمر: 64] .

فكان جهلهم بالله تعالى، وفساد جهلهم بعبادة الأصنام يضاهي جهل بني إسرائيل. وها نحن نرى اليوم عبادة المادة من دون الله تعالى من قبل بعض أبناء الأمة استجابة لطلب الغرب الذي صارت المادة في حياة غالبية أهله كل شيء.

ووجد في البشرية من صفته الجهل بحقيقة العبادة ومدلولها ومستحقها، فافتتن بالقبور والأضرحة فعبدها تقليدًا لآبائه.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع كانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت» 16.

فهي لم تعبد إلا بعد هلاك الصالحين ونسخ العلم وانتشار الجهل.

والأمم والشعوب عندما يغشاها الجهل ويندس بين صفوفها المشعوذون والمبطلون؛ فإن التقاليد الباطلة والأخلاق الفاحشة تتسلل اليهم، ويبتعدون عن ضياء الحق 17. واليوم نرى من سرى إليه تقليد السابقين في التمسح بالقبور وتقديسها من جهلة الأمة.

وبلغ من جهل الكفار أن اختلقوا لله تعالى بنين وبنات بغير علم منهم، فنسبوا إليه الولد، فكان من جهلهم أن نسبت اليهود عزيرًا إلى الله، وكان مثلهم النصارى في قولهم المسيح ابن الله، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ) [التوبة: 30] .

ويشبههم الكفار في قولهم: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فقال الله فيهم وفي أمثالهم: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ? وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ? سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى? عَمَّا يَصِفُونَ) [الأنعام: 100] .

ولقد وجد في البشرية قديمًا وحديثًا من علية القوم من يستخف بعقول الدهماء، طالبًا منهم عبادته من دون الله، وهذا من جهله بحقيقة ربه عز وجل، بل ومن جهله بحقيقة نفسه.

فقد قال الله تعالى عن فرعون وقومه (اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [الزخرف: 54] .

فالطغاة يعزلون الجماهير عن كل سبل المعرفة، ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة؛ وبهذا يسهل استخفافهم، ويلين قيادهم، فيقودونهم ذات اليمين وذات الشمال وهم مطمئنون 18.

إن الذي لا يستقيم على طريق، ولا يمسك بحبل الله، ولا يزن بميزان الله، هو الجاهل بهذا الطريق، فجهله كان سببًا في سهولة انقياده لمن استجهله. والناظر في زماننا اليوم، يرى الأمر جليًا في سلوك الكثيرين. فلقد جهلت الأمة حقائق كثيرة عن الله عز وجل، منها حقيقة أن الرزق بيد الله وحده، فصاروا طوعًا في يد المستكبرين؛ فذلوا أنفسهم بطاعة من أقرضهم من الغرب الذي في غالبيته كفر، وأذلوا شعوبهم بأن مارسوا عليهم عقيدة غير المسلمين وثقافتهم، ظنًا منهم أنه من خلالهم يكون الرزق، وأنهم لو تركوا طاعتهم ما طعموا وما شربوا!!.

إن الأقوام الكافرة جهلت رسالة النبي المبعوث بها، وأنه مكلف بالبلاغ وليس الإتيان بالعذاب، فأخذت الأقوام تطلب من أنبيائها أن تأتيها بالعذاب والمعجزات، ولم يكن هذا من أجل الاهتداء، بل عنادًا. وهذا الأمر تكرر على مر القرون، بسبب جهل الأقوام بحقيقة النبوة فوصف الله جهلهم بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ? كَذَ?لِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ? تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ? قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [البقرة: 118] .

فبنو إسرائيل اشترطوا -لجهلهم- على موسى عليه السلام أن يروا الله جهرة كي يؤمنوا، فقال سبحانه عنهم: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى? لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى? نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة: 55] .

ومثلهم كان مشركو مكة في الجهل وطلب الخوارق، فقال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى? رَبَّنَا [الفرقان: 21] .

ولما جهلت علية الأقوام ميزان الله تعالى في التفاضل بين الناس وهو التقوى؛ أنفت أنفسهم الجلوس مع ضعفاء المؤمنين كبرًا، فطلبوا من الأنبياء عليهم السلام الانفصال في المجلس عنهم. فقال الله سبحانه عن قوم نوح عليه السلام: (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ? إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ? وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ? إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَ?كِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) [هود: 29] .

وتبع قوم نوح صناديد مكة حينما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم مجلسًا سوى مجلس الضعفاء الداعين ربهم غدوًا وعشيًا. فجاء التوجيه الرباني للرسول صلى الله عليه وسلم في رفض الطلب: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: 52] .

والقرآن الكريم لا يصم المقلد بالجهل فقط، بل ويصم المتبوع كذلك. فمن حيث التشريع وجدنا القرآن الكريم ينعى على المقلد الذي يتبع آباءه الذين شرعوا له مالم يأذن به الله، هؤلاء الآباء الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون.

فقال الله سبحانه: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ? أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) [البقرة: 170] .

وهذه الآية سبقتها آيتان تتحدثان عن حق الله في التشريع الذي يجب أن يطبق لا أن ينازع.

إن الله تعالى هو الخالق المالك الرازق؛ ومن حقه وهو يعلم من خلق، ويعلم ما يصلح الخلق ويفسده أن يضع التشريع الذي يصلح خلقه ولا يفسدهم. ولما جهل الكفار حقيقة علم الله، وجهلوا حقيقة أنفسهم وقلة علمهم وجهلوا حقيقة الكون، ذهبوا ينازعون الله هذا الحق وأخذوا يشرعون مالم يأذن به الله. فالنزاع بين الرسل والدعاة من جهة، وأقوامهم من جهة أخرى، لم يكن -في الأغلب الأعم- حول قضية الربوبية، فأهل الكفر يعترفون لله بالربوبية.

قال الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) [الزخرف: 9] .

ولكنه كان حول من تكون له السلطة والحاكمية. فوجدنا حكم الطاغوت وتشريعاته، ينازع حكم الله تعالى دائمًا.

وأراد بعض الصحابة رضي الله عنه أن يحرموا على أنفسهم بعض ما أحل الله من نساء وطعام ونوم 19، تقليدًا لرهبانية النصارى، ظنًا منهم أن ذلك فيه زيادة قربى إلى الله تعالى، فكان قول الله تعالى ناهيًا إياهم عن ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [المائدة: 87] .

فسمى الله تعالى تحريم ما أحل اعتداء، فهو اعتداء من حيث جعل النفس هي المشرعة من دون الله، وتحرم ما يصلحها، وتحل ما يفسدها، وهذا لا يكون إلا من جاهل.

واليوم جهل كثير من المسلمين من له الحق في التشريع؛ فقصروا فهمهم للإسلام على عبادات تقام، ويستفتونه في لباس أو شراب أو نكاح، أما النظم العامة، فلم يعد الاستفتاء فيها للإسلام، بل للدساتير الوضعية.

والجهل من أسباب الارتماء في أحضان الحضارة الغربية، فمن فسد تصوره عن الإسلام وأحكامه، وتاريخه ومدنيته وحضارته، لا بد أن يتأثر بكل غزو فكري، وينقاد لكل فكرة لا أخلاقية لأنه فارغ العقيدة والعلم 20.

وهذا ماثل في حياة المسلمين اليوم، ففي تقليد الحياة الاجتماعية حينما سفهت المرأة أمر دينها خرجت عارية متبرجة تبرج الجاهلية الأولى، الذي ينهى الله عنه بقوله: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَ) [الأحزاب: 33] .

وفي جاهلية المجال الاقتصادي، نجد الكثير من المسلمين يتعاملون بالربا، والاستغلال تقليدًا للفكر الرأسمالي الغربي. وفي مجال الحكم، قلد من بيده مقاليد المسلمين الغرب في تطبيق التشريع العلماني، متخذين تشريع الله وراءهم ظهريًا. وهذا كله لجهلهم بحقيقة تشريع الله النافع الصالح، ولجهلهم بحقيقة التشريع الوضعي الضار.

ثانيًا: اتباع الهوى:

اتباع الهوى مذموم في كتاب الله تعالى، ويكون في أمور أهمها:

اتباع الهوى يكون في شبهات كثيرة منها: شبهة الغلو والشرك، والحكم بغير ما أنزل الله، واستبدال التشريع الرباني بالتشريع الوضعي.

أما اتباع الهوى في شبهة الغلو، فقد نهى الله تعالى أهل الكتاب عن اتباع أسلافهم في الغلو في عيسى عليه السلام.

قال الله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) [المائدة: 77] .

وجاءت الشبهة من أن الذين عبدوا مع الله غيره، كانوا يرون أن الحق في اتخاذ آلهة مع الله تعالى 21.

وقريب من غلو النصارى في عيسى عليه السلام تبعًا لأهواء من ضل قبلهم وأضل، وجدنا كذلك متبعي الأهواء من كفار مكة قلدوا آباءهم في عبادة الأصنام.

قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ?19? وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ?20? أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى ?21? تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ?22? إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى) [النجم: 19 - 23] .

وصاحب الهوى متقلب في عبادته، واختيار معبوده، فيتنقل بين معبوداته حسب هواه. يروي الطبري عن سعيد قال: «كانت قريش تعبد العزى، وهو حجر أبيض، حينًا من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر، فأنزل الله (فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَ?هَهُ هَوَاهُ) [الجاثية: 23] » 22.

واتباع الهوى سبب في الصد عن اتباع الحق، فالله عز وجل خاطب موسى عليه السلام بقوله: (إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخفيها لِتُجزى كُلُّ نَفسٍ بِما تَسعى ?15? فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنها مَن لا يُؤمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَردى) [طه: 15 - 16] .

وخاطب نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم مبينًا تشابه كفار مكة مع قوم موسى عليه السلام في ترك الحق اتباعًا لأهوائهم فقال الله سبحانه: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ? وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ) [القصص: 50] .

يقول صاحب التفسير الوسيط: «ما يتبع هؤلاء الجاهلون في عبادتهم لتلك الآلهة الباطلة، إلا الظنون الكاذبة، وإلا ما تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء، وتقليد للآباء بدون تفكر أو تدبر» 23.

ووجد في المسلمين فرق غالت في الرجال والعقائد اتباعًا لهواها -مضاهاة لليهود والنصارى- ومنها بعض الشيعة الذين غلوا في آل البيت والحسن والحسين والأئمة، حتى رفعوهم إلى درجة النبوة، بل ومنهم من رفع الأئمة فوق مرتبة النبوة.

وكما كان اتباع الهوى في شبهة العقائد، كذلك كان في شبهة التشريع.

يقول الله عز وجل: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ? وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) [الأنعام: 119] .

وشبهة الكفار في تحليل الميتة أن ما ذبح الإنسان فحلال، وما قتل الله فحرام، فهل الإنسان أحسن من الله؟! فلا بد من تحليل ما قتل الله (الميتة) بزعمهم 24.

وكان من تشريع كفار مكة تلاعبهم في الأشهر الحرم، كما أخبرنا الله تعالى عنهم: (نَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ? يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ [التوبة: 37] 25.

وكانت العرب تمتنع من الغارات في هذه الأشهر. فلما كان ترك القتال يطول هذه المدة- ثلاثة أشهر متتالية- أخذوا يحلون هذه الأشهر ويحرمون بدلًا منها غيرها. وهذا التحليل والتحريم كان تبعًا لأهوائهم. وهذا الفعل لكفار مكة، وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم، يشابه فعل اليهود من قبل في التبديل والتحريف.

فقد قال الله عنهم: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ? يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَ?ذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ?) [المائدة: 41] .

فقد غيروا حكم الزاني المحصن من الرجم إلى الجلد والتحميم، وهذا تبعًا لهوى أنفسهم التي كبر عليها رجم علية القوم إذا زنوا.

ولقد خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم محذرًا إياه من اتباع أهواء اليهود وأن يحكم لأشرافهم على خصومهم بغير حق: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ?) [المائدة: 49] .

والتحذير الرباني للنبي صلى الله عليه وسلم، تحذير لأمته. واليوم نرى تبديل حكم الله تعالى في عالمنا الإسلامي، فتشابه حكام المسلمين باليهود والغرب العلماني في تعطيل حكم الله تعالى، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ كي لا يتهموا بالرجعية. فالحدود معطلة، إذ السارق من ضعفاء القوم له السجن بدل قطع اليد. والزانيان بالرضا لا عقوبة عليهما. وشارب الخمر لا جلد عليه. والقصاص معطل، فالقاتل عمدًا يسجن، ويقتل غيره من أقربائه ثأرًا، كما هو الحال في الجاهلية الأولى. والقانون يحكم به على الضعيف دون الشريف.

بين الله تعالى في كتابه العزيز حب الناس للشهوات، فقال سبحانه: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِے) [آل عمران: 14] .

ومن الناس من يحبها حبًا جمًا، ويتبع هواه في حبها لدرجة هلاكه من حيث لا يشعر، فيعميه حبها عن اتباع الحق، وتكون له إلهًا يعبد.

يقول ابن تيمية: «فهذا الاتباع والتقليد الذي ذمه الله هو اتباع الهوى إما للعادة والنسب كاتباع الآباء، وإما للرئاسة كاتباع الأكابر والسادة والمتكبرين، فهذا مثل تقليد الرجل لأبيه أو سيده أو ذي سلطانه» 26.

ووجدنا آيات كثيرة تتحدث عن اتباع الهوى في كثير من الشهوات منها:

إن خلق الكبرياء، خلق يعمي عن اتباع الصراط المستقيم ومن اتبع هواه في هذا الخلق واستكبر، وجد نفسه معاندًا للحق، صادًا عن سبيل الله تعالى. ولقد وجد هذا الأمر في الأمم والأفراد، فقال الله سبحانه عن بني إسرائيل: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى? أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) [البقرة: 87] .

فبنوا إسرائيل استكبروا عن سماع الحق واتباع الرسل، فقتلوا فريقًا منهم وكذبوا فريقًا. وفعلهم هذا مثل فعل فرعون وقومه حينما أنكروا الحق ظلمًا وعلوًا.

إذ قال الله تعالى عنهم: (جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ?) [النمل: 14] .

فأنفسهم أيقنت الحق، ولكنهم رفضوه تكبرًا، ففرعون استكبر عن الحق تبعًا لهوى نفسه في جعلها إلهًا من دون الله، وقومه اتبعوه عبادة له من دون الله تعالى.

فصدق قول الله عز وجل فيهم: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [القصص: 39] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت