فهرس الكتاب

الصفحة 2172 من 2431

منه وأقل منه درجة وهو غلبة الظن؛ لأنها هي المستطاعة في كثير من الأمور، وحديث أبي واقد يدل دلالة واضحة على أن المخالفة وارتكاب المحظور لا يتم إلا بعد التيقن والجزم أو غلبة الظن المبني على النظر في الأدلة الشرعية واستقراء الأحوال بحصول الضرر.

وعليه فإنه قد علم في الشريعة من أن الأحكام تناط باليقين والظنون الغالبة، وأنه لا التفات فيها إلى الأوهام والظنون المرجوحة البعيدة 46.

وعودةً إلى الشخص المضطر فقد قال الله عز وجل فيه: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} [النحل:115] .

فهذا الفعل على وزن (افتعل) ، ومعلومٌ أن الاضطرار حالة خارجة عن سيطرة الإنسان التي يعلم من خلالها اليقين أو غلبة الظن بحصول الضرر، فيشترط في هذه الضرورة أن تكون قائمة وموجودة، ولا ينتظرها صاحبها في المستقبل، فيغلب على ظنه الهلاك على نفسه إن لم يأكل الميتة.

قال الدكتور وهبة الزحيلي: «أي أن يحصل في الواقع خوف الهلاك على النفس أو المال بغلبة الظن بحسب التجارب، أو التحقق من خطر التلف، لو لم يأكل، ويكفي في ذلك الظن، كما في الإكراه على أكل الحرام، فلا يشترط فيه التيقن ولا الإشراف على الموت، بل لو انتهى إلى هذه الحالة لم يفد الأكل ولم يحل الأكل كما صرح الشافعية» 47.

ثانيًا: تعذر الوسائل المباحة في إزالة الضرر:

إذا كانت الوسائل المشروعة والمباحة في إزالة الضرر متعذرة، ولم يبق إلا الوسيلة المحظورة، فإنه حينئذٍ يتعين على الشخص المضطر ارتكاب المحظور كوسيلة لدفع هذا الضرر الواقع، وفي المقابل يفهم أنه إذا أمكن إزالة هذا الضرر بوسيلة مشروعة امتنع ارتكاب الوسيلة المحظورة.

وهذا يفهم من عموم قوله عز وجل: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] .

والحاجة الشديدة الملحة التي ليس لها دافع مشروع يدفعها إنما تتأتى وتتحقق بتعذر جميع الوسائل المباحة.

وذكر الإمام الطبري في تفسير هذه الآية قوله: «واحذروا الله أيها المؤمنون وخافوا عقابه، وتجنبوا عذابه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، والعمل بما يقرب إليه ما أطقتم وبلغه وسعكم» 48.

كما ذكر أيضًا أن هذه الآية هي ناسخة لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران:102] ، تخفيفًا عن المسلمين.

ونقل عن قتادة قوله: «قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} هذه رخصة من الله، والله رحيم بعباده. وكان الله جل ثناؤه أنزل قبل ذلك {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ثم خفف الله تعالى ذكره عن عباده، فأنزل الرخصة بعد ذلك فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} فيما استطعت يا ابن آدم، عليها بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما استطعتم» 49.

ثالثًا: ارتكاب أخف الضررين:

يتمثل هذا الضابط في أن الإنسان إذا ألمت به ضرورة، فإنه يجب عليه إزالة هذا الضرر الواقع به، فلا يزال بضرر مماثل له؛ لأن الضرر حينئذٍ باقٍ على ما هو عليه، ولم يزل، وكذلك لا يزال بضرر أكبر منه؛ لأنه سوف يكون من باب جلب المفاسد، والمفسدة في هذه الحالة أكبر من المصلحة، والمطلوب هو درء المفاسد بإزالة الضرر الواقع، وليس زيادته 50.

وعليه فإنه يجب أن يراعى في إزالة الضرر إزالته بضرر أخف منه، فالمصلحة في هذه الحالة أكبر وأعظم من المفسدة، فإن الإنسان المضطر إلى أكل الميتة مثلًا أمامه ضرران هما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت