فهرس الكتاب

الصفحة 1964 من 2431

وإيثار صيغة المضارع في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ} لإفادة التجدد والاستمرار، ولم يذكر سبحانه متعلقات العدل والإحسان؛ ليعم الأمر جميع ما يعدل فيه، وجميع ما يجب إحسانه وإتقانه من أقوال وأعمال، وجميع ما ينبغي أن تحسن إليه من إنسان أو حيوان أو غيرهما 36.

2.الظهور.

ويوضحه قوله تعالى: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 48] .

قال ابن كثير: «لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة رمته العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر، وأعلى كلمته، قال ابن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه -أي أقبل- فدخلوا في الإسلام ظاهرًا، ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله أغاظهم ذلك وساءهم» 37.

فالمنافقون والمشركون يكيدون المكائد، ويدبرون المؤامرات ويحيكونها ضد النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، إلى غاية هي مجيء الحق، وهو النصر لك والتأييد، وظهر أمر الله بإعزاز دينه، وإعلاء شرعه، وقهر أعدائه، وقيل: الحق القرآن، وهم كارهون، أي: والحال أنهم كارهون لمجيء الحق، وظهور أمر الله، ولكن كان ذلك على رغم منهم، فلن تفلح مكائد البشر من منافقين ويهود ومشركين وغيرهم، ولن تقف أي قوة في الدنيا أمام إرادة الله القاهرة لإعلاء دينه، وغلبة شرعه، ونصرة نبيه صلى الله عليه وسلم 38.

3.النفاذ.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء:47]

فهنالك وعيد لليهود، ونذير راصد لهم باللعنة من عند الله، إن لم يؤمنوا بمحمد، وبما أنزل الله عليه، وقد وصفهم القرآن بأنهم أوتوا الكتاب مع أنهم ضيعوا جزءًا منه، وحرفوا جزءًا آخر تسجيلًا عليهم بالتقصير، واستحقاق العقاب، فهم يظنون أن الله مخلف وعيده لهم؛ لأنهم - كما زعموا- أبناء الله وأحباؤه، وكيف وقد وقع هذا العقاب بآبائهم وأخذهم الله به؟ أم يظنون أن الله إذا أراد أمرًا بهم، وساق شرًا إليهم أهناك من يدفع ما أراده الله بهم؟ فلينتظروا، وسوف يرون ما الله فاعل بهم 39.

وكان أمر الله بإيقاع شيء أو وعيده، أو ما حكم به وقضاه مفعولًا نافذًا وكائنًا، فيقع لا محالة ما أوعد وقضى به، فقوله: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} معناه: أنه كان وما زال جميع ما أمر الله به وقضاه نافذًا لا محالة؛ لأنه سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

فالجملة الكريمة تذييل قصد به تهديد هؤلاء الضالين المعاندين حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويدخلوا في صفوف المؤمنين 40.

فالمراد من الأمر: الأمر التكويني المعبر عنه بقوله عز من قائل: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] .

أي: إنما أمره بإيقاع شيء ما 41 لابد من وقوعه، أي: ولابد أن يحدث.

4.أمر الله له الغلبة.

ويشير إلى ذلك قوله: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} [يوسف: 21] .

قيل: الهاء في {أَمْرِهِ} كناية عن الله تعالى، يقول: إن الله غالب على أمره يفعل ما يشاء، لا يغلبه شيء ولا يرد حكمه راد، يعني: غالبٌ على ما أراد من قضائه، لا يغلب غالبٌ على أمره، ولا يبطل إرادته منازعٌ.

فهو غالب على أمر نفسه فيما يريده {أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] .

أي: إذا أراد شيئًا فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21] .

أن الأمر كذلك فيما يأتون ويذرون زعمًا منهم أن لهم من الأمر شيئًا، وأنى لهم ذلك؟! وأن الأمر كله لله عز وجل، أو لا يعلمون لطائف صنعه، وخفايا فضله 42.

ويقول تعالى في سورة الأعراف: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28] .

يبين القرآن الكريم ما يفتري به هؤلاء المشركين على الحق سبحانه وتعالى، ونسبتهم إليه الأحكام والشرائع الباطلة، فيقول: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} قال الطبري: «كانوا يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا فتضع المرأة على قبلها النسعة أو الشيء» 43.

وقيل: كان قبيلة من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة، فإذا قيل: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها.

فتأويل الكلام إذًا: وإذا فعل الذين لا يؤمنون بالله، الذين جعل الله الشياطين لهم أولياء، قبيحًا من الفعل، وهو الفاحشة 44، وذلك تعريهم للطواف بالبيت، وتجردهم له، فعذلوا على ما أتوا من قبيح فعلهم، وعوتبوا عليه، قالوا: «وجدنا على مثل ما نفعل آباءنا، فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون، ونقتدي بهديهم، ونستن بسنتهم، والله أمرنا به، فنحن نتبع أمره فيه» .

فيقول الله -جل ذكره- لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا محمد لهم: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ} خلقه {بِالْفَحْشَاءِ} بقبائح الأفعال ومساويها {أَتَقُولُونَ} أيها الناس {عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} يعني: أتروون على الله أنه أمركم بالتعري والتجرد من الثياب واللباس للطواف، وأنتم لا تعلمون أنه أمركم بذلك؟

فإنكم لم تسمعوا كلام الله تعالى ابتداء من غير واسطة، ولا أخذتموه عن الأنبياء الذين هم وسائط بين الله تعالى وبين عباده في تبليغ أوامره ونواهيه وأحكامه؛ لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء، فكيف تقولون على الله ما لا تعلمون؟

هذه الأفعال التي كان أهل الجاهلية يفعلونها هي في أنفسها قبيحة منكرة، فكيف يأمر الله تعالى بها، والله لا يأمر بالفحشاء، بل يأمر بما فيه مصالح العباد؛ لأن عادته سبحانه وتعالى جرت على الأمر بمحاسن الأفعال، والحث على مكارم الخصال 45.

يقول الإمام الرازي: «اعلم أنه ليس المراد منه أن القوم كانوا يسلمون كون تلك الأفعال فواحش، ثم كانوا يزعمون أن الله أمرهم بها، فإن ذلك لا يقوله عاقل، بل المراد أن تلك الأشياء كانت في أنفسها فواحش، والقوم كانوا يعتقدون أنها طاعات، وأن الله أمرهم بها، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم كانوا يحتجون على إقدامهم على تلك الفواحش بأمرين، أحدهما: إنا وجدنا عليها آباءنا، والثاني: إن الله أمرنا بها.

أما الحجة الأولى: فما ذكر الله عنها جوابًا؛ لأنها إشارة إلى محض التقليد، وقد تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة؛ لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة، فلو كان التقليد طريقًا حقًا للزم الحكم بكون كل واحد من المتناقضين حقًا، ومعلوم أنه باطل، ولما كان فساد هذا الطريق ظاهرًا جليًا لكل أحد لم يذكر الله تعالى الجواب عنه.

وأما الحجة الثانية: وهي قولهم: {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف: 28] .

فقد أجاب عنه بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} والمعنى: أنه ثبت على لسان الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة، فكيف يمكن القول بأن الله تعالى أمرنا بها؟» 46.

وبهذا الرد القرآني دحضت أقوالهم، وتبين أن الله تعالى منزه عن الأمر بالفحشاء والمنكر والمعاصي.

بين القرآن أصناف الخلق في التعامل مع الأمر الإلهي، سواء كانوا ملائكة، أو رسلًا، أو مؤمنين، أو كافرين، أو منافقين، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:

أولًا: تعامل الملائكة مع الأمر الإلهي:

تعامل الملائكة مع الأمر الإلهي يتضح فيما يلي:

1.الطاعة والامتثال.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6]

يقول الإمام الطبري: «يعني: على هذه النار ملائكة من ملائكة الله، غلاظ على أهل النار، شداد عليهم، لا يخالفون الله في أمره الذي يأمرهم به، وينتهون إلى ما يأمرهم به ربهم، فليست الجملتان في معنى واحد؛ إذ معنى الأولى: أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به، ولا يتثاقلون عليه، ولا يتوانون فيه» 47.

وقال الألوسي: «فإن الأولى لبيان القبول باطنًا؛ فإن العصيان أصله المنع والإباء، وعصيان الأمر صفة الباطن بالحقيقة؛ لأن الإتيان بالمأمور إنما يعد طاعة إذا كان بقصد الامتثال، فإذا نفي العصيان عنهم دل على قبولهم، وعدم إبائهم باطنًا، والثانية لأداء المأمور به من غير تثاقل وتوانٍ على ما يشعر به الاستمرار المستفاد من {وَيَفْعَلُونَ} فلا تكرار، وفي الحصول لا يعصون فيما مضى، على أن المضارع لحكاية الحال الماضية {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} في الآتي، وجوز أن يكون ذلك من باب الطرد والعكس، وهو كل كلامين يقرر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني وبالعكس، مبالغة في أنهم لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله عز وجل والغضب له سبحانه» 48.

ونظير ذلك قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26 - 27] .

فالله تعالى يثني على ملائكته الذين زعم فريق من المشركين أنهم بنات الله، فيقول: إنهم عباد أكرمهم الله واصطفاهم، يتبعون قوله، فلا يقولون شيئًا حتى يقوله تعالى، أو يأمرهم به كما هو شأن العبيد المؤدبين {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} فلا يعصونه في أمر، إشارة إلى مراعاتهم في أدب العبودية في الأفعال أيضًا كالأقوال 49.

ويؤكده قوله: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم 64] .

2.تقسيم أمره بين الخلائق.

قال تعالى: {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} [الذاريات: 4] .

والمراد بالمقسمات: الملائكة، فإنهم يقسمون أرزاق العباد وأمورهم وشؤونهم على حسب ما يكلفهم الله تعالى به من شؤون مختلفة، و {أَمْرًا} مفعول به للوصف الذي هو المقسمات، وهو مفرد أريد به الجمع، أي: المقسمات لأمور العباد بأمر الله تعالى وإرادته 50.

فعن أبي الطفيل أنه سمع عليًا رضي الله عنه يقول وهو على منبر الكوفة: لا تسألوني عن آية في كتاب الله، ولا عن سنة رسول الله، إلا أنبأتكم بذلك، فقام إليه ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين، ما معنى قوله تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا} [الذاريات: 1] ؟ قال: الريح. {فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} [الذاريات: 2] .قال: السحاب. {فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا} [الذاريات: 3] ؟ قال: السفن {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} [الذاريات: 4] ؟ قال: الملائكة 51.

وهناك فريق من العلماء من يرى أن هذا اللفظ راجع للرياح، ومن هؤلاء الإمام الرازي، حيث قال: «هذه صفات أربع للرياح، فالذاريات: هي الرياح التي تنشئ السحاب أولًا، والحاملات: هي الرياح التي تحمل السحب التي هي بخار الماء. . .، والجاريات: هي الرياح التي تجرى بالسحب بعد حملها، والمقسمات: هي الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار» 52.

قال الألوسي محاولًا الجمع بين الرأيين: «ثم إذا حملت هذه الصفات على أمور مختلفة متغايرة بالذات - كما هو الرأي المعول عليه- فالفاء للترتيب في الأقسام ذكرًا ورتبة، باعتبار تفاوت مراتبها في الدلالة على كمال قدرته عز وجل، وهذا التفاوت إما على الترقي أو التنزل؛ لما في كل منها من الصفات التي تجعلها أعلى من وجه، وأدنى من آخر، وإن حملت على واحد وهو الرياح، فهي لترتيب الأفعال والصفات؛ إذ الريح تذرو الأبخرة إلى الجو أولًا، حتى تنعقد سحابًا، فتحمله ثانيًا، وتجرى به ثالثًا ناشرة وسائقة له إلى حيث أمرها الله تعالى، ثم تقسم أمطاره» 53.

يقول صاحب تفسير الوسيط: «ومع وجاهة رأى الإمام الرازي في هذه المسألة إلا أننا نؤثر عليه الرأي السابق؛ لأنه ثابت عن بعض الصحابة؛ ولأن كون هذه الألفاظ الأربعة لها معانٍ مختلفة أدل على قدرة الله تعالى وعلى فضله على عباده» 54.

وإنما ذكرهم بالمقسمات لأن الإنسان في الأجزاء الجسمية غير مخالف تخالفًا بينًا، فإن لكل أحد رأسًا ورجلًا، والناس متقاربة في الأعداد والأقدار، لكن التفاوت الكثير في النفوس، فإن الشريفة والخسيسة بينهما غاية الخلاف، وتلك القسمة المتفاوتة تتقسم بمقسم مختار ومأمور مختار، فقال: {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} [الذاريات: 4] 55.

قال ابن السائب: والمقسمات أربعة: جبريل، وهو صاحب الوحي والغلظة، وميكائيل، وهو صاحب الرزق والرحمة، وإسرافيل وهو صاحب الصور واللوح، وعزرائيل وهو قابض الأرواح، وإنما أقسم بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة على صنعه وقدرته 56.

3.تدبير الأمر بين الخلائق.

قال تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: 5] .

يقول الإمام الطبري: يعني: فالملائكة المدبرة ما أمرت به من أمر الله، قال القشيري: أجمعوا على أن المراد: الملائكة، قال الجمل: اختلفت عبارات المفسرين في هذه الكلمات، هل هي صفات لشيء واحد أو لأشياء مختلفة؟ على أوجه:

واتفقوا على أن المراد بقوله: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: 5] ، وصف لشيء واحد، وهم الملائكة 57.

فقوله: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} المقصود به طائفة من الملائكة، من وظائفهم تدبير شأن الخلائق، وتنظيم أحوالهم بالطريقة التي يأمرهم سبحانه بها، فنسبة التدبير إليهم إنما هي على سبيل المجاز؛ لأن كل شيء في هذا الكون إنما هو بقضاء الله وتقديره وتدبيره 58.

قال ابن عباس رضي الله عنه: هم الملائكة، وكلوا بأمور عرفهم الله عز وجل العمل بها، وقال عبد الرحمن بن سابط: يدبر الأمر في الدنيا أربعة أملاك: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، واسمه عزرائيل، فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل عليهم بالأمر من الله تعالى، وأقسم الله تعالى بهذه الأشياء لشرفها ...

وقال الإمام الرازي: «لم قال: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} ولم يقل: أمورًا، فإنهم يدبرون أمورًا كثيرة لا أمرًا واحدًا؟ والجواب: أن المراد به الجنس، وإذا كان كذلك قام مقام الجمع» 59.

ثانيًا: تعامل الرسل مع الأمر الإلهي:

يتمثل تعامل الرسل مع أمر الحق سبحانه وتعالى كما يلي:

1.الطاعة والامتثال.

قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102] .

قال مجاهد عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: لما شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم، والمعنى أن ينصرف معه ويعينه في علمه، اختبر إبراهيم فيه برؤية رآها، قال إبراهيم: يا بني إني أرى في المنام وحيًا من الله يطلب مني ذبحك، فانظر ماذا ترى؟ فقد امتثل لأمر الله سبحانه وتعالى وقال إسماعيل صابرًا محتسبًا، مرضيًا لربه، وبارًا بوالده: {يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102] .

أي: امض لما أمرك الله؛ لأني لا أتهمك في شفقتك، وحسن نظرك، ولا أتهم الله في قضائه، ثم قال: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} فأخبر أباه أنه موطن نفسه على الصبر، وقرن ذلك بمشيئة الله تعالى؛ لأنه لا يكون شيء بدون مشيئة الله تعالى، وإنما علق المشيئة لله تعالى على سبيل التبرك والتيمن، فإنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله 60.

2.الاتباع.

قال تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117] .

قال الإمام الرازي: قال تعالى حكاية عن عيسى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} أن مفسرة، والمفسر هو الهاء في به الراجع إلى القول المأمور به، والمعنى: ما قلت لهم إلا قولًا أمرتني به؛ وذلك القول هو أن أقول لهم: اعبدوا الله ربي وربكم، واعلم أنه كان الأصل أن يقال: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، إلا أنه وضع القول موضع الأمر، نزولًا على موجب الأدب الحسن؛ لئلا يجعل نفسه وربه أمرين معًا، ودل على الأصل بذكر أن المفسرة، ثم قال تعالى: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} أي: كنت أشهد على ما يفعلون ما دمت مقيمًا فيهم، فلما توفيتني والمراد منه: وفاة الرفع إلى السماء، من قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] .

{كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} قال الزجاج: الحافظ عليهم المراقب لأحوالهم {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} من قولي وفعلي، وقولهم وفعلهم 61.

وفي ذلك دليل واضح على شدة الاتباع لأمر الحق من قبل سيدنا عيسى عليه السلام فيما أمره الله به من عباده من الدعوة إلى توحيد الله وعبادته.

3.التبليغ.

قال تعالى: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [الشورى: 15] .

قال الضحاك: وفي قوله: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} وجهان: أحدهما في الأحكام، الثاني في التبليغ.

وقال الإمام أبو الفرج: في ما أمر أن يعدل فيه قولان: أحدهما- في الأحكام إذا ترافعوا إليه، والثاني- في تبليغ الرسالة، وقال البيضاوي: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} أي: في تبليغ الشرائع والحكومات 62.

والمعنى: أمرني ربي أن أعدل بينكم؛ وذلك بتبليغ الشرائع والأحكام، وفصل القضايا عند المحاكمة والخصام، وقيل: معناه لأسوي بيني وبينكم، ولا آمركم بما لا أعمله، ولا أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، ولا أفرق بين أكابركم وأصاغركم 63.

وعلى المعنى الآخر، قال الطبري: أي: قل لهم يا محمد: وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب، فأسير فيكم جميعًا بالحق الذي أمرني به، وبعثني بالدعاء إليه 64.

4.طلب التيسير.

قال تعالى: {وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} [طه: 26] .

قال الطبري: يعني: وسهل علي القيام بما تكلفني من الرسالة، وتحملني من الطاعة، أي: سهل علي ما بعثتني له، ففيها طلب الإعانة لتبليغ الرسالة؛ وذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال والأقوال والحركات والسكنات فما لم يصر العبد مريدًا له استحال أن يصير فاعلًا له، فهذه الإرادة صفة محدثة، ولابد لها من فاعل، وفاعلها إن كان هو العبد افتقر في تحصيل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى، ولزم التسلسل، بل لابد من الانتهاء إلى إرادة يخلقها مدبر العالم، ففي الحقيقة هو الميسر للأمور 65.

قال ابن كثر: هذا سؤال من موسى عليه السلام لربه عز وجل أن يشرح له صدره فيما بعثه به، فإنه قد أمره بأمر عظيم، وخطبٍ جسيم، فقد بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك، وأجبرهم، وأشدهم كفرًا، وأكثرهم جنودًا، وأعمرهم ملكًا، وأطغاهم وأبلغهم تمردًا، بلغ من أمره أن ادعى أنه لا يعرف الله، ولا يعلم لرعاياه إلها غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت