فهرس الكتاب

الصفحة 1086 من 2431

الرياح

أولًا: المعنى اللغوي:

إن أصل الياء في كلمة الريح واوٌ (روح) ، ثم قلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، وأصل مادة (ر و ح) تدل على سعة وفسحة واطراد 1.

والريح: نسيم الهواء، وكذلك نسيم كل شيء 2، وهي مؤنثة وتصغيرها رويحة، والريح مفرد، ويجمع تكسيرًا في الكثرة على رياح، وفي القلة على أرواح 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، الذي يعني: الهواء المتحرك 4.

وردت (الريح) في القرآن الكريم (29) مرة 5.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

مفرد ... 19 ... {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ:12]

جمع ... 10 ... {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف:57]

وجاءت الريح في القرآن على ثلاثة أوجه 6:

أحدها: الشدة والقوة: ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46] ، يعني: قوتكم وشدتكم.

الثاني: ريح العذاب: ومنه قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} [القمر:19] ، يعني: عذابًا.

الثالث: ريح الخير والرحمة، ومنه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس:22] ، وقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الروم:46] .

الهواء:

الهواء لغة:

هو الجو ما بين السماء والأرض، والجمع الأهوية 7.

الهواء اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، ويمكن أن يعرف تعريفًا علميًّا ويقال: غاز يغلف الكرة الأرضية ويتكون من الأزوت والأكسجين وغازات قليلة أخرى والجو 8.

الصلة بين الهواء والريح:

الهواء أصل الرياح؛ إلا أنه ساكن في مكانه فمتى ما تحرك صار رياحًا أو ريحًا.

الإعصار:

الإعصار لغة:

قال الزجاج: «الإعصار الرياح التي تهب من الأرض وتثير الغبار فترتفع كالعمود إلى نحو السماء، وهي التي تسميها الناس الزوبعة، وهي ريح شديدة لا يقال لها إعصار حتى تهب كذلك بشدة» 9.

الإعصار اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، يقول الزمخشري عن معني لفظ الإعصار: «هي الريح التي تستدير في الأرض، ثم تسطع نحو السماء کالعمود» 10. ويقول الطوسي أيضًا: «الإعصار: غبار يلتف بين السماء والأرض کالتفاف الثوب في العصير» 11.

الصلة بين الإعصار والريح:

الإعصار نوع من أنواع الرياح القوية، وليس كل ريح إعصارًا.

لله عز وجل في هذا الكون آيات كثيرة لا تعد ولا تحصى، تدل دلالةً واضحةً على وحدانيته وقدرته وعظمته وحكمته، ومن هذه الآيات آية الريح، وهي خاضعة لأمر الله وتقديره، فهو المتصرف في أحوالها، ومن تلك الأحوال:

1.إرسال الرياح.

قال عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم:46] .

أي: ومن دلالات بديع قدرته إرسال الرياح مبشرات بالمطر لأنها تتقدمه 12.

ويذكر تعالى نعمه على خلقه في إرسال الرياح مبشرات بين يدي رحمته بمجيء الغيث عقبها، ولهذا قال تعالى: {وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} ، أي: المطر الذي ينزّله فيحيي به العباد والبلاد 13.

ومن الأدلة الدالة على رحمته وبعثه الموتى وأنه الإله المعبود والملك المحمود، {أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ} أمام المطر {مُبَشِّرَاتٍ} بإثارتها للسحاب ثم جمعها فتبشّر بذلك النفوس قبل نزوله 14.

قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) } [الأعراف:57] .

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) } [الفرقان:48] .

وقال تعالى: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) } [النمل:63] .

2.إسكان الرياح.

قال عز وجل: {إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) } [الشورى:33] .

فمن آياته الدالة على قدرته الباهرة وسلطانه، تسخيره البحر؛ لتجري فيه الفلك بأمره وهي: الجواري في البحر كالأعلام، أي: كالجبال، قاله مجاهد والحسن والسدي والضحاك، أي: هذه في البحر كالجبال في البر، {إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ} أي: التي تسير في البحر بالسفن لو شاء لسكنها حتى لا تتحرك السفن، بل تبقى راكدة لا تجيء ولا تذهب، بل واقفة {عَلَى ظَهْرِهِ} ، أي: على وجه الماء، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ} أي: إن في تسخيره البحر وإجرائه الهوى بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم لدلالات على نعمه تعالى على خلقه، {لِكُلِّ صَبَّارٍ} أي: في الشدائد، {شَكُورٍ} في الرخاء 15.

وإنها لتركد أحيانا فتهمد هذه الجواري، وتركد كما لو كانت قد فارقتها الحياة! {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} في إجرائهن وفي ركودهن على السواء آيات لكل صبار شكور، والصبر والشكر كثيرًا ما يقترنان في القرآن، الصبر على الابتلاء والشكر على النعماء وهما قوام النفس المؤمنة في الضراء والسراء 16.

فما شاء الله كان، وسبحان من جعل في ذلك آيةً، وما يذكر إلا من وفقه الله.

3.تصريف الرياح.

قال عز وجل: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) } [البقرة:164] ، وقوله عز وجل: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) } [الجاثية:3 - 5] .

وزعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} ، أنها تأتي مرّة جنوبًا وشمالً وقبولًا ودبورًا، ثم قال: وذلك تصريفها 17، وهذه الصفة التي وصف الرياح بها، صفة تصرّفها لا صفة تصريفها، لأن (تصريفها) تصريف الله لها، (وتصرّفها) اختلاف هبوبها.

وقد يجوز أن يكون معنى قوله: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} ، تصريف الله تعالى ذكره هبوب الريح باختلاف مهابّها ... فأما معنى قوله: {لَآيَاتٍ} ، فإنه علامات ودلالاتٌ على أن خالق ذلك كلّه ومنشئه، إله واحدٌ لمن عقل مواضع الحجج، وفهم عن الله أدلته على وحدانيته، فأعلم تعالى ذكره عباده، بأنّ الأدلة والحجج إنما وضعت معتبرًا لذوي العقول والتمييز، دون غيرهم من الخلق، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي، والمكلفين بالطاعة والعبادة، ولهم الثواب، وعليهم العقاب 18.

{وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} فهذه العبارة الموجزة في كلماتها وراءها حقائق علمية رائعة، فهذه الرياح التى هي الهواء المتحرك فوق غلاف الأرض الجوي إنما تتحرك بتأثير حرارة الشمس التي تجعله يخف ويرتفع ويحل محله هواء بارد ثقيل يندفع نحو منطقة الضغط المنخفض بنظام دقيق، فيه تصريف للرياح وتوجيه لها في هبوبها من مكان إلى مكان معين، وينشأ عن حركة الرياح نتائج لها أهميتها في حياة الناس فهي تسوق السحاب المطرة إلى الأرض المجدبة، وتساعد السفن الشراعية في سيرها، وتحمل اللقاح إلى النباتات النامية وتوزع الحرارة والبرودة في دورات منتظمة على الأرض وغير ذلك من حكمة الله في تصريف الرياح ... وقد أثبت العلم الدورة الهوائية على سطح الكرة الأرضية وكيف يكون تصريفها من جهة إلى أخرى 19.

ويرشد تعالى خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه، وقدرته العظيمة ... وما أنزل الله تبارك وتعالى من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه، وسماه رزقا لأن به يحصل الرزق فأحيا به الأرض بعد موتها أي بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء 20.

وذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة، من أول سورة الجاثية ستة براهين، من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال قدرته:

الأول: منها خلقه السماوات والأرض.

الثاني: خلقه الناس.

الثالث: خلقه الدواب.

الرابع: اختلاف الليل والنهار.

الخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به.

السادس: تصريف الرياح.

وذكر أن هذه الآيات والبراهين، إنما ينتفع بها المؤمنون، الموقنون الذين يعقلون عن الله حججه، وآياته؛ فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم؛ ولذا قال: {لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ} ، ثم قال: {آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ، ثم قال: {آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .

وهذه البراهين الستة المذكورة في أول هذه السورة الكريمة، جاءت موضحة في آيات كثيرة جدًا كما هو معلوم 21.

وهذا يدل دلالةً واضحةً على أن الرياح آية عظيمة وجند قوي من جنود الله تعالى.

وفي الرياح من العبر: هبوبها وسكونها ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابّها وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها ... وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثّر والتأثير، لطيفة المسارق بين السماء والأرض، إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك، يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها إذا شاء، تحمل الأصوات إلى الآذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجزر، وهي من روح الله تأتي بالرحمة، ومن عقوبته تأتي بالعذاب، وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد؛ فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت؛ فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالوا: يا رب فهل من خلقك أشد من الماء؟ قال: نعم الريح، قالوا: يا رب فهل من خلقك أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله) 22 ... والمقصود أن الرياح من أعظم آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته 23.

ذكر العلماء كما تقدم معنا حالات للرياح إذا كانت ملازمةً لها سميت باسمها، وقد وردت في ثنايا القرآن الكريم صفات خاصة بعضها للرياح و البعض الآخر للريح، ويمكن أن نتحدث عنها كما يلي:

أولًا: صفات الرياح:

1.المبشرات.

وأصل البشارة الخبر السار والبشور من الرياح التي تبشر بالمطر 24، فهو الخبر الصدق السار الذي ليس عند المخبر به علمه، ووجود المبشر به وقت البشارة ليس بلازم 25.

وقد مر معنا ذلك كقوله عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) } [الروم:46] .

وقوله عز وجل: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) } [النمل:63] .

فالبشر جمع البشير؛ لأن الريح تبشر بإتيان المطر بعدها فهي بشير المطر ... فإجراء الريح وانتشارها من ههنا وهاهنا أمام المطر مبشرة به من غرائب صنعه وعجائبه، ومن عظائم نعمه على خلقه 26.

2.الذاريات.

وذرّته الريح تذروه وتذريه 27، يعني: الرياح تذرو التربة وغيره 28.

وقد ورد ذكرها في قوله عز وجل: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) } [الذاريات:1] .

والمراد بالذاريات: هي الرياح التي تذروا، في هبوبها {ذَرْوًا} بلينها، ولطفها، ولطفها وقوتها، وإزعاجها 29.

وبيّن أن هذا الذّرو من فعل الرياح فقال عز وجل: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) } [الكهف:45] .

{وَاضْرِبْ لَهُمْ} يا محمد للناس {مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} في زوالها وفنائها وانقضائها، {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} ، أي: ما فيها من الحب، فشبّ وحسن، وعلاه الزهر والنور والنضرة، ثم بعد هذا كله أصبح هشيمًا يابسًا {تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} ، أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال 30.

ثانيًا: صفات الريح:

1.صرصر.

وريح صرصر شديدة البرد وشديدة الصوت معًا 31.

وقد جاء ذكرها في قوله عز وجل: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) } [فصلت:16] .

واختلف أهل التأويل في معنى الصرصر، فقال بعضهم: عني بذلك أنها ريح شديدة ... وقال آخرون: بل عني بها أنها باردة ... وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد، وذلك أن قوله: {صَرْصَرًا} إنما هو صوت الريح إذا هبت بشدة، فسمع لها 32.

وكذلك قوله عز وجل: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) } [القمر:19] ، أي: شديدةً جدًّا 33.

وقوله عز وجل: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) } [الحاقة:6] ، أي: شديدة العصوف والبرد عاتية أي: متجاوزة الحد المعروف في الهبوب والبرودة 34، فظهر أن أهم معنى لهذه الصفة هو الشدة.

2.عاصف.

عصفت الريح تعصف عصوفًا وأعصفت وهي عاصف وعاصفة: اشتدت 35.

وورد ذكر الريح بهذه الصفة في قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) } [يونس:22] .

أخبر تعالى أنه {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} ، أي: يحفظكم ويكلؤكم بحراسته، {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا} ، أي: بسرعة سيرهم رافقين فبينما هم كذلك؛ إذ {جَاءَتْهَا} أي: تلك السفن، {رِيحٌ عَاصِفٌ} ، أي: شديدة، {وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} 36.

وقوله عز وجل: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18) } [إبراهيم:18] .

ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود، يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدى، لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها، ولا الانتفاع به أصلًا، يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك، فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بددًا 37.

وكذلك قوله عز وجل: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) } [الأنبياء:81] والمعنى: وسخّرنا لسليمان الريح عاصفةً أي: شديدة الهبوب تجري بأمره يعني: بأمر سليمان إلى الأرض الّتي باركنا فيها وهي أرض الشام ... والمعنى: أنها كانت تسير به إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله بالشام 38.

3.قاصف.

انقصف الشيء انكسر وبان 39، والقاصف الريح الشديدة التي تقصف الشجرة وتكسرها، وكذلك البناء وغيره 40.

وقد ورد ذكر هذه الصفة للريح في قوله عز وجل: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69) } [الإسراء:68 - 69] .

أي: يقوي دواعيكم لركوب البحر تارة أخرى؛ فيرسل عليكم قاصفا من الريح، أي: ريحا شديدة لا تمر بشيء إلا قصفته؛ فتكسر السفينة وسط البحر فيغرقكم بما كفرتم 41.

4.مصفرًّا.

الصّفرة: لونٌ من الألوان التي بين السّواد والبياض، وهي إلى السّواد أقرب، ولذلك قد يعبّر بها عن السّواد 42.

ووردت هذه الصفة للريح في قوله عز وجل: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51) } [الروم:51] .

يقول تعالى: ولئن أرسلنا ريحا يابسة على الزرع الذي زرعوه ونبت وشب واستوى على سوقه، فرأوه مصفرا، أي قد اصفر وشرع في الفساد لظلوا من بعده، أي بعد هذا الحال، يكفرون، أي يجحدون ما تقدم إليهم من النعم 43.

5.عقيم.

العقيم: التي لا يستفاد منها، وهو ضد اللقاح 44، والريح العقيم: التي لا يكون معها لقح، أي لا تأتي بمطر، إنما هي ريح الهلاك 45، فلا تلقح سحابا ولا شجرا 46.

ووردت هذه الصفة للريح في قوله عز وجل: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) } [الذاريات:41 - 42] .

وهي وإن ذكرت معرفة، فالمعرّف نكرة؛ لأن تلك الريح منكّرة كأنه يقول: وأرسلنا الريح التي لم تكن من الرياح التي تقع ولا وقع مثلها فهي لشدتها منكرة 47، يعني التي لا خير فيها ولا بركة، فلا تلقح شجرًا ولا تحمل مطرًا 48.

6.السكون.

وهو ثبوت الشيء بعد تحرك 49، ومنه قوله عز وجل: {إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} [الشورى:33] ، أي: يسكن الريح التي تجري بها السفن، فيظللن أي: السفن، رواكد أي: سواكن ثوابت على ظهر البحر 50.

ثالثًا: صفات أخرى:

1.سموم.

والسّموم: الرّيح الحارّة التي تؤثّر تأثير السّمّ 51، والسموم بالنهار، وقد تكون بالليل 52، وهي: الريح الحارة ... تكون غالبًا بالنهار والحر الشديد النافذ في المسام 53.

وقد ذكرت كصفة للريح التي تأتي من حر جهنم أعاذنا الله برحمته منها، وذلك في قوله عز وجل: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) } [الطور:27 - 28] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت