فهرس الكتاب

الصفحة 777 من 2431

أي: لكم في إبراهيم عليه السلام وقومه أسوة حسنة، تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه؛ فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه 107.

ثانيًا: الدعاء المذموم:

إن من أوضح صور الأدعية المذمومة، ما جاء عن الكافرين والضالين.

وقد سجّلت آي القرآن بعضًا من أدعية الكافرين ممن أعرضوا عن الصراط المستقيم، والتأمل في دعائهم كاشف عن اضطراب إدراكهم، ومبلغ تكذيبهم، وقد اتخذوا من سبيل الغي سبيلًا في الدنيا، وعن حرج موقفهم وبؤس مصيرهم، وقد هووا في جهنم في الآخرة.

فمن دعاء الكافرين ما كان تعبيرًا صريحًا عن استبعاد ما جاءت به الدعوة من بدهات، واستهزاء بإمكان وقوع ما أكدت حدوثه من وعد ووعيد.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [ص: 16] .

«القط: القسط من الشيء؛ لأنه قطعة منه، من قطه إذا قطعه، ويقال لصحيفة الجائزة: قط؛ لأنها قطعة من القرطاس، وقد فسر بهما قوله تعالى: (? ? ?) أى: نصيبنا من العذاب الذي وعدته، قيل: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد الله المؤمنين الجنة، فقالوا على سبيل الهزء: عجّل لنا نصيبنا منها، أو عجّل لنا صحيفة أعمالنا ننظر فيها» 108.

«وذلك لأن القوم كانوا في نهاية الإنكار للقول بالحشر والنشر، فكانوا يستدلون بفساد القول بالحشر والنشر على فساد نبوته، واعلم أن الكفار لما بالغوا في السفاهة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قالوا: إنه ساحر كذاب، وقالوا له على سبيل الاستهزاء: عجّل لنا قطنا أمره الله بالصبر على سفاهتهم، فقال: (? ? ? ?) [ص: 17] » 109.

«يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون بالله من قريش: يا ربنا عجّل لنا كتبنا قبل يوم القيامة، قوله: (? ? ? ? ? ? ? ?) [ص: 16] .

أي: نصيبنا وحظنا من العذاب قبل يوم القيامة، قال: قد قال ذلك أبو جهل، وقال آخرون: بل إنما سألوا ربهم تعجيل أنصبائهم ومنازلهم من الجنة حتى يروها فيعلموا حقيقة ما يعدهم محمد صلى الله عليه وسلم، فيؤمنوا حينئذٍ به ويصدّقوه، وقال آخرون: سألوا أن يعجّل لهم كتبهم التي قال الله: (? ? ? ? ?) [الحاقة: 19] .

(? ? ? ? ?) [الحاقة: 25] .

في الدنيا لينظروا بأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم؟ ولينظروا من أهل الجنة هم أم من أهل النار قبل يوم القيامة استهزاءً منهم بالقرآن وبوعد الله.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن القوم سألوا ربهم تعجيل صكاكهم بحظوظهم من الخير أو الشر الذي وعد الله عباده أن يؤتيهموها في الآخرة قبل يوم القيامة في الدنيا استهزاءً بوعيد الله، وإنما قلنا: إن ذلك كذلك لأن القط هو ما وصفت من الكتب بالجوائز والحظوظ، وقد أخبر الله عن هؤلاء المشركين أنهم سألوه تعجيل ذلك لهم، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه: (? ? ? ?) [ص: 17] .

فكان معلومًا بذلك أن مسألتهم ما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم لو لم تكن على وجه الاستهزاء منهم لم يكن بالذي يتبع الأمر بالصبر عليه، ولكن لما كان ذلك استهزاءً، وكان فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أذى، أمره الله بالصبر عليه حتى يأتيه قضاؤه فيهم، ولما لم يكن في قوله: (? ? ? ? ?) [ص: 16] .

بيان أي القطوط إرادتهم، لم يكن لما توجيه ذلك إلى أنه معنيٌ به القطوط ببعض معاني الخير أو الشر؛ فلذلك قلنا: إن مسألتهم كانت بما ذكرت من حظوظهم من الخير والشر» 110.

ومن دعاء الكافرين الكاشف عن موقفهم المعرض عن الدعوة ما ورد في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 32] .

وفي هذا الدعاء ما فيه من استهزاء وتعنت؛ إذ لو كان فيه تحرٍّ للحق لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له مثلًا، ولكنهم كفروا وأنكروا واستهزأوا! وقوله: (? ?) تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين 111.

قال أبو جعفر: «يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد أيضًا ما حل بمن قال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 32] .

إذ مكرت بهم، فأتيتهم بعذاب أليم وكان ذلك العذاب قتلهم بالسيف يوم بدر، وهذه الآية ذكر أنها نزلت في النضر بن الحارث، كان يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء أوائتنا بعذاب أليم!» 112.

«يقولون: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 32] .

وهم يعلمون ما حل بمن خلا قبلهم من الأمم التي عصت ربها، وكذّبت رسلها من عقوبات الله، وعظيم بلائه» 113.

وحين يأتي الموت يدرك الكافرون فساد ما كانوا عليه من اعتقاد وسلوك، قال تعالى: (? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [إبراهيم: 44] .

وحين يتحقق العذاب في الآخرة وقد كانوا يستبعدونه، وحين يدركون مصيرهم الوبيل في الآخرة يتمنون لو يعودون إلى الدنيا عساهم يعملون صالحًا، ولكن هيهات!

يكشف ذلك قوله تعالى: (پ ? ? ? ? ? ? ?) [السجدة: 12] .

أي: «أبصرنا ما كنا نكذب به، وسمعنا منك ومن ملائكته ومن أصوات النيران وغير ذلك ما كنا نستبعده فصرنا في غاية العلم بتمام قدرتك، وصدق وعودك» 114. فما أبصروه وما سمعوه جعلهم يطلبون الرجوع للدنيا رغبةً في العمل الصالح، ولكن لا أمل في رجوعهم، بل يلقون في النار، حينها يتعالى صراخهم ألمًا مما هم فيه، فيدعون ربهم قائلين: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ) [المؤمنون: 107] .

و (? ? ? ? ? ? ? ?) [فاطر: 37] .

وقولهم: (? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک) [غافر: 11] .

وما كان دعاؤهم إلا خلاصًا من عذابهم، ونلمح في دعائهم بأسلوب الاستفهام (هل) المراد به: التمني والاستعطاف رغبة قوية منهم في إبراز غير الممكن في صورة الممكن، وجعلوا هذا الاعتراف ضربًا من التوبة توهمًا منهم أن التوبة تنفع يومئذٍ؛ فلذلك فرّعوا عليه (ژ ژڑ ڑ ک) ... قال في الكشاف: «وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط» 115، يريد أنّ في اقتناعهم بخروج مّا دلالة على أنهم يستبعدون حصول الخروج 116.

ويدعو الكافرون بمضاعفة العذاب للمضلين: (ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک) [الأحزاب: 68] .

وقولهم في موضع آخر: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [ص: 61] .

وقولهم كذلك: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 38] .

وحين نتأمل الآية في سورة (ص) نجد الفعل (زده) قد وقع موقعه في إظهار شدة الحقد على هؤلاء المضلين؛ وذلك بطلب زيادة العذاب المضاعف لهم، والتعبير بالجار والمجرور (? ?) قوّى المعنى، حيث جعل العذاب يحيط بهم في النار من كل جانب، كإحاطة الظرف بالمظروفين، وهذه الآية تختلف عما في الأعراف؛ لأن السياق فيها للطاغين، أما في الأعراف فهو لمطلق الكافرين 117، ذلك أن الطغاة أشد بطشًا من الكفار.

ثانيًا: دعاء المرء على نفسه بالشر:

أخبر سبحانه وتعالى لو أنه يعجّل للناس إجابة دعائهم في الشر كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة لهلكوا، قال تعالى: (ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گگ گ ? ? ? ? ? ? ?) [يونس: 11] .

عن مجاهد، رحمه الله قال: «قول الرجل لولده إذا غضب عليه أو ماله: اللهم لا تبارك فيه والعنه» 118.

قال ابن عاشور رحمه الله: «بيّنت هذه الآية أن الرفق جعله الله مستمرًا على عباده غير منقطع عنهم؛ لأنه أقام عليه نظام العالم إذ أراد ثبات بنائه، وأنه لم يقدر توازي الشر في هذا العالم بالخير لطفًا منه ورفقًا، فالله لطيف بعباده، وفي ذلك منة عظيمة عليهم، وأن الذين يستحقون الشر لو عجّل لهم ما استحقوه لبطل النظام الذي وضع عليه العالم» 119.

وفي النهي عن الدعاء على النفس روى مسلم بسنده عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من اللّه تبارك وتعالى ساعة يسأل فيها عطاءٌ، فيستجيب لكم) 120.

ويستفاد من الآية: لطف الله سبحانه وتعالى وإحسانه بعباده.

للدعاء في القرآن آثار، ومن أهمها:

أولًا: إعطاء الداعي ما طلب:

الدعاء باب مفتوح للعبد إلى ربّه سبحانه، يلتمس من خلاله كل ما يحتاجه في دنياه من صحة الأبدان، وسعة الأرزاق، والخلاص من البلاء، والنصر على الأعداء، وهذا الذي كان يقوم به الأنبياء عليهم السلام، والله تعالى يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم، من المطاعم والمشارب، كما يسألونه الهداية والمغفرة، والعفو والعافية في الدنيا والآخرة 121.

قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات» 122.

والدعاء أكرم شيء على الله، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) 123.

قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 32] .

والدعاء عبادة له آثاره البالغة، وفوائده العظيمة؛ لذلك أمرنا الحقّ جلّ في علاه بالدّعاء، ورغّبنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فكم من محنة رفعها الله عز وجل بالدعاء، وكم من مصيبة أو كارثة كشفها الله عز وجل بالدعاء، وقد أورد القرآن الكريم جملةً من الأدعية التي استجابها الله تعالى بمنّه وفضله وكرمه.

يهدي النظر في آيات الدعاء في القرآن الكريم إلى كرم الله ورحمته بعباده ورأفته بهم؛ إذ يهبهم ما يطلبون.

وسنعرض بعضًا من الأمثلة الدالة على إعطاء الداعي ما طلب:

طلب إبراهيم عليه السلام من ربه أن يبعث في أمته «ذريته» المسلمة رسولًا: (? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ?) [البقرة: 129] .

وقد طلب أن يكون الرسول منهم «لأنه يكون أشفق على قومه، ويكونون هم أعز به، وأشرف وأقرب للإجابة؛ لأنهم يعرفون منشأه وصنفه وأمانته» 124، فيعلّمهم هذا الرسول القرآن وما يكمل به نفوسهم من أحكام الشريعة والمعارف الحقة، ويطهّرهم عن دنس الشرك، وفنون المعاصي 125.

وقد استجاب الله دعاء إبراهيم فقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الجمعة: 2] .

وقد جاء طلب الولد والذرية على لسان إبراهيم عليه السلام في قوله: (? ? ? ? ?) [الصافات: 100] .

فأجاب الله له دعوته، وبشّره بغلام حليم، وهو إسماعيل. قال تعالى: (? ? ?) [الصافات: 101] .

ثم أنعم الله على إبراهيم، فوهب له ابنه إسحاق حين دعاه، ووهب له من إسحاق يعقوب زيادة على ذلك، (? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 72] .

دعا نوح ربه فقال: (? ? ? ? ? ? ? ?) [نوح: 26] .

وأخبر الله عن دعائه فقال: (? ? ? ? ?) [القمر: 10] .

واستجاب الله دعاء نوح عليه السلام فقال: (چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 76] .

وزكريا عليه السلام الذي تاقت نفسه إلى الولد ليرثه ويرث من آل يعقوب، فدعا ربه قائلًا: (? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 89] .

و (? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 38] .

فاستجاب له دعاءه ووهب له على الكبر ابنه يحيى، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 90] .

طلب سليمان عليه السلام من ربه أن يعطيه الملك في قوله: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: 35] .

ولم يكن سؤاله عليه السلام «طلبًا لنفس الدنيا؛ لأنه هو والأنبياء أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله؛ فكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأعطى سليمان المملكة» 126.

أما قوله: {لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} «أي: أن يسأله فكأنه سأل منع السؤال بعده؛ حتى لا يتعلق به أمل أحد، ولم يسأل منع الإجابة» 127.

وقد استجاب الله دعاءه، قال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [ص: 36 - 38] .

فسخّر الله الشياطين له، يبنون ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي، ومن عصاه منهم قرنه في الأصفاد وأوثقه 128.

ثانيًا: الأجر والثواب:

من عظم رحمة الله بخلقه وكرمه السابغ معهم أن جعل للدعاء خيرًا ونفعًا وثوابًا وأجرًا مما يظهر في الدنيا، ويمتد في الآخرة، ويرتبط الدعاء بالمحسنين ارتباطًا وثيقًا؛ قال تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] .

والدعاء صلة بين المسلم والمسلم حتى بعد الممات، كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10] .

ولقد ذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم الأمور التي لا تنقطع عن الميت بعد موته، ومنها الدعاء، فقال: (أو ولد صالح يدعو له) 129.

والدّعاء سبب أكيد لغفران المعاصي والذنوب، ولرفع الدّرجات، ولجلب الخير ودفع الشّرّ، ومن ترك الدّعاء فقد سدّ على نفسه أبوابًا كثيرةً من الخير، هذا وقد ذكر شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية رحمه الله عشرة أسباب لغفران الذنوب، حيث قال رحمه الله: «والسبب الرابع الدافع للعقاب دعاء المؤمنين للمؤمن، مثل صلاتهم على جنازته» 130.

إن الدعاء من العبادات الجليلة التي أمر الله بها عباده المؤمنين، ووعدهم عليه جزيل الثواب، وتوعّد من أعرض عنه بالإثم العظيم، وهو سمة للعبودية، ويستدعي به العبد من الله العناية، ويستمد منه المعونة، ويستجلب الرحمة، ويستدفع النقمة، ويظهر به الافتقار والذلة البشرية، متبرئًا من الحول والقوة، وإذا تأملت كتاب الله سبحانه وتعالى وجدت فاتحته تضمنت الدعاء، وخاتمته تضمنت الدعاء، ففاتحة الكتاب بدئت بدعاء الثناء: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] . وتلاه دعاء المسألة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] . وختم الكتاب بسورتي المعوذتين: دعاء مسألة متضمنًا دعاء ثناء 131.

ثالثًا: رفع العذاب والبلاء:

الدعاء أحد أسباب رفع البلاء ودفع الشقاء، كما في قوله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم: 48 ٍٍ] .

وقال عن زكريا عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [مريم: 4] .

أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردّني قط فيما سألتك 132.

وهذا توسل إلى الله بإنعامه عليه، وإجابة دعواته السابقة، فسأل الذي أحسن سابقًا، أن يتمم إحسانه لاحقًا 133.

ومن أمثلة أدعية رفع الضر قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83 - 84] .

فجمع أيوب عليه السلام في هذا الدعاء بين حقيقة التوحيد، وإظهار الفقر والفاقة إلى ربه، ووجود طعم المحبة في التملق له، والإقرار له بصفة الرحمة، وأنه أرحم الراحمين.

والتوسل إليه بصفاته سبحانه، وشدة حاجته هو وفقره. ومتى وجد المبتلي هذا كشفت عنه بلواه. وقد جرّب أنه من قالها سبع مرات ولاسيما مع هذه المعرفة كشف الله ضره 134.

وإذا ركب المشركون السفن وعلتهم الأمواج من حولهم كالسحب والجبال، أصابهم الخوف والذعر من الغرق ففزعوا إلى الله، وأخلصوا دعاءهم له، فلما نجاهم إلى البر، فمنهم متوسط لم يقم بشكر الله على وجه الكمال، ومنهم كافر بنعمة الله جاحد لها، قال تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [لقمان: 32] .

موضوعات ذات صلة:

الاستغفار، التسبيح، الحمد، الذكر، السؤال

1 انظر: الصحاح، الجوهري، 6/ 233، لسان العرب، ابن منظور، 14/ 257، تاج العروس، الزبيدي، 1/ 137.

2 انظر: مقدمة الترغيب في الدعاء والحث عليه، عبدالغني المقدسي، ص 54.

3 شأن الدعاء، ص 4.

4 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 257 - 260.

5 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 213 - 215.

6 تهذيب اللغة، الأزهري 10/ 94.

7 المفردات ص 328.

8 الفتوحات الربانية شرح الأذكار النووية 1/ 396.

9 بدائع الفوائد 3/ 9.

10 انظر: لسان العرب 6/ 3312.

11 انظر: الكليات، الكفوي ص 159.

12 انظر: الصحاح، الجوهري 2/ 567، لسان العرب، ابن منظور 4/ 3162.

13 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 114.

14 انظر: لسان العرب، ابن منظور 13/ 298.

15 مختصر السعد التفتازاني ضمن شروح التلخيص 2/ 324.

16 مختصر السعد للقزويني، ومواهب الفتاح ضمن شروح التلخيص، ابن يعقوب المغربي 2/ 246.

17 معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، أحمد مطلوب، المجمع العلمي العراقي 1/ 181.

18 انظر: البحر المحيط، أبو حيان 5/ 189، فتح القدير، الشوكاني 2/ 252.

19 البرهان في علوم القرآن، 3/ 349.

20 الإيضاح في علوم البلاغة، لخطيب القزويني 3/ 93.

21 انظر: فتح المجيد، عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ ص 180.

22 معجم ألفاظ القرآن الكريم مجمع اللغة العربية 1/ 413.

23 معجم ألفاظ القرآن 1/ 414.

24 معالم التنزيل، البغوي 3/ 324.

25 أخرجه أبو داود في سننه، باب تفريع أبواب الوتر، باب الدعاء، 2/ 76، رقم 1479، والترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة، 5/ 61، رقم 2969، وابن ماجه في سننه، كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، 2/ 1258، رقم 3828.

قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» .

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 641، رقم 3407.

26 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، 2/ 229، رقم 889، وابن ماجه في سننه، كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، 2/ 1003، رقم 3015.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 606، رقم 3172.

27 الكاشف عن حقائق السنن 6/ 1708.

28 انظر: فتح القدير، الشوكاني 4/ 690.

29 انظر: روح المعاني، الألوسي 9/ 146.

30 انظر: معالم التنزيل، البغوي 1/ 235.

31 فتح القدير، الشوكاني 5/ 20.

32 انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي ص 458.

33 انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب 2/ 407.

34 المصدر السابق 1/ 92.

35 أخرجه أبو داود في سننه، تفريع أبواب الوتر، باب الدعاء، 2/ 80، رقم 1496، والترمذي في أبواب الدعوات، 5/ 394، رقم 3478، وابن ماجه في سننه، كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، 2/ 1267، رقم 3855.

قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» .

وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 229، رقم 980.

36 مدارج السالكين، ابن القيم 1/ 23.

37 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 109.

38 انظر: مدارج السالكين، ابن القيم 2/ 89.

39 انظر: المصدر السابق 2/ 90.

40 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 53.

41 المصدر السابق 3/ 185.

42 انظر: الجامع لأحكام القرآن 6/ 336.

43 انظر: المصدر السابق 7/ 227.

44 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/ 336.

45 أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر 3/ 1383 - 1763.

46 انظر: الجواب الكافي، ص 8 - 9.

47 انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي 1/ 161، جامع العلوم والحكم، ابن رجب 2/ 403.

48 انظر: جامع البيان، الطبري 11/ 455.

49 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب في العفو والعافية، 5/ 470، رقم 3598، وابن ماجه في سننه، كتاب الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته، 1/ 557، رقم 1752.

قال الترمذي: «هذا حديث حسن» .

وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ص 383، رقم 2592.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت