فهرس الكتاب

الصفحة 939 من 2431

ففي الأمر بغض الأبصار وحفظ الفروج نجد نهاية الآية {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30] .

وفي الأمر بالاستئذان نجد ختام الآيات {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 27 - 28] .

وفي الأمر بالحجاب نجد التعليل بقوله: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53] .

وهكذا في بقية الآيات التي تحدثت أو أشارت إلى الأساليب الوقائية لحفظ وصيانة الأعراض.

قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 30 - 31] .

فقدّم سبحانه غض البصر على حفظ الفرج؛ لأن النظر بريد الزنا، وغض البصر من أجلّ الأدوية لعلاج القلب 141.

وقد غايرت الآيتان بين الأبصار والفروج، فالأولى فعلها «يغضوا» ، والثانية فعلها «يحفظوا» ، والإغضاء صرف المرء بصره عن التحديق وتثبيت النظر، فهو أغلبي وليس تامًّا، بخلاف الحفظ، ثم جيء بـ «من» التي للتبعيض مع الغض دون الحفظ.

يقول ابن القيم عن غض البصر: «ولما كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة، ويحرم إذا خيف منه الفساد، ولم يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة، لم يأمر سبحانه بغضه مطلقًا، بل أمر بالغض منه، وأما حفظ الفرج فواجب بكل حال، لا يباح إلا بحقه؛ فلذلك عمّ الأمر بحفظه» 142.

أجمعت الشرائع السماوية على تحريم الزنا، واعتبرته من أكبر الآثام، وأعظم الجرائم التي تدنس النفس البشرية، وتحول بينها وبين سعادتها وكمالها، ووضعت له أقصى عقوبة في باب العقوبات وأشنعها، وهي الرجم بالحجارة حتى الموت، وتوعدت فاعليها بالعقوبات العاجلة، والعذاب الأليم في الآخرة، واتفقت المذاهب الأخلاقية على تحريم الزنا واستقبحته، وحكمت عليه بالشناعة القبيحة، وجعلته في عداد الجرائم الكبرى.

قال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]

فلم ينه سبحانه عن الفعل فقط، بل نهى عن قربانه؛ ليحرّم جميع وسائله ودواعيه المفضية إليه، من مصافحة المرأة الأجنبية ومسّها، والخلوة بها، والاختلاط معها، وخضوع المرأة بالقول، وإظهار صوت زينتها، وخروجها متبرجة متعطرة، بدون حجاب شرعي، وغير ذلك مما سبق بيانه قبل ذلك.

ولقد جعل الله سبحانه وتعالى التعفف عن الزنا، والتصون منه من صفات المؤمنين المفلحين.

قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 1 - 7] .

وقد شدد الله عز وجل عقوبة الزاني الأثيم المادية والمعنوية، فالعقوبة المادية: العذاب الأليم بالجلد أو الرجم، والمعنوية: أن لا نرأف به، ولا نشفق عليه حتى يبرأ من جريرته، ويتوب منها.

قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] .

وقد زادت السنة على الحكم بجلد الزاني البكر والزانية البكر مائه جلدة أن يغربا عامًا، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذوا عنى، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر، جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم) 143.

وأوجب على المؤمن إذا سمع عن أخيه سوءًا أن يظن به البراءة من الإثم، والطهارة من السوء، كما هو طاهر وبريء.

قال الله تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 12 - 13] .

والقصد من وراء هذا عدم السماح للفاحشة أن تظهر، ولو على ألسنة المتكلمين، أو في أذهان السامعين تركيزًا للطهارة وتثبيتًا لها في جو البلاد والعباد، وفي هذا من معنى محاربة الفاحشة بالوقاية مالا يخفى على عاقل.

حرّم الإسلام قذف العفيفين والعفيفات، ووضع لذلك عقوبة زاجرة، وهي الجلد ثمانين جلدة، مع إسقاط عدالته حتى يتوب توبة نصوحًا، مالم يحضر أربعة شهود على صحة ما قاله.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] .

إلى جانب هذا يستحق القاذف اللعنة في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23] .

يقول سيد قطب في بيان حكمة حد القذف: «أن اطراد سماع التهم يوحي إلى النفوس المتحرجة من ارتكاب الفعلة أن جو الجماعة كله ملوث، وأن الفعلة فيها شائعة، فيقدم عليها من كان يتحرج منها، وتهون في حسه بشاعتها بكثرة تردادها، وشعوره بأن كثيرين غيره يأتونها!» 144.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19] .

قال ابن تيمية في تفسيرها: «وهذا ذم لمن يحب ذلك. وذلك يكون بالقلب فقط، ويكون مع ذلك باللسان والجوارح. وهو ذم لمن يتكلم بها أو يخبر بها. محبة لوقوعها في المؤمنين، إما حسدًا أو بغضًا، أو محبة للفاحشة. فكل من أحب فعلها، ذكرها. وكره العلماء الغزل من الشعر الذي يرغّب فيها» 145.

فنبّه إلى أن مجرد حب الفاحشة عمل على إيجادها وانتشارها، وأن الفاحشة البغيضة يجب أن تطرد من القلوب والنفوس، قبل أن تطرد من العضلات والحركات.

من حرمة البيوت في الإسلام أنه لا يجوز دخولها إلا بعد الإذن.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 27 - 28] .

يقول الجصاص: «روي عن ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم وقتادة قالوا: الاستئناس: الاستئذان. فيكون معناه: حتى تستأنسوا بالإذن، وإنما سمّي الاستئذان استئناسًا لأنهم إذا استأذنوا أو سلّموا أنس أهل البيت بذلك، ولو دخلوا عليهم بغير إذن لاستوحشوا» 146.

ويقول أبو السعود: «إثر ما فصل عن الزّنا وعن رمي العفائف عنه شرع في تفصيل الزّواجر عمّا عسى يؤدّي إلى أحدهما، من مخالطة الرجال والنساء ودخولهم عليهنّ في أوقات الخلوات» 147.

ويجب الاستئذان ولو كان الباب مفتوحًا، فيجب الاستئذان على من يريد دخول البيت سواء كان الباب مغلقًا أو مفتوحًا؛ لأن الشرع قد أغلقه بالتحريم للدخول، حتى يفتحه الإذن من ربه 148.

والاستئذان واجب على كل بالغ يريد الدخول، سواء كانت في البيت أمه أو أخته أو ابنته، إلا الزوج فليس عليه أن يستأذن للدخول وليس في البيت إلا زوجته.

قال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 59] .

ووضحّت السنة الهدف من الاستئذان، وهو خشية أن تقع عين آثمة على عورة غافلة، فتلد تلك النظرة الخاطفه فاحشة فاضحة، لا قبل بتحملها.

فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) 149.

وهده طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في الاستئذان:

فعن عبد الله بن بسر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، فيقول:(السلام عليكم .. السلام عليكم) ذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور) 150.

فهذه الآداب تبرز لنا مدى عناية الإسلام بحرمة البيوت، وكيف أعطاها التشريع الإلهي من القداسة ما يجعلها في مأمن من الشكوك والريب، وفي حصانة من جراثيم الفساد، وعوامل الانهيار.

فإن المرأة مظنة الشهوة والطمع، وهي لا تكاد تقي- نفسها، لضعفها ونقصها، ولا يغار عليها مثل محارمها، الذين يرون أن النيل منها نيل من شرفهم وعرضهم، وسفرها بدون محرم يعرضها إلى الخلوة بالرجال ومحادثتهم، وقد يطمع فيها من في قلبه مرض، وربما سهل خداع المرأة، وربما يعتريها مرض، وإذا سلمت من كل هذا فلن تسلم من القيل والقال إذا سافرت بدون محرم يصونها ويرعاها.

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) ، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ قال: (انطلق فحج مع امرأتك) 151.

قال النووي: «المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كبيرة، وقد قالوا: «لكل ساقطة لاقطة» ، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطتهم من لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته وحيائه» 152.

ومما ينبغي التنبيه له أن سفر المرأة في صحبة آمنة من النساء مسموح به شرعًا، خاصة أن قوالب السفر تغيرّت عن الماضي وسيلة وأغراضًا، وأمنًا وسيطرة على الطريق والمطارات والمواني وخلاف ذلك، وخاصة إذا كانت كبيرة مسنة.

ومما يدل على ذلك ما ورد عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: أذن عمر رضي الله عنه، لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجّها، فبعث معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف 153.

ووجه الدلالة أن الصاحبين الجليلين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما لم يكونا محرمين لأمهات المؤمنين، وقد سافر الصحابيان الجليلان بهنّ من غير نكير من باقي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فلا مانع من سفر المرأة مع نسوة ثقات أو وجود الأمن.

قال ابن حجر: «ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أمن الطريق أول أحاديث الباب 154 لاتفاق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي صلى الله عليه و سلم على ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك» 155.

وقال ابن تيمية: «وتحج كل امرأة آمنة مع عدم محرم، قال أبو العباس: وهذا متوجه في سفر كل طاعة» 156.

فتبًّا لهؤلاء المستغربين، وسحقًا سحقًا لعبيد المدنية الزائفة الذين أطلقوا لبناتهم ونسائهم العنان يسافرن دون محرم، ويخلون بالرجال الأجانب، مدّعين أن الظروف تغيرت، وأن ما اكتسبته المرأة من التعليم، وما أخذته من الحرية يجعلها موضع ثقة أبيها وزوجها، فما هذا إلا فكر خبيث دلف إلينا ليفسد حياتنا، وما هي إلا حجج واهية ينطق بها الشيطان على ألسنة هؤلاء الذين انعدمت عندهم غيرة الرجولة والشهامة فضلًا عن كرامة المسلم ونخوته 157.

1.الحجاب له فوائد وثمرات لا تحصى، تعود على الأفراد -نساء ورجالًا- وعلى المجتمعات، وهذه الفوائد يمكن بيانها كالآتي 158:

1.الحجاب طاعة لله عز وجل وطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم.

أوجب الله طاعته وطاعة رسول صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]

وقد أمر الله سبحانه النساء بالحجاب فقال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] .

وقال سبحانه: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] .

وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59] .

والله سبحانه وتعالى لم يخاطب بالحجاب إلا المؤمنات، فقد قال سبحانه: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ} .

وقال عز وجل: {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} .

2.الحجاب عفة.

فقد جعل الله تعالى التزام الحجاب عنوان العفة، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ} [الأحزاب: 59] .

لتسترهن بأنهن عفائف مصونات {فَلَا يُؤْذَيْنَ} فلا يتعرض لهن الفساق بالأذى، وفي قوله سبحانه {فَلَا يُؤْذَيْنَ} إشارة إلى أن معرفة محاسن المرأة إيذاء لها ولذويها بالفتنة والشر.

والله عز وجل فرض الحجاب على المرأة محافظة على عفة الرجال أيضًا الذين قد تقع أبصارهم عليها؛ لأن بلاء الرجال بما تقع عليه أبصارهم من مغريات النساء وفتنتهن هو المشكلة التي أحوجت المجتمع إلى حلّ، فكان في شرع الله ما تكفّل به على أفضل وجه.

3.الحجاب طهارة.

بيّن الله سبحانه الحكمة من تشريع الحجاب، وأجملها في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53] .

فوصف الحجاب بأنه طهارة لقلوب المؤمنين والمؤمنات؛ لأن العين إذا لم تر لم يشته القلب، ومن هنا كان القلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر؛ لأن الحجاب يقطع أطماع مرضى القلوب: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32] .

4.الحجاب ستر.

عن يعلى بن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى حيي ستير، يحب الحياء والستر) 159.

قال سبحانه ممتنًّا على عباده: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] .

قال عبد الرحمن بن أسلم: يتقى الله فيواري عورته، فذاك لباس التقوى 160.

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عز وجل عنها ستره) 161؛ لأن الجزاء من جنس العمل.

5.الحجاب تقوى.

قال سبحانه: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] .

ويستفاد من الآية أن هناك تلازمًا بين ستر ما أوجب الله ستره، وبين التقوى، كلاهما لباس، هذا يستر عورات القلب ويزينه، وذاك يستر عورات الجسم ويزينه، وهما متلازمان، فمن شعور التقوى لله والحياء منه ينبثق الشعور باستقباح التكشف والحياء منه.

وقد قال عبد الرحمن بن أسلم: يتقى الله فيواري عورته، فذاك لباس التقوى 162.

6.الحجاب إيمان.

فالله سبحانه وتعالى لم يخاطب بالحجاب إلا المؤمنات فقال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59] .

ولما دخل نسوة من بني تميم على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عليهن ثياب رقاق قالت: «إن كنتن مؤمنات فليس هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتين غير مؤمنات فتمتعن به» 163.

7.الحجاب حياء.

الحياء من أبرز الصفات التي تنأى بالمرء عن الرذائل، وتحجزه عن السقوط إلى سفساف الأخلاق، وحمأة الذنوب، كما أن الحياء من أقوى البواعث على الفضائل وارتياد معالي الأمور.

عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحياء لا يأتي إلا بخير) 164.

«والحياء نوعان: أولهما: نفسي، وهو الذي خلقه الله تعالى في جميع النفوس، كحياء كل شخص من كشف عورته والوقاع بين الناس، والآخر: إيماني، وهو خصلة تمنع المؤمن من ارتكاب المعاصي خوفا من الله تعالى، وهذا القسم من الحياء فضيلة يكتسبها المؤمن، ويتحلى بها، وهي أم كل الفضائل الأخرى.

فلذلك وجب على المسلمين أن يعودوا بناتهم على الحياء، والتخلق بهذا الخلق الذي اختاره الله تعالى لدينه القويم؛ لأن عدم الحياء علامة لزوال الإيمان، ولا يخفى ما يتولد عن ذلك من العواقب الوخيمة» 165

فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحياء والإيمان قرنا جميعًا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر) 166.

إن التجرد من خلق الحياء مدرجة الهلاك، والسقوط من درك إلى درك إلى أن يصبح الإنسان صفيق الوجه، وينزع منه خلق الإسلام، فيجترئ على المخالفات، ولا يبالي بالمحرمات، وهناك تلازم بين ستر ما أوجب الله ستره، وبين التقوى، كلاهما لباس، هذا يستر عورات القلب ويزينه، وذاك يستر عورات الجسم ويزينه، وهما متلازمان، فمن شعور التقوى لله والحياء منه ينبثق الشعور باستقباح التكشف والحياء منه.

إن مسارعة آدم وحواء إلى ستر عوراتهما بأوراق الشجر دليل على أن الحياء عنصر أصيل مركوز في فطرة الإنسان، فعليه أن يهتم به، ويحافظ عليه، ويصونه من أن يثلم، ففي صيانته، وسلامته سلامة للفطرة عن أن تمسخ أو تحرّف.

ففي محافظة المرأة على حجابها دليل على حيائها، وفي تركها لحجابها علامة على قلة حيائها.

8.الحجاب يناسب الغيرة.

إن الحجاب يتناسب مع الغيرة التي جبل عليها الإنسان السوي، والغيرة غريزة تستمد قوتها من الروح، والتحرر عن القيود غريزة تستمد قوتها من الشهوة، فهذه تغري بالسفور، وتلك تبعث على الاحتجاب.

وقد نزلت آية الحجاب بسبب غيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله عنه قال عمر رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت