فهرس الكتاب

الصفحة 2119 من 2431

السماحة

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (س م ح) تدل على «سلاسة وسهولة. يقال: سمح له بالشيء. ورجل سمح، أي: جواد، وقوم سمحاء ومساميح. ويقال: سمح في سيره، إذا أسرع» 1.

فالسَماحُ والسَماحَةُ: الجود. وسَمَحَ به: أي جاء به. وسَمَحَ لي: أعطاني 2.

ومعنى الحَنِيفِيَّة السّمْحَةُ: ليس فيها ضيق ولا شدّة 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرفها الجرجاني بقوله: «السماحة هي بذل ما لا يجب تفضّلًا» 4.

وعرفها الشيخ فالح الصغير بقوله: «تطبيق الأحكام الشرعية بصورة معتدلة، كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تشدّد يحرّم الحلال، ولا تميّع يحلّل الحرام» 5.

وهو تعريف جميل، ويحمل معاني قوية حاسمة لمدلول هذا المصطلح؛ لكنه -وإن كان عامًّا- إلا أن القارئ يستشعر من هذا التعريف أنه يختص بالأحكام الشرعية، وبجوانب تتعلق بالعبادات والمعاملات، غير أن البحث الذي نحن بصدده يتعلق بالسماحة كخلق تهذيبي للنفس، وبالتالي فإن هذا التعريف لم يظهر هذا الجانب بوضوح وجلاء.

ويمكن أن يقال في تعريف السماحة في الاصطلاح: التطبيق العملي لمنهج الإسلام، بما يضمن بيان مقاصد الدعوة إلى الله تعالى، التي تحث على الاعتدال من غير تشدّد يحرّم الحلال، ولا تميّع يحلل الحرام في شتى مناحي الدين الإسلامي.

اليسر:

اليسر لغة:

تدل كلمة اليسر في اللغة على السهولة واللين والانقياد 6.

اليسر اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، قيل: عمل فيه لين وسهولة وانقياد، أو هو رفع المشقة والحرج عن المكلف بأمر من الأمور لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم 7، وقيل: «التخفيف في الأحكام الشرعية، في أصلها أو بسبب ما طرأ عليها» .

الصلة بين اليسر والسماحة:

يشتركان في معنى السهولة والسلاسة ورفع الحرج والضيق والمشقة، وربما يكون اليسر من السماحة.

العفو:

العفو لغة:

العفو مصدر عفا يعفو عفوًا، والعفو يطلق على معنيين أصليين: أحدهما: ترك الشيء، والآخر: طلبه 8.

العفو اصطلاحًا:

هو التجافى عن الذنب، ومن ذلك قولهم في الدعاء: أسألك العفو والعافية. أي: أسألك ترك العقوبة، وأسألك السلامة 9.

وقيل: كفّ الضّرر مع القدرة عليه، وكلّ من استحقّ عقوبة فتركها، فقد عفا 10.

الصلة بين العفو والسماحة:

قيل: العفو هو إسقاط العقوبة بدون إسقاط الذنب. والمسامحة: هو إسقاط المؤاخذة واللوم بغض النظر عن إسقاط العقوبة عن المذنب؛ وذلك أن أصل المسامحة هو السماح، أي: الجود، فالمسامح قد جاد على المذنب بأن ترك المؤاخذة.

الصفح:

الصفح لغة:

يعني ثلاثة معانٍ، وهي: الجانب، والإعراض والترك، والعفو 11.

الصفح اصطلاحًا:

هو التجاوز عن المذنب تمامًا بترك مؤاخذته وعقابه.

وقيل: «هو ترك التأنيب» 12.

الصلة بين الصفح والسماحة:

أصل الصفح هو إبداء صفحة جميلة من الوجه ومنه قلب الصفحة أيضًا؛ لذا قيل: «الذي يصفح كأنه يولي بصفحة العنق» ، إعراضًا عن الإساءة، فالصفح أعلى من العفو والمسامحة.

أولًا: السماحة في الاعتقاد:

عرض القرآن الكريم مفهوم السماحة في الاعتقاد، عبر أروع جوانبها، وذلك على النحو الآتي:

1.ذكرٌ أمين لأقوال الكفار.

بما فيه مؤامرات مبيّتة على الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته، ومن ثم الرد المطوّق لكافة ادّعاءاتهم، وكلّ هذا بأسلوب الرد الدعويّ، الذي ينير الطريق، ولا يقف عند الأحقاد.

ومثال هذا قوله تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 72 - 76] .

فإن هذه الآيات ذكرت مدلولات عظيمةً للسماحة في الاعتقاد، وذلك أن الآية الثانية والسبعين تذكر أن اليهود قال بعضهم لبعض: أظهروا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم أول النهار، واكفروا به آخره؛ ليتم التشكيك بدعوة الإسلام.

ومن ثمّ -حسب أمانيّ اليهود- يرجع هؤلاء الموحدون عن إيمانهم، ونصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يمارس أولئك اليهود أحقادهم الخفية، وذلك بأمرهم لأتباعهم ألّا يتأثروا بدعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما يكون الإيمان لمن تبع دينكم، فيأتي الرد الربانيّ بأن الهدى الحقيقي هو هدى الله تعالى ونحن عليه.

«فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم: لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أي لا إيمان لهم ولا حجة، فعطف على المعنى من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات، أي: أنها لا تكون إلا فيكم فلا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم» 13 حتى تكون لهم حجة عند الله تعالى.

فيكون الرد أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم مأمور من الله تعالى أن يقول لهم بأن الفضل والتكرم بيد الله تعالى، لا بيد غيره، والله واسع عليم، فله اختصاص الرحمة لمن يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم، ويشعر بذلك من يهتدي إلى الحق 14.

وتأمّلنا في تلك الألفاظ يجعلنا نعيش مع جمال أسلوب الدعوة مع المتآمرين، ثم يبين الله تعالى لنا منهجية الإنصاف في الحكم عليهم، فإن من أهل الكتاب، من يؤمّن في المال ولو بقنطار وما دونه؛ فهو يؤدّيه إلى صاحبه دون مماطلة، ومنهم -وهم الأكثرون- من إن أمّنته بدينار من المال؛ فإنه يبقى مماطلًا إلا إذا طالبت ولازمت، وألححت لاستخلاص حقك، وإن الذي جعلهم يجحدون الحقوق أنهم ظنّوا -كذبًا- أنّه لا حرج عليهم أن يفعلوا ذلك مع الأميين، -وهم العرب-، مدّعين أن الله أحلها لهم، فهم يعلمون علم اليقين بأنهم كذّابون في ادّعائهم 15.

ثم تستطرد هذه الآيات مبينةً سماحة الإسلام العظيم، وذلك ببيان أنه ليس الأمر كما قالوا، ولفظة (بلى) لمجرد نفي ما قبلها، وعلى هذا فإن من أوفى بعهده والتزاماته، فإن الله تعالى يحب المتقين، وهي صفة إيمانية تقرّب قلوب الحيارى منهم إلى الدين 16.

لا يجبر الإنسان على الإيمان شرط ألّا يكون محاربًا، ومثل هذا قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] .

فإن هذه الآية الكريمة قد اختلف في تفسيرها 17.

وذكر ابن كثير بأنّ المعنى: «لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيّنٌ واضحٌ جليٌّ دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحدٌ على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا» 18.

وقد ذكرت كتب التفسير عددًا من الأحداث التي كانت سببًا لنزول هذه الآية، وكلها سليمة الدراية، لكننا سنذكر حدثًا واحدًا ذكره الواحدي، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت المرأة من نساء الأنصار تكون عندها مشكلة في الإنجاب، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية 19.

الرخصة لمن أكره على الكفر شرط ألّا ينشرح الصدر به، ومثل هذا قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) } [النحل: 106] .

حيث إنه لمّا بيّنت الآية السابقة الذين لا يؤمنون مطلقًا، بل إن من صفاتهم أنهم عريقون في الكذب ظاهرًا وباطنًا؛ تذكر هذه الآية الكريمة صنفًا من هؤلاء الكاذبين الكفار، فهم أشد خطرًا، سواء أكانوا مؤمنين بالفعل ثم كفروا، أو أنهم أقيمت الحجة عليهم عبر الأدلة الكثيرة الموجبة للإيمان، ولكن هذا الكافر جحد بالله تعالى، واستكبر على آياته الكونية والمتلوة، لكن سماحة الإسلام تتضح هنا، وذلك من خلال أن الذي كفر من لسانه خوفًا على حياته، فإنه معفوٌّ عنه، مع أولوية الأخذ بالعزيمة، إن كان في ذلك إغاظة لأعداء الله تعالى، ويشترط لمن أكره على الكفر ألّا يكون صدره منشرحًا بذلك، فإن من كان كذلك، فهو الكاذب، وعليه غضب من الله تعالى، ولهم عذاب عظيم 20.

«قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسرًا، وأمه سمية، وصهيبًا، وبلالًا وخبابًا، وسالمًا؛ فعذّبوهم، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين، وجيء قُبُلَها بحربة، وقيل لها: إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت، وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام، وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهًا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، بأن عمارًا كفر، فقال: (كلا، إن عمارًا ملئ إيمانًا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه) ، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله عليه الصلاة والسلام يمسح عينيه، وقال: (إن عادوا لك فعد لهم بما قلت) 21، فأنزل الله تعالى هذه الآية» 22.

2.الدين يؤاخي بين المؤمنين.

ومثل هذا قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10] .

«أي: إنما المؤمنون إخوة في الدين؛ فأصلحوا بينهم إذا اقتتلوا؛ بأن تحملهم على حكم كتاب الله عز وجل» 23، وإن الأسلوب هنا أسلوب حصريٌّ، يحصر ضابط أخوة الدين على المؤمنين، وإن المؤمنين بعضهم أولياء بعض؛ لأنهم يتعاونون على جامع الخير، وينتهون عن جامع الشر، كما قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .

3.وجوب إجارة المستجير.

قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] .

فقد ذكرت الآية الكريمة أنه إذا استجار أيٌّ من المشركين الذين أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فإنه يؤمر بتأمينه، حتى يسمع كلام الله، ويقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، ويذكر له شيئًا من جوانب الدين وسماحته، ثم يبقى حتى يبلغ المكان الآمن، فهم لا يعلمون شيئًا عن الدين 24، عن ابن عبّاسٍ، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، ويردّ على أقصاهم) 25.

4.وجوب استقامة العهد مع الذين عوهدوا من قبل المسلمين.

قال تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7] .

حيث تبين هذه الآية الكريمة أن من بقي ملتزمًا بعهده، -رغم نقض الآخرين كبني كنانة، وبني ضمرة يوم الحديبية-؛ فإن الدين يلزمنا أن نستقيم بالعهد مع من كان مستقيمًا بالعهد من المشركين، فإن الله تعالى يحب المتقين 26.

5.شرح آيات القرآن الكريم أصول الاعتقاد.

حتى يبقى المنهج الإسلامي واضحًا لا يعتريه أيّ نقص أو اختلاف، فهو من عند عليم حكيم، ولذلك فقد تم الخلوص إلى نتيجة، وهي أن جوهر الاعتقاد سماحة، وصدق الله تعالى، حيث يقول: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165] .

ثانيًا: السماحة في التشريع:

إن الشريعة المقصودة، هي تلك الممارسة الإيمانية الصادقة للاعتقاد الرباني، وقد توسّع الخطاب القرآني في بيان سماحة الإسلام في كل تشريع من التشريعات الإسلامية، وهذه بعضها:

1.عدم تحميل النفس ما لا تطيق.

قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] .

حيث تبدأ هذه الآية بجملة استئنافية على الأرجح؛ لتقرر أن الله تعالى هو الذي يقول: بأنه لا يكلف الله تعالى نفسًا بما لا تطيق، فإن ثمرة التزام الصحابة بما لا يستطيعون أن الله تعالى صرف عنهم الحرج، ورفع عنهم ما لا يطيقون 27.

2.آيات كثيرة تتحدث عن الرخص.

منها قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 145] .

حيث ذكر الإمام السيوطي نقلًا عن الإمام الشافعي أن هذه الآية لا تعني أن الحرام من المطعومات فقط في هذه الآية، وإنما تعني أن الكفار كانوا على المحادة والمضادة، كأن تقول لواحد: لا تأكل اليوم حلاوة، فيقول لك: لا آكل اليوم إلا حلاوة، وفي ذلك يقول إمام الحرمين: ولولا سبق الإمام الشافعي لما استطعنا أن نستجيز مخالفة الإمام مالك في جواز أكل الكلاب 28.

وإن هذه الآية -كما آيات الرّخص- تذكر بوضوح عظمة السماحة التي تميّزت بها الشريعة السمحة، وذلك أن الشريعة لم تأت لتحريم كل شيء، وإنما لضبط المنفعة في الدنيا والآخرة، بما يكفل سعادة حقيقية دائمة للفرد والمجتمع.

3.التدرج في التشريع.

وقد حفل القرآن الكريم بشواهد كثيرة للتدرج، بما يعزز مفهوم السماحة، ومدلولها من الناحية العملية، ومثال هذا آيات الخمر، حيث ذكرت الآيات الأربعة، وتوضيح ذلك:

أن الآية الأولى نزلت في مكة، وهي قوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 67] .

حيث بيّنت هذه الآية المكية أنّ السكر مبغضٌ إلى أهل الإيمان، ولكن الله تعالى أشار إلى ذلك؛ تركًا للزمان، فهو في هذه الأزمان كان محل عفو 29.

وقد جاءت الآية الثانية في المدينة في أول الهجرة؛ وهي قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] .

حيث ذكرت هذه الآية المفاسد وتركت للخلق الحكم عليها؛ إذ كانت الخمر جزءًا لا يتجزأ من عاداتهم التي ألفوها 30.

ثم جاءت الآية الثالثة؛ لتضع تطبيقًا عمليًّا تدريجيًّا لمنع الخمر، -إذ إن هذا بإلف عادتهم-، فقامت بحصر الأوقات، وتضييقها؛ لمنع الخمر وتعاطيها 31.

وذلك في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43] .

وما إن تهيّأت النفوس، حتى جاء الخطاب القرآني الحاسم بمنع الخمر، وتحريم تعاطيها، بل ومعاقبة من يفعل ذلك في الدنيا قبل الآخرة، فنزل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90 - 91] .

عندها ما كان من المسلمين إلا أن تخلّصوا من الخمر التي في بيوتهم؛ فأضحت شوارع المدينة وديانًا من الخمر 32.

وهذا التدرج، وكل أمثلته مما لم نذكره دالٌّ على سماحة الإسلام في تشريعاته.

4.رفع الحرج في التشريعات.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] .

ذكر الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى خمسين حكمًا فقهيًّا مستنبطًا من هذه الآية، جلّها يبين عظمة السماحة القرآنية 33.

وقد سبقت الإشارة أنّ السماحة تكون في كل تشريعٍ من التشريعات؛ حتى في القتال، فهو وإن بدا في ظاهره أنه قتال؛ إلا أنه لأجل الرحمة بالعموم، وهي مدلولٌ عظيمٌ لسماحة الإسلام.

ثالثًا: السماحة في الدعوة إلى الله:

إن سماحة الإسلام تقتضي أن يكون توجيه طاقات المسلمين إلى الدعوة إلى الله تعالى؛ حتى لا يبقى شقيٌّ ولا محروم من الدعوة في هذه الأرض، وبالتالي فإن الرحمة واللين في الدعوة يجب أن يكونا سمة الداعية، وقد حفل الكثير من الآيات القرآنية ببيان السماحة في الدعوة إلى الله تعالى، من خلال بيان الرحمة واللين في الدعوة إلى الله تعالى، وهذه أمثلة من ذلك:

أولًا: رحمة القلب الداعي إلى الله تعالى بالخلق جميعًا.

وقد شهد القرآن الكريم مواقف عظيمة للقلب الرحيم، المتمثل في النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت