فهرس الكتاب

الصفحة 1886 من 2431

يا سبحان الله لقد جعل الحكيم العليم للقمر نورًا، وللشمس سراجًا، لأن الدنيا ستصبح بنور الشمس على أنه نور قوى شديد، ونور القمر بسيط يضيء في الليل نوعا ما، وهو نور منعكس ليس من ذات القمر، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) } [يونس:5] .

وقد توصل العلم إلى بعض الحقائق الثابتة في كتاب الله ثم لفت نظرهم إلى أنفسهم فقال: والله أنبتكم من الأرض نباتًا نعم هو خلقنا من تراب، فعناصرنا المادية تراب مخلوط بماء، ثم كانت النطفة، والنطفة خلاصة الدم، والدم من الغذاء والغذاء من الأرض، فالله سبحانه أنبت الإنسان من الأرض نباتا كالشجر، ولكنه ميزه عنه بالحياة الحيوانية، ثم كمله بالعقل والتفكير، وشرفه بالرسالات الإلهية، فما لكم لا تؤمنون، لأى سبب تكفرون.

ثم بعد هذا يعيدكم إلى الأرض أمواتا، ثم يخرجكم منها إخراجا للبعث والجزاء ثم لفت نظرهم إلى الأرض التي أقلتهم فقال: لقد جعلت لكم الأرض بساطًا، فهي ممهدة للعيش، ميسرة سهلة للانتقال، لتسلكوا منها طرقا واسعة توصلكم إلى أغراضكم» 62.

وقال الله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) } [الرحمن:19 - 21] .

والمراد بالبحرين: البحر العذب، والبحر الملح. والبرزخ: الحاجز الذي يحجز بينهما، بقدرة الله تعالى. والمعنى: خلق الله تعالىلبحرين، وأرسلهما بقدرته في مجاريهما، بحيث يلتقيان ويتصل أحدهما بالآخر، ومع ذلك لم يختلطا، بل يبقى المالح على ملوحته. والعذب على عذوبته، لأن حكمة الله قد اقتضت أن يفصل بينهما، بحواجز من أجرام الأرض، أو بخواص في كل منهما، تمنعهما هذه الخواص وتلك الحواجز، من أن يختلطا، ولولا ذلك لاختلطًا وامتزجًا، وهذا من أكبر الأدلة على قدرة الله تعالى، ورحمته بعباده، إذ أبقى الله تعالىلمالح على ملوحته، والعذب على عذوبته، لينتفع الناس بكل منهما في مجال الانتفاع به فالماء العذب ينتفع به في الشراب للناس والدواب والنبات والماء الملح ينتفع به في أشياء أخرى، كاستخراج الملح منه، وفي غير ذلك من المنافع ومن بديع صنع الله في هذا الكون، أنك تشاهد البحار الهائلة على سطح الأرض، والأنهار الكثيرة، ومع ذلك فكل نوع منهما باق على خصائصه، مع أن كلا منهما قد يلتقي بالآخر. والمراد بالبرزخ بينهما: الفاصل بين الماءين: الحلو والملح بحيث لا يغير أحد البحرين طعم الآخر بجواره وذلك بسبب ما في كل منهما من خصائص تدفع عنه اختلاط الآخر به وهذا من مسائل الثقل النوعي 63.

قال سيد قطب في تفسيره: «والبحران المشار إليهما هما البحر المالح والبحر العذب، ويشمل الأول البحار والمحيطات، ويشمل الثاني الأنهار. ومرج البحرين أرسلهما وتركهما يلتقيان، ولكنهما لا يبغيان، ولا يتجاوز كل منهما حده المقدر، ووظيفته المقسومة، وبينهما برزخ من طبيعتهما من صنع الله.

وتقسيم الماء على هذا النحو في الكرة الأرضية لم يجئ مصادفة ولا جزافا. فهو مقدر تقديرا عجيبا. الماء الملح يغمر نحو ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية ويتصل بعضه ببعض ويشغل اليابس الربع. وهذا القدر الواسع من الماء المالح هو اللازم بدقة لتطهير جو الأرض وحفظه دائما صالحا للحياة. وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور-ومعظمها سام-فإن الهواء باق دون تلوث في الواقع-ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء-أي المحيط-ومن هذه الكتلة الضخمة الواسعة تنبعث الأبخرة تحت حرارة الشمس وهي التي تعود فتسقط أمطارا يتكون منها الماء العذب في جميع أشكاله. وأعظمها الأنهار.

والتوافق بين سعة المحيط وحرارة الشمس وبرودة طبقات الجو العليا، والعوامل الفلكية الأخرى هو الذي ينشأ عنه المطر الذي تتكون منه كتلة الماء العذب. وعلى هذا الماء العذب تقوم الحياة، من نبات وحيوان وإنسانوتصب جميع الأنهار-تقريبا-في البحار. وهي التي تنقل إليها أملاح الأرض، فلا تغير طبيعة البحار ولا تبغي عليها. ومستوى سطوح الأنهار أعلى في العادة من مستوى سطح البحر، ومن ثم لا يبغي البحر على الأنهار التي تصب فيه، ولا يغمر مجاريها بمائه الملح، فيحولها عن وظيفتها ويبغي على طبيعتها! وبينهما دائما هذا البرزخ من صنع الله. فلا يبغيان» 64.

وقال تعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) } [النازعات:27 - 33] .

أي: أبعثكم -أيها الناس- بعد الموت أشد في تقديركم أم خلق السماء؟ رفعها فوقكم كالبناء، وأعلى سقفها في الهواء لا تفاوت فيها ولا فطور، وأظلم ليلها بغروب شمسها، وأبرز نهارها بشروقها. والأرض بعد خلق السماء بسطها، وأودع فيها منافعها، وفجر فيها عيون الماء، وأنبت فيها ما يرعى من النباتات، وأثبت فيها الجبال أوتادًا لها. خلق سبحانه كل هذه النعم منفعة لكم ولأنعامكم.

إن إعادة خلقكم يوم القيامة أهون على الله من خلق هذه الأشياء، وكله على الله هين يسير 65.

خامسًا: الأحكام الشرعية:

تعتبر الأحكام الشرعية مجال من مجالات الفقه والفهم والتدبر لما تضمنته من حكم وفوائد وعلل.

ففي فريضة الصلاة: قال الله تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) } [العنكبوت:45]

أي: اتل ما أنزل إليك من هذا القرآن، واعمل به، وأد الصلاة بحدودها، إن المحافظة على الصلاة تنهى صاحبها عن الوقوع في المعاصي والمنكرات؛ وذلك لأن المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها، يستنير قلبه، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل أو تنعدم رغبته في الشر، ولذكر الله في الصلاة وغيرها أعظم وأكبر وأفضل من كل شيء. والله يعلم ما تصنعون من خيرٍ وشر، فيجازيكم على ذلك أكمل الجزاء وأوفاه 66.

وفي فريضة الصيام: قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) } [البقرة:183]

أي: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم حيث كان الصوم مفروضًا على من تقدمنا من الأمم لعلكم بسبب هذا الصيام تتقون الله تعالى، وتخشون غضبه، وتعملون بأوامره؛ ومن هذا يعلم أن الصيام يبعث على الإيمان الصادق، ويرقق القلب، ويصفي النفس، ويعين على خشية الله تعالى؛ ولذا استعان به الأنبياء في تحقيق مآربهم، والأولياء في تهذيب نفوسهم، والخاصة في شفاء قلوبهم، والعامة في شفاء جسومهم 67.

وفي حكم القصاص قال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) } [البقرة:179]

أي: وفي شرع القصاص لكم-وهو قتل القاتل-حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المهج وصونها؛ لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس. وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل. فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ، وأوجز 68.

وفي مجال تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام: قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) } [المائدة:90]

أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إنما الخمر: وهي كل مسكر يغطي العقل، والميسر: وهو القمار، وذلك يشمل المراهنات ونحوها، مما فيه عوض من الجانبين، وصدٌ عن ذكر الله، والأنصاب: وهي الحجارة التي كان المشركون يذبحون عندها تعظيمًا لها، وما ينصب للعبادة تقربًا إليه، والأزلام: وهي القداح التي يستقسم بها الكفار قبل الإقدام على الشيء، أو الإحجام عنه، إن ذلك كله إثمٌ من تزيين الشيطان، فابتعدوا عن هذه الآثام، لعلكم تفوزون بالجنة 69.

وفي مجال آداب الاستئذان: قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) } [النور:27] .

النداء للذين آمنوا، وفي ذلك إشارة إلى ما يطلبه سبحانه من خواص أهل الإيمان، وهو من الأدب الذي يناسب إيمانكم وهو عدم التهجم على الأسر، وتكشف أستارها، وتحاشى إزعاجها، فعليكم أن تطلبوا الأنس بأهلها وتزيلوا الوحشة التي تحدثها المفاجأة، والسين والتاء للطلب، وقيل حتى تستأذنوا ونقول: الاستئناس أدق في التعريف وأدل على الاستعلام، لأن الاستئذان الإذن المجرد، وتتحقق الإجابة بالإذن، أما الاستئناس فطلب الأنس وإزالة الوحشة، وذلك لا يتحقق بمجرد الإذن بل لابد لتحققه من إيجاد الألفة، وهو يتضمن في تحقيق طلب الإذن، والاستجابة بالإذن فعلًا.

وإن هذا يتضمن في معناه ومغزاه النهي عن التجسس والتحسس، وظن السوء، وأنه يجب أن يظن خيرًا.

وإنه من تمام الاستئناس السلام، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل بيتا سلم ثلاث مرات، ولا يكتفي بسلام واحد إعلامًا لمن يدخل عليهم، واستئناسًا لهم، وإزالة لوحشة المفاجأة 70.

كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الاستئذان ثلاثٌ، فإن أذن لك، وإلا فارجع) 71.

وفي مجال أحكام القتال: قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) } [الأنفال:15 - 16] .

أي: إذا لقيتم أعداءكم الكفار مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون زحفًا فلا تنهزموا أمامهم بل اثبتوا واصبروا ومن يولهم يوم اللقاء ظهره منهزمًا إلا في حال التوجه إلى قتال طائفة أخرى، أو بالفر للكر بأن يخيل إلى عدوه أنه منهزم ليغره مكيدة وهو من باب «الحرب خدعة» أو منضمًا إلى جماعة المسلمين يستنجد بهم فقد رجع بسخطٍ عظيم ومقره ومسكنه الذي يأوي إليه نار جهنم وبئس المرجع والمآل 72.

وسائل تحصيل الفقه متعددة وكثيرة يمكن تلخيصها في الآتي:

ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) } [التوبة:122] .

أي: وما كان ينبغي للمؤمنين في غير النفير العام أن يخرجوا جميعًا للقتال، فلولا نفر وخرج للقتال من كل فرقة كبيرة كالقبيلة أو البلد جماعة قليلة يقدر عددها بقدر الظروف والملابسات، وذلك ليتأتى للمؤمنين في جملتهم التفقه في الدين والوقف على أسرار التنزيل، فيكون حول النبي صلى الله عليه وسلم جماعة يتعلمون منه الأحكام، ويأخذون عنه القرآن حتى إذا ما رجع المجاهدون من الميدان بلغوهم ما نزل من القرآن وأوقفوهم على ما جد من الأحكام، وذلك كله رجاء أن يحذروا عقاب الله ويخافوا بطشه.

ومن هنا نعلم أن الآيات تشير إلى وجوب الجهاد العام إذا ما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وكذا الحاكم العام للغزو، أى: في حالة النفير العام وهذه تقدر بظروفها أما في غيرها فيخرج للجهاد بعض الشعب لا كله، وتشير الآية إلى أن تعلم العلم أمر واجب على الأمة جميعًا وجوبًا لا يقل عن وجوب الجهاد والدفاع عن الوطن واجب مقدس، فإن الوطن يحتاج إلى من يناضل عنه بالسيف وإلى من يناضل عنه بالحجة والبرهان، بل إن تقوية الروح المعنوية، وغرس الوطنية وحب التضحية، وخلق جيل يرى أن حب الوطن من الإيمان، وأن الدفاع عنه واجب مقدس. هذا أساس بناء الأمة، ودعامة استقلالها.

وتشير الآية الكريمة إلى أن غاية طلب العلم هو التفقه في الدين، وفهم أسراره فهما تصلح به نفس العالم حتى يكون ربانيًا وقرآنيًا، وأن أثر ذلك في الخارج هو الدعوة إلى الله، وإنذار قومك إذا رجعت إليهم، فتعلمهم، وتثقفهم، وتهديهم، وتربيهم على حب الخير، وعلى حب العمل والجد، وأن الله يحب المؤمن القوى في نفسه وعقله وخلقه وعلمه وبدنه، وهذه هي مهمة الرسل الكرام.

وإن وضع الآية التي تشير إلى العلم والتعلم في وسط آيات الجهاد والقتال لمن المعجزات التي كشف عنها هذا العصر، فإن الحروب اليوم تعتمد على العلم والفقه الحربي أكثر مما تعتمد على السلاح 73.

وفي هذه الآية أيضا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدا واحدا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور 74.

دلت الآية على الأحكام التالية:

1.الجهاد فرض كفاية، وليس فرض عين، إذ لو نفر الكل لتعطلت مصالح الأمة، وتضررت الأسر والأولاد، فليخرج فريق من المسلمين للجهاد، وليقم فريق يتفقهون في الدين، ويحفظون الحريم، ويصونون مصلحة البلاد، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع.

2.وجوب طلب العلم، والتفقه في القرآن والسنة، وهو فرض على الكفاية لا على الأعيان بدليل قوله تعالى: (? فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل:43] ، وعن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضةٌ على كل مسلمٍ) 75. والطائفة وإن أطلقت على الاثنين والواحد في اللغة، فلا شك إن المراد بها هنا جماعة لقوله تعالى: (ةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ) فجاء بضمير الجماعة، ولأن العلم لا يتحصل بواحد في الغالب.

3.يجب أن يكون المقصود من التفقه والتعلم دعوة الخلق إلى الحق، وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم لأن الآية أمرت بإنذارهم إلى الدين الحق، وعليهم أن يحذروا الجهل والمعصية، ويرغبوا في قبول الدين، فغرض المعلم الإرشاد والإنذار، وغرض المتعلم اكتساب الخشية.

وطلب العلم ينقسم قسمين:

وطلب العلم فضيلة عظيمة، ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل، عن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) 76.

وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاءً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظٍ وافرٍ) 77 78.

ومنه قوله تعالى: (?كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص:29] .

القرآن فيه خير كثير، وعلم غزير، فيه كل هدى من ضلالة، وشفاء من داء، ونور يستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه المكلفون، وفيه من الأدلة القطعية على كل مطلوب، ما كان به أجل كتاب طرق العالم منذ أنشأه الله.

أنزله الله ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود.

وأولو العقول الصحيحة، يتذكرون بتدبرهم لها كل علم ومطلوب، فدل هذا على أنه بحسب لب الإنسان وعقله يحصل له التذكر والانتفاع بهذا الكتاب 79.

ومنه قوله تعالى: (يَا يَحْيَى? خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ? وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ?12?) [مريم:12] .

أى: يا يحي خذ الكتاب بجد واجتهاد، وتفهم لمعناه على الوجه الصحيح، وتطبيق ما اشتمل عليه من أحكام وآداب، فإن بركة العلم في العمل به، وأعطيناه بقدرتنا وفضلنا فهم الكتاب، والعمل بأحكامه 80.

ومنه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ? وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69] .

أي: الذين هاجروا في سبيل الله، وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته، لنرشدهم إلى الطرق الموصلة إلينا.

دلت الآية على أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد، وعلى أن من أحسن فيما أمر به أعانه الله ويسر له أسباب الهداية، وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم الشرعي، فإنه يحصل له من الهداية والمعونة على تحصيل مطلوبه أمور إلهية، خارجة عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم، فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله، بل هو أحد نوعي الجهاد، الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق، وهو الجهاد بالقول واللسان، للكفار والمنافقين، والجهاد على تعليم أمور الدين، وعلى رد نزاع المخالفين للحق، ولو كانوا من المسلمين 81.

ومنه قوله تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ? وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى? إِلَيْكَ وَحْيُهُ ? وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه:114] .

ولما كانت عجلته صلى الله عليه وسلم على تلقف الوحي ومبادرته إليه تدل على محبته التامة للعلم وحرصه عليه أمره الله تعالى أن يسأله زيادة العلم، فإن العلم خير وكثرة الخير مطلوبة وهي من الله والطريق إليها الاجتهاد والشوق للعلم وسؤال الله والاستعانة به والافتقار إليه في كل وقت 82، قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: (اللهم فقهه في الدين) 83.

ومنه قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ? وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ? وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة:282] .

أي: واتقوا الله في جميع ما أمركم به ونهاكم عنه، وهو سبحانه يعلمكم ما فيه صلاح حالكم في الدارين وحفظ أموالكم، ولولا هديه لكم لم تعلموا شيئا، وهو العليم بكل شئ، فإذا شرع شيئًا من الأحكام فإنما يشرعه عن علم محيط بأسباب درء المفاسد، وجلب المصالح لمن اتبع شرعه وهداه 84.

جاء في تفسير الماتريدي: «علم الموهبة، ويقصد به العلم اللدني الرباني، قال تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف:65] .

الذي يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، ويفتح قلبه لفهم أسراره، قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ? وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ?) [البقرة:282] .

فهو ثمرة التقوى والإخلاص، ولا ينال هذا العلم من كان في قلبه بدعة أو كبر أو حب للدنيا أو ميل إلى المعاصي، قال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [الأعراف:146] .

وما أجمل قول الشافعي رحمه الله: قال الإمام الشافعي رضي الله عنه ورحمه:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي» 85.

لا شك أن الفقه نعمة من الله عز وجل لا يعطاها إلا من أخلص العبادة لله والتزم الطاعات واجتنب المحرمات، ولهذا ينبغي لمن أراد الحصول على الفقه والفهم أن يبتعد عن كل أسباب وموانع الفقه وهي كثيرة ومتعددة يمكن أن نجملها في الأمور الآتية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت