فهرس الكتاب

الصفحة 1593 من 2431

وقال الراغب الأصفهاني: «إن قيل: كيف قال: {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} وأفعل إنما يقال في شيئين أشركا في معنى واحد لأحدهما مزية، وقد علمنا أن لا شيء من التقوى ومن فعل الخير إلا هو من جملة العدالة فما معنى قوله: {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ؟

قيل: إن «أفعل» -وإن كان كما ذكرت- فقد يستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء، لا على ما عليه من حقيقة الشيء في نفسه، قطعًا لكلامه، وإظهار التبكية، فيقال لمن اعتقد مثلًا في زيد فضلًا -وإن لم يكن فيه فضل-، ولكن لا يمكنه أن ينكر أن عمرًا أفضل منه، فقال: أخدم عمرًا؛ فهو أفضل من زيد، وعلى ذلك قوله تعالى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] .

وقد علم أن لا خير فيما يشركون بوجه، والآية نزلت في يهود احتالوا النبي صلى الله عليه وسلم.

وقيل: في قريش لما صدوا المسلمين؛ فأمر الله تعالى المسلمين ألا يتركوا معهم مع ذلك استعمال العدالة.

إن قيل: كيف تصور الظلم وقد أبيح للمسلمين أن يقتلوهم ويسبوهم ويسلبوهم؟ وقيل: كل ذلك أبيح لهم على وجه دون وجه، متى أخل لمراعاة الحكم المسنون في شيء من ذلك فهو ظلم، بل من فعل الإنسان بالكافر، مع ما أمر أن يفعل به قصدًا إلى التشفي منه تحريًا لأمر الله، ففي ذلك تعديًا؛ فأوجب الله تعالى تحري العدالة مع كل محق ومبطل، وإقامة الشهادة بالحق في كل أمر، وبين الله أنه تعالى عالم بما يتحرونه، ولا يخفى عليه خافية» 175.

وقال القرطبي: «والمعنى: أتمم عليكم نعمتي فكونوا قوامين لله، أي: لأجل ثواب الله فقوموا بحقه، واشهدوا بالحق من غير ميلٍ إلى أقاربكم، وحيفٍ على أعدائكم، ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ترك العدل، وإيثار العدوان على الحق.

وفي هذا دليلٌ على نفوذ حكم العدو على عدوه في الله تعالى ونفوذ شهادته عليه؛ لأنه أمر بالعدل -وإن أبغضه-، ولو كان حكمه عليه وشهادته لا تجوز فيه -مع البغض له-؛ لما كان لأمره بالعدل فيه وجهٌ، ودلت الآية أيضًا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المثلة بهم غير جائزةٍ -وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمونا بذلك-، فليس لنا أن نقتلهم بمثلةٍ؛ قصدًا لإيصال الغم والحزن إليهم» 176.

وقال ابن كثير: «أي: لا يحملنكم بغض قومٍ على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحدٍ-صديقًا كان أو عدوًا- ولهذا قال: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي: عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه، ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} [النور: 28] .

وقوله: {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيءٌ، كما في قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24] .

وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم» 177.

وقال الشعراوي: «أي: لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا، وإلا سيكون البغض لصالح عدوكم، وبغض المؤمن إذا حمله على اتباع هواه سيكون لصالح العدو؛ لأن الله سيعاقب المؤمن -لو أدخل الهوى والبغض في إقامة الميزان العادل-، فتحكيم البغض والعداء والهوى يكون لصالح الخصوم؛ لذلك لا يحملنكم أيها المؤمنون شنآن -أي بغض- قوم على ألا تعدلوا.

ويضيف الحق: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} والعدالة حين تطلب مع الخصم هي تقريع لذلك الخصم؛ لأنه خالف الإيمان، ومن المؤكد أن الخصم يقول لنفسه: إن عدالة هذا المسلم لم تمنعه من أن يقول الحق، ولابد أن عقيدته تجعل منه إنسانًا قويًا، وأن دينه الذي أمره بذلك هو نعم الدين.

إذن ساعة تحكم أيها المؤمن بالعدل لخصمك فأنت تقرعه؛ لأنه ليس مؤمنًا، لكن لو رأى خصمك أنك قد جرت ولم تذهب إلى الحق فأنت بذلك تشجعه على أن يبقى كافرًا؛ لأنه سيعرف أنك تتبع الهوى، أما إذا رآك وأنت تقف موقفًا يرضي الله مع أنه خصم لك، فهو يستدل من ذلك على أن العقيدة التي آمنت بها هي الحق، وأنك تقيم الحق حتى في أعدائك.

وهكذا يقرع الخصم العقدي نفسه، وقد يلفته ذلك إلى الإيمان.

{اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أقرب إلى أي تقوى؟ أأقرب إلى تقوى المؤمن؟ أم أن الخصم يكون أقرب إلى التقوى حين يرى المؤمن مقيمًا للعدل والحق، فلعله يرتدع ويعاود نفسه ويقول: إن الإيمان قد جعل هذا المسلم يتغلب على البغض، وحكم بالحق على الرغم من أنه يعلم أنني عدو له؟، فالمعنى النفسي الذي يصيب خصمك، أو من يبغضك أو من بينك وبينه شنآن، حين يراك آثرت الحق على بغضك له يجعله يلتفت إلى الإيمان، الذي جعل الحق يعلو الهوى، ويغلبه ويقهره، ويصير أقرب للتقوى، و أيضًا من يشهد بالقسط؛ هو أقرب للتقوى» 178.

لإقامة العدل بين الناس ثمرات كثيرة، منها:

أولًا: الأمن في المجتمع:

إن آثار العدل ومباشرته في الحكم، على نحو صورة العدل المطلوب في سياسة الإسلام حسبما جاء في كتاب الله، توفر حتمًا: صيانة الأعراض من الاعتداء عليها، وصيانة النفوس من الاضطهاد والتعذيب، ومن تتبع الخصوصيات لها ومراقبتها، وعدم التفرقة في فرص المعيشة، وتولي الوظائف العامة.

فبالعدل يتحقق الاستقرار والطمأنينة في المجتمع المسلم؛ لما يشعر به كل فرد من أنه ليس أقل من غيره، وأنه سيحصل على حقه في التعليم والوظائف العامة ونحوها.

والقضاء على الفتن الطائفية؛ نظرًا لشعور الذميين بأن لهم حق المواطنة على قدم العدل مع المسلمين.

ولا أدل على معنى الأمن في المجتمع من إقامة العدل بالقصاص من المعتدي؛ ليكف عدوانه عن المجتمع، فيظل المجتمع مستقرًا هادئًا.

وهذا الاستقرار والهدوء عبر عنه المولى بـ «الحياة» فقال: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] .

فالقصاص فيه ضمان لبقاء المجتمع وحياته 179.

ومن مقتضى رحمته وحكمته سبحانه وتعالى أن يكون التحاكم بين العباد بشرعه ووحيه؛ لأنه المنزه عما يصيب البشر من الضعف والهوى والعجز والجهل، فهو سبحانه الحكيم العليم اللطيف الخبير، يعلم أحوال عباده وما يصلحهم، وما يصلح لهم في حاضرهم ومستقبلهم، ومن تمام رحمته أن تولى الفصل بينهم في المنازعات والخصومات وشئون الحياة؛ ليتحقق لهم العدل والخير والسعادة، بل والرضا والاطمئنان النفسي، والراحة القلبية.

ذلك أن العبد إذا علم أن الحكم الصادر في القضية التي يخاصم فيها هو حكم الله الخالق العليم الخبير، قبل ورضي وسلم -حتى ولو كان الحكم خلاف ما يهوى ويريد-، بخلاف ما إذا علم أن الحكم صادر من أناس بشر مثله، لهم أهواؤهم وشهواتهم؛ فإنه لا يرضى ويستمر في المطالبة والمخاصمة؛ ولذلك لا ينقطع النزاع ويدوم الخلاف، وأن الله سبحانه وتعالى إذ يوجب على العباد التحاكم إلى وحيه رحمة بهم، وإحسانًا إليهم؛ فإنه سبحانه بين الطريق العام لذلك أتم بيان وأوضحه بقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 58 - 59] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ويروى: الله ينصر الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة، وإن كانت مؤمنة» 180.

وقال ابن القيم: «الإنسان خلق في الأصل ظلومًا جهولًا، ولا ينفك عن الجهل والظلم إلا بأن يعلمه الله ما ينفعه، ويلهمه رشده، فمن أراد به خيرًا؛ علمه ما ينفعه، فخرج به عن الجهل، ونفعه بما علمه، فخرج به عن الظلم، ومن لم يرد به خيرًا؛ أبقاه على أصل الخلقة، فأصل كل خير هو العلم والعدل، وأصل كل شر هو الجهل والظلم، وقد جعل الله سبحانه للعدل المأمور به حدًا، فمن تجاوزه كان ظالمًا معتديًا، وله من الذم والعقوبة بحسب ظلمه وعدوانه» 181.

وقال أيضًا: «إذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد:

أحدها: مشهد التوحيد، وأن الله هو الذي قدره وشاءه وخلقه، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

الثاني: مشهد العدل، وأنه ماضٍ فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه» 182.

ثانيًا: سعة الرزق:

ذكر المولى سبحانه وتعالى في آيات كثيرة أن رغد العيش، وسعة الرزق في إقامة أوامر الله وشرعه، الذي من أولياتها ومقاصدها العدل، ومن هذه الآيات:

قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 66] .

وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] .

وقال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 - 12] .

وقال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16] .

قال القطان: «أوحى الله إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنه لو استقام الإنس والجن على الحق والعمل بشريعة العدل، ولم يحيدوا عنها لأسقيناهم ماءً غزيرًا، ولرزقناهم سعة في الرزق، ورخاءً في العيش» 183.

وقال محمد بن إسماعيل المقدم: « {عَلَى الطَّرِيقَةِ} أي: على طريقة الحق والعدل.

{لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} أي: لوسعنا عليهم الرزق، وإنما عبر بالماء الغدق -وهو الكثير- عن سعة الرزق؛ لأن الماء الكثير هو أصل المعاش، وسعة الرزق، ولعزة وجوده بين العرب، فهم يعظمون الماء أكثر من غيرهم؛ فمن ثم وعد الله هؤلاء بقوله: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} » 184.

وقال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] .

قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: «قال الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: الفساد القحط، وقلة النبات، وذهاب البركة، قال أبو العالية: من عصى الله في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96] .

قال: البركات: المطر والنبات، وقال تعالى في أهل الكتاب: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66] .

قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير: {مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} يعني: المطر والنبات، وقال هود لقومه: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] .

ذكر المفسرون: أن قوم هود حبس الله عنهم المطر بسبب ذنوبهم ثلاث سنين، فقال لهم هود: إن آمنتم أحيا الله بلادكم، وزادكم عزًا على عزكم. وقال نوح لقومه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) } [نوح: 10 - 12] .

قال قتادة: علم نبي الله أنهم أهل حرص على الدنيا، فقال: هلموا إلى طاعة الله؛ فإن في طاعة الله سعادة الدنيا والآخرة، وقال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16] .

ومعنى الآية: لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام، وعدلوا إليها، واستمروا عليها؛ لأسقيناهم ماءً غدقًا، يعني: سعة الرزق، وضرب الماء الغدق مثلًا؛ لأن الخير والرزق كله من المطر، هذه الآيات تدل على أن المعاصي سبب لحبس المطر، وذهاب البركة، وأن طاعة الله سبب للمطر والبركات.

وقد روى الإمام أحمد بن حنبل عن أبي مخدع أنه قال: وجد رجل في زمان زياد أو ابن زياد صرة فيها حب يعني: من بر أمثال النوى، مكتوب فيها: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه العدل، وجاءت في هذا المعنى أحاديث» 185.

وفي المقابل ذكر الله تعالى أن البغي والظلم هو سبب الحرمان من خيراته ورزقه فقال: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146] .

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [يونس: 13] .

وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59] .

وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ: 15 - 17] .

وبمفهوم المخالفة من هذه الآيات فإن العدل هو سبب إغداق الله على عبيده بكل أصناف النعيم.

ثالثًا: الثقة بين الحاكم والرعية:

العدل هو أول واجبات ولاة الأمور، وهو وضع الأشياء في مواضعها، وإعطاء كل ذي حق حقه، والمساواة في الإنصاف بميزان القوانين، وبتحقيقه تكون الثقة بين الحاكم والرعية أقوى من الجبال الرواسي.

سأل الإسكندر حكماء أهل بابل: هل الشجاعة عندكم أبلغ أو العدل؟ فقالوا: إذا استعملنا العدل استغنينا عن الشجاعة، فإلى العدل انتهت الرياسة الكاملة، والمملكة الفاضلة 186.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] .

قال الطبري: «أولى الأقوال بالصواب في معنى الآية قول من قال: هو خطاب من الله إلى ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا أمره في فيئهم وحقوقهم، أو ما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم في القضية، والقسم بينهم بالسوية» 187.

وقال القرطبي: «فالله سبحانه وتعالى يأمر الحكام بإقامة العدل بين الناس في أحكامهم؛ حتى لا تضيع الحقوق، وتنتفي الأمانة» .

وقال أيضًا: «الأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلمات، والعدل في الحكومات، وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع، والتحري في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه» 188.

وقال البيضاوي: «هو خطاب يعم المكلفين؛ ولأن الحكم وظيفة الولاة -قيل الخطاب لهم-، أي: وأن تحكموا بالإنصاف والسوية إذا قضيتم بين من ينفذ عليه أمركم، أو يرضى بحكمكم» 189.

وقال الرازي: «أجمعوا على أن من كان حاكمًا وجب عليه أن يحكم بالعدل، وقد أوجب الله العدل على جميع الخلق -حتى الأنبياء-، قال تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] » 190.

وقال الشوكاني: «والعدل هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله، ولا في سنة رسوله؛ فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله، ولا بما هو أقرب إليهما، فهو لا يدري ما هو العدل؛ لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فضلًا عن أن يحكم بها بين عباد الله» 191.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] .

قال الطاهر بن عاشور: «وإنما أمر بذلك بعد الأمر بالعدل، وأداء الأمانة؛ لأن هذين الأمرين قوام نظام الأمة، وهو تناصح الأمراء والرعية، وانبثاث الثقة بينهم» 192.

فهذه النصوص -وإن كانت تمتلئ بالتفخيم في أمر الحاكم-؛ فلأنه القائم بأمر الله في أرضه، فهي كذلك تحذره في نفس الوقت؛ لأنه ليس مالكًا للعباد، فطاعته ما قادهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم 193.

فعلى الحاكم الاجتهاد في إقامة العدل والاستقامة، وأن لا تأخذه في الله لومة لائم، فيكون حكمه وشهادته لوجه الله، دون تحيز أو محاباة، ولو كان في ذلك الحكم وتلك الشهادة مسٌ به شخصيًا، أو إلحاق أذى أو مضرة بوالديه أو بأقاربه وأنسبائه؛ ذلك أن صلة البر لا تكون بكتمان الحق، ولا بإعانة هؤلاء على ما ليس لهم بحق، فالحق أحق بالإتباع، وهو الحاكم على كل إنسان.

«فالعدل الذي يجب أن يتحلى به الحاكم لا يميل ميزانه الحب والبغض، ولا تغير قواعده المودة والشنآن، العدل الذي لا يتأثر بالقرابة بين الأفراد، ولا بالتباغض بين الأقوام، فيتمتع به أفراد الأمة الإسلامية جميعًا، لا يفرق بينهم حسب ولا نسب، ولا مال ولا جاه، كما تتمتع به الأقوام الأخرى، ولو كان بينها وبين المسلمين شنآن، وتلك قمة العدل لا يبلغها أي قانون دولي إلى هذه اللحظة، ولا أي قانون داخلي كذلك» 194.

موضوعات ذات صلة:

الإنصاف، التمكين، الحساب، الحكم، السياسة، الظلم، الوسطية

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 246، مجمل اللغة، ابن فارس 1/ 651.

2 انظر: العين، الفراهيدي 2/ 11، جمهرة اللغة، ابن دريد 2/ 663، المصباح المنير، الفيومي 1/ 206، تاج العروس، الزبيدي 29/ 444.

3 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 2/ 123.

4 انظر: فتح القدير، الشوكاني 1/ 480.

5 الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، السعدي ص 253.

6 مداواة النفوس ص 81.

7 انظر: التعريفات ص 153.

8 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 448 - 449.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت