فهرس الكتاب

الصفحة 1879 من 2431

فمن تمام نعيم أهل الجنة الذين يجلسون في الغرفات آمنون مكرمون أنهم يتساءلون فيما بينهم عن المجرمين الذين حبسوا في سقر، بسبب تكذيبهم لدعوة الله، ورفضوا الاستجابة لأمر الله عز وجل.

يقول ابن عاشور: «ومعنى يتساءلون يجوز أن يكون على ظاهر صيغة التّفاعل للدّلالة على صدور الفعل من جانبين، أي: يسأل أصحاب اليمين بعضهم بعضًا عن شأن المجرمين، وتكون جملة ما سلككم في سقر بيانًا لجملة يتساءلون» 61.

وقال تعالى في سورة الطور: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) } [الطور:25] .

في المقابل نجد أن الله عز وجل يخبرنا عن أهل النار الطغاة المستكبرين الذين كانوا يعدون أنفسهم من الأشراف والرؤساء، يتساءلون فيما بينهم لماذا لا نرى رجالًا كنا نعدهم من الأشرار، قال تعالى: {وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) } [ص:62] .

لحظة التذكر هذه تدل على حالة أسف وتوبيخ لأنفسهم ولذواتهم، إذ لم يجدوا المستضعفين والمخالفين والفقراء والمؤمنين بالله عز وجل معهم في جهنم. يقول ابن الجوزي: قال الفراء: «وهذا استفهام بمعنى التعجّب والتوبيخ، والمعنى أنهم يوبّخون أنفسهم على ما صنعوا بالمؤمنين» 62. وصدق الله العظيم حين قال: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) } [ص:64] .

قال الرازي معلقًا على الموقفين: «واعلم أنّه تعالى ذكر من أحوال أهل النّار أنواعًا فالأوّل: مرجعهم ومآبهم، فقال: {هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) } [ص:55] .وهذا في مقابلة قوله: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) } [ص:49] . فبيّن تعالى أنّ حال الطّاغين مضادٌّ لحال المتّقين» 63.

فالمؤمنون لهم جنات عدن مفتحة لهم الأبواب، قال تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) } [الكهف:31] .

والكافرون الطغاة الظلمة لهم نار جهنم يصلونها، قال تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) } [الكهف:29] .

وعليه فإنه لا بد من تصنيف الناس يوم القيامة، كل حسب عمله وحسب إيمانه وتقواه، فهو سبحانه يعطينا سؤالًا استفهاميًّا استنكاريًّا فيقول تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) } [القلم:35] .

وإجابة الاستفهام معروفة أنهم لا يستوون؛ فليس المسلمون كالمجرمين. فالسؤال ينكر بشكل بليغ كيف يطالب هؤلاء مساواة المسلم مع المجرم، وكيف يستوي عند هؤلاء من أسلم نفسه لله واتبع منهجه وآمن بربه وبشرعه مع من خرج على منهج الله ورفض اتباعه وعصى وأبى، وأفسد في الأرض ... لا يستوون.

أورد عمر سليمان الأشقر توجيهًا منهجيًّا لمن توهم أن في النصوص تعارض في موضوع مساءلة الكفار يوم القيامة، قال رحمه الله: «فإن قيل: قررتم فيما سبق أن الكفار يسألون ويجادلون ويتكلمون ويعتذرون، فيكف تفعلون بالنصوص الدالة على خلاف ذلك، كقوله تعالى: {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص:78] مضاد لقوله: {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [العنكبوت:13] .

وقوله تعالى: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل:93] يتناقض مع قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) } [المؤمنون:101] ونحو ذلك من النصوص» 64.

قال القرطبي رحمه الله: «فنقول: ليس بين هذه النصوص وتلك تعارض، وقد وفق أهل العلم بينهما بوجوه عدة:

الأول: أن الكفار لا يسألون سؤال شفاء وراحة، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، لم عملتم كذا وكذا؟ وكذا يقال في تكليمهم واعتذارهم، أي لا يكلمهم الله بما يحبونه، بل يكلمهم بما لا يحبون بطريقة فيها تقريع وتوبيخ.

الثاني: أنهم لا يسألون سؤال استفهام، لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم، وإنما يسألون سؤال تقرير، فيقال لهم: لم فعلتم كذا؟ قال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم، لأن الله حفظها عليهم وكتبتها عليهم الملائكة.

الثالث: أنهم يسألون في يوم القيامة في موطن دون موطن، قال القرطبي: «القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك» 65.

قال الإمام أحمد في أجوبته القرآنيّة: «أوّل ما تبعث الخلائق على مقدار ستّين سنةً، لا ينطقون، ولا يؤذن لهم في الاعتذار فيعتذرون، ثمّ يؤذن لهم في الكلام فيتكلّمون، فذلك قوله تعالى: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا} [السجدة:12] الآية، فإذا أذن لهم في الكلام تكلّموا واختصموا؛ فذلك قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) } [الزمر:31] عند الحساب وإعطاء المظالم، ثمّ يقال لهم بعد ذلك {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) } [ق:28] يعني في الدّنيا، فإنّ العذاب مع هذا القول كائنٌ» 66.

قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) } [الإسراء 85] .

إن الله عز وجل أخبرنا عن الروح بعد أن سئل عنها رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ولم يعطنا عن كيفيتها علمًا، يقول أبو الحسن الأشعري: «إن الله لم يخبر عنها ما هي، لا أنها جوهر ولا أنها عرض» 67. ويقول فهد الرومي: «صرف الجواب عن ماهيتها؛ لأنه ليس من شئون العقل ولا من مداركه» 68.

أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله وهو ابن مسعود 69، قال: (بينما أنا أمشي مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حرثٍ، وهو متّكئٌ على عسيبٍ، إذ مرّ بنفرٍ من اليهود، فقال بعضهم لبعضٍ: سلوه عن الرّوح، فقالوا: ما رابكم إليه، لا يستقبلكم بشيءٍ تكرهونه، فقالوا: سلوه، فقام إليه بعضهم فسأله عن الرّوح، قال: فأسكت النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فلم يردّ عليه شيئًا، فعلمت أنّه يوحى إليه، قال: فقمت مكاني، فلمّا نزل الوحي قال: ( {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(85) } [الإسراء:85] ) 70.

قال ابن وهبٍ عن مالكٍ: لم يأته في ذلك جوابٌ، وقد قال بكر بن مضر في رواية ابن وهبٍ عنه: إنّ اليهود قالوا: سلوه عن الرّوح، فإن أخبركم فليس بنبيٍّ، وإن لم يخبركم فهو نبيٌّ، فسألوه فنزلت الآية 71.

القرآن الكريم كلام الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ولهذا فإن آياته في غاية الدقة والإحكام وتشريعاته واضحة بينة فصلها الخبير العليم، من أجل إسعاد البشرية، فكان القرآن العظيم هو المصدر الأول للتشريع، ولأجل هذا ذكر القرآن عددًا من التساؤلات حول الجانب التشريعي كالإنفاق والرزق والمال والخراج والإرث، ثم ذكر القرآن الكريم تساؤلات عن اليتامى والخمر والميسر والمحيض والحلال والحرام وعن القتال في الأشهر الحرم وتقسيم الغنائم. يقول ابن عاشور: وجميع الآيات الّتي افتتحت بيسئلونك هي متضمّنةٌ لأحكامٍ وقع السّؤال عنها فيكون موقعها في القرآن مع آياتٍ تناسبها نزلت في وقتها أو قرنت بها 72.

وتفصيل كل ذلك في المطالب التالية:

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) } [البقرة:215] .

وقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) } [البقرة:219] .

يقول الطبري: «يسألك أصحابك يا محمد، أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به؟ وعلى من ينفقونه؟ فقل لهم: أنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل، فإنكم ما تأتوا من خير وتصنعوه إليهم فإن الله به عليم، وهو محصيه لكم حتى يوفّيكم أجوركم عليه يوم القيامة، ويثيبكم على ما أطعتموه بإحسانكم عليه» 73.

فالصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على من ينبغي أن يفضلوا؟ فأعلم الله عز وجل أن أول من تفضّل عليه الوالدان والأقربون 74.

وفي الآية دلالة على أن المنفق في سبيل الله لا بد أن ييسر الله له من ينفق عليه وعلى عياله.

قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) } [آل عمران:134] .

لأنه يقرض الله قرضًا حسنًا، ولن يضيع الله مال من أقرضه، وصدق الله حين قال: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المزمل:20] .

كما أن على الناس أن يعلموا أن المال في الحقيقة هو مال الله، ولكنه استخلفه عباده ليرى كيف يعملون.

وقد ذكر ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن ابن عبّاسٍ: «أنّ نفرًا من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، حين أمروا بالنّفقة في سبيل اللّه، أتوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبيّ اللّه: إنّا لا ندري ما هذه النّفقة الّتي أمرتنا بها في أموالنا فما ننفق منها؟ فأنزل اللّه في ذلك: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة:219] وكان قبل ذلك ينفق ماله حتّى ما يجد ما يتصدّق به، ولا ما يأكل حتّى يتصدّق عليه» 75.

وأورد الطبري بسنده عن السدي قال: «يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما هي النفقة ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة» 76.

قال تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) } [النساء:176] .

ورد في سبب نزولها ثلاثة أقوال:

أحدها: أن جابر بن عبد الله مرض، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «كيف أصنع في مالي يا رسول الله، كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيءٍ، حتّى نزلت آية الميراث» 77.

والثاني: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بابنتين لها، فقالت: يا رسول قتل أبو هاتين معك يوم أحد، وقد استفاء عمهما مالهما، فنزلت، روي عن جابر بن عبد الله أيضًا 78.

والثالث: أن عبد الرحمن أخا حسان بن ثابت مات، وترك امرأة، وخمس بنات، فأخذ ورثته ماله، ولم يعطوا امرأته، ولا بناته شيئا، فجاءت امرأته تشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، هذا قول السدي.

الإرث: ملك ما يتركه الميت لمن بعده ممن هو أولى به في حكم الله 79. أو هو تركة الماضي للباقي 80 بدون كسب.

قال أبو حيان الأندلسي: روي عن أبي بكرٍ رضي الله عنه أنّه قال في خطبته: «ألا إنّ آية أوّل سورة النّساء أنزلها اللّه في الولد والوالد، والآية الثّانية أنزلها اللّه في الزّوج والزّوجة والأخوة من الأمّ، والآية الّتي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام» 81.

وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، قال: «كان المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ اللّه من ذلك ما أحبّ، فجعل للذّكر مثل حظّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلّ واحدٍ منهما السّدس، وجعل للمرأة الثّمن والرّبع، وللزّوج الشّطر والرّبع» 82.

يقول الله تعالى: {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) } [البقرة:220] .

ورد في تفسير عبد الرزاق عن قتادة قال: لمّا نزلت: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام:152] ، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء:10] اعتزل النّاس اليتامى، فلم يخالطوهم في مأكولٍ، ولا مشروبٍ، ولا مالٍ، فشقّ ذلك على النّاس، فسألوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل اللّه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة:220] 83.

وفي الآية دلالة على أن المقصد الأسمى من هذه الآية هو رعاية شأن اليتيم، والحرص على جلب المنافع له، فمن فعل ذلك فقد تخلق بأخلاق الصالحين والأنبياء، وأهم موضوع في رعاية اليتيم مخالطته، وهو ما دل عليه قوله تعالى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} لأن الناس خافوا من التعامل مع اليتامى خوف أكل أموالهم أو ظلمهم، فأخبرهم أن الإصلاح لشأنهم هو الحل، وذلك بكفالتهم ورعاية مصالحهم رعاية شاملة، بدءًا من الإصلاح الإنساني بمراعاة مشاعر اليتيم وإكرامه كإنسان له كيان محترم، ناهيك عن مراعاته كطفل فقد حنان الأبوة أو الأمومة.

ثم الإصلاح الاجتماعي في إيجاد مأوى ومسكن له، فنحميه من التشرد والنوم في الطرقات، وكذلك الإصلاح المالي في كل جوانبه، فلا نأكل ماله ظلمًا، ومن فعل ذلك فسوف يعاقبه الله بالنار تأكل بطنه.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء:10] .

بل إن القرآن أوصانا بعدم الاقتراب من ماله إلا في مجالات تنميته وزيادته، فقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام:152] .

لما نزل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} ، أشفق المسلمون من خلطة اليتامى فعزلوا لهم بيتًا، وعزلوا طعامهم وخدمهم وثيابهم، فشق ذلك عليهم جميعًا، فسألوا عن ذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} الآية 84.

إن السؤال عن اليتامى فيه إضمار، لأنه تعالى لم يبين في أي حكم 85 لكنه يحتوي على ما يعمل الناس في أموال اليتامى، من المخالطة وأنواع المصالح 86.

وإضماره -واللّه أعلم- أن يقال: يسألونك عن مخالطة اليتامى، يبين ذلك قوله: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} أن السؤال كان عن المخالطة 87.

وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة:220] أي: هو يعلم حين تخلط مالك بماله فهل نيتك إصلاح مالك أم ماله، ويعلم من يريد أن ينمي مال اليتيم ويربيه أم يفسده.

وفي قصة موسى عليه السلام مع الخضر، نجد أن الخضر عليه السلام يبذل قصارى جهده لبناء جدار في قرية رفضت ضيافته، ونحن نعلم كم في ذلك من مشقة وعنت، لكنه يبين مقصده من أفعاله تلك بأنه فعل ما فعل من أجل يتيمين، ومراعاة لمصالحهما.

يقول الله تعالى عنه: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف:82] .

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) } [البقرة:219] .

يسألونك يا محمد عن حكم الخمر وحكم القمار، فقل لهما إنّ في تعاطيهما ضررًا عظيمًا وإثمًا كبيرًا، ومنافع مادية ضئيلة، لأنّ ضياع العقل وذهاب المال، وتعريض البدن للمرض في الخمر وما يسببه القمار من خراب البيوت، ودمار الأسر، وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين لا يساوي ما فيهما من نفع قليل تافه 88.

ولهذا من حِكَمِ تسمية الخمر بهذا الاسم: أنها تستر العقل وتخامره وتخالطه وتغطيه 89.

والسؤال فيه إضمار لأنه تعالى لم يبين أي حكم، فكأنه قال: يسألونك عن شرب الخمر والعمل بالقمار، فقال: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} ، وهذا دل على أن السؤال كان عن شرب الخمر والعمل بالميسر 90.

فإذا تعارضت المصلحة والمفسدة روعي أكبرهما، فعطلت المفسدة الكبرى، ولو بإهمال مصلحة لا توازي تلك المفسدة 91.

وفي الآية تأكيد على أن الخمر والميسر إثم، لقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة:219] .

وقد حرم الله الإثم، أي: الذنب الذي يؤثم صاحبه، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ} [الأعراف:33] .

وعلى كل فإنه قد يكون في الشيء المحرم فيه منفعة، ولكن ليس كل ما فيه منفعة يجوز استعماله، وقد قال الله عز وجل في الخمر والميسر: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة:219] فأخبر أن فيهما منافع، ولكن الضر أكبر، وهكذا المحرمات، قد ينتفع الزاني بالزنا وهو محرم، فليس كل شيء فيه نفع يجوز فعله، بل يجب على الإنسان أن يتبع شرع الله، في الإباحة والحرمة، والغالب أن ما نهى الله عز وجل عنه ونهى عنه رسوله أن نفعه مستغرق في مضراته، وضره أعظم وأشد وأكثر. ولهذا فإن القاعدة الأصولية تقول: إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ ولذلك حرم الله تعالى الخمر مع أن فيه منافع، لكن المفسدة فيه كانت أعظم من المصلحة، {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة:219] .

فمفاسد الخمر: من زوال العقل وانتشار الفساد والصد عن سبيل الله وعن الصلاة، أكبر من جلب المصلحة الكامنة في الربح الزهيد المترتب على بيع الخمر ونحوه، فيقدم درء المفاسد على المصالح.

قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) } [البقرة:222] .

كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يساكنوها في بيت ولم يجالسوها على فراش كفعل المجوس واليهود، فسأل أبو الدحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: «يا رسول الله، كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} » 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت